كيف سيؤثر استفحال الفساد وإهدار المال العام على مستقبل السلطة التنفيذية الجديدة؟

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس-“القدس العربي”:  تعدّ ليبيا من ضمن الدول العشر الأكثر فسادا في العالم، وهو ما ذكرته مختلف التقارير الدولية ذات العلاقة بمكافحة الفساد وتبييض الأموال وإهدار المال العام والسرقة. وفي الحقيقة فإن هناك بيئة خصبة داخلية ملائمة مهدت لانتعاش هذه الظاهرة في بلد عمر المختار على غرار اعتماد المحاصصة القبلية وغياب الرقابة وعدم الالتزام بمعايير الوظائف القيادية.
ففي ليبيا تحدث أشياء غريبة لا يوجد لها مثيل في بلدان أخرى من العالم على غرار عدم التحاق الموظف العمومي بمقر عمله لمدة أسابيع ويتقاضى بالمقابل راتبه كاملا رغم ما يمثله ذلك من إهدار للمال العام يعتبره البعض أشد خطورة من السرقة. والسؤال المطروح هو كيف ستتعامل السلطة التنفيذية الجديدة التي ستدير المرحلة الانتقالية مع التحديات التي ستعترضها ومنها الفساد، وما مدى تأثير ذلك على أدائها ونجاعتها وعلى مستقبلها خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي ستسبق إجراء الانتخابات؟
فساد مقنن

تجدر الإشارة إلى ان الفساد في ليبيا مشرعن بقوانين يعود بعضها إلى سنة 1973 وعوضا عن إصلاح الخلل والتدارك، تمّت إضافة قوانين أخرى زادت الوضع تعقيدا، وهو الأمر الذي أوجد الفساد حتى في أروقة الجهات التي تكافحه. وكان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المستقيل غسان سلامة قد تحدث أكثر من مرة عن استفحال الفساد في ليبيا محذرا من تداعياته، لكن تحذيراته تمّ تجاهلها ولم تجد آذانا صاغية.
ومن المؤكد ان تحدي الفساد ومحاربته يجب أن يكون من أولويات السلطة التنفيذية الانتقالية في ليبيا، إذ ان هذه الحكومة الجديدة جاءت في ظرف دقيق محكوم بتقلبات عديدة وبموازين قوى داخلية وخارجية وهذا سيؤثر سلبا على طريقة تصديها لمختلف الآفات التي تواجهها البلاد وفي مقدمتها آفة الفساد، التي تبدو مكافحتها في الوقت الراهن أمرا بعيد المنال. وفي هذا الإطار يعتبر مصطفى الجريء، المحلل المختص في الشؤون الليبية، لـ “القدس العربي” انه “ليس بمقدور الحكومة الوليدة فعل شيء في سياق مكافحة الفساد لأنها، وباختصار شديد، ملزمة بخريطة طريق حدد أهدافها من شاركوا في الحوار الليبي من الفرقاء، ورعاة الحوار، والأطراف الخارجية التي يدين لها الفرقاء الليبيون بالولاء، ومن هذه الأهداف انجاز الاستحقاقات الانتخابية وتوحيد المؤسسات السيادية”.

تحديات

فالوضع الراهن في ليبيا فيما يتعلق بالميزانية مقلق، والبلاد تقف على حافة الإفلاس وسيناريو وضعها تحت الوصاية المالية غير مستبعد الحدوث بحسب قول الجريء. ورغم تقيد السلطة التنفيذية الجديدة بخريطة الطريق إلا أنها ستجد نفسها أمام كم هائل من المتطلبات الحياتية اليومية، إذ تتطلع شرائح ليبية واسعة إلى هذه الحكومة لتقوم بحل الأزمات المتراكمة مثل أزمة الكهرباء وتحسين البنية التحتية، والصحة، والتعليم، والتأمين، وصيانة المنشآءات النفطية دون نسيان ابتزاز المجموعات المسلحة وكذلك أجور الموظفين وتوفير ميزانية الانتخابات العامة، والاستفتاء على الدستور.
وبالتالي فإن أمام السلطة التنفيذية المقبلة وبالإضافة إلى تنفيذ خريطة طريق المرحلة الانتقالية، حزمة من المطالب والتحديات التي تجد نفسها مسؤولة عن تلبيتها وإلا واجهت غضب الشارع الذي يفتح الباب على كل السيناريوهات بما في ذلك العصيان المدني. فالمواطن الليبي صبر كثيرا على تردي الخدمات العمومية وكان يتطلع إلى حصول اتفاق بين فرقائه تنبثق عنه حكومة موحدة تسارع إلى تحسين الخدمات المسداة للمواطن ولا يبدو أنه سيصبر على حكومة صبره على من سبقها.

القطاع الحيوي

وبسبب اعتماد الميزانية على ايرادات النفط بنسبة 95 في المئة فإن أي تعطل لتصدير هذه المادة الحيوية لمعيشة الليبيين من قبل أية جهة سواء أكانت داخلية أم خارجية، سوف ينعكس سلبا وبصفة مباشرة على إيفاء الحكومة بالتزاماتها وتعهداتها الإصلاحية باعتبار أن المحروقات تكاد تكون المصدر الوحيد للدخل. ويواجه هذا الملف هو أيضا عدة مشاكل تتطلب إجراءات عاجلة ولا يمكن تأجيلها بأي حال من الأحوال، ومن ذلك التسوية العاجلة لوضعية منتسبي جهاز حرس المنشآت النفطية المعتصمين منذ أسابيع في الهلال النفطي ويهددون بغلق الموانئ التي يتم منها تصدير النفط الليبي إلى العالم.
فمعضلة النفط في ليبيا وتعطل إنتاجه في عديد المرات بسبب الاضطرابات التي عاشها البلد في السنوات الأخيرة، واستغلاله المستمر كورقة ضغط بين الفرقاء الليبيين ومن يدينون لهم بالولاء في الخارج، هو الوجه الآخر للفساد بكل تجلياته ومظاهره. فأينما وجد النفط فإن رائحة الفساد تكون أيضا حاضرة معه من خلال الصفقات المشبوهة التي تبرم هنا وهناك من دون أن يكون للشعب أي علم بها، حيث يتمّ اقتسام ثروات البلد بين كبرى الشركات النفطية ومن يواليها من الداخل والخارج وكأن ليبيا بلد خال من السكان ليس فيه شعب يجب أن يستفتى على ثرواته.

ضريبة التراخي

وأمام كل هذه المستجدات، ستجد السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا نفسها أمام وضعية لا تحسد عليها، وستدفع ضريبة انتشار عقلية سادت على مدى العقود الخمسة الماضية شعارها “المال العام غنيمة” وأدت إلى انتشار التواكل وتراجع ثقافة العمل لدى عموم الليبيين. كما أن الحكومة الجديدة ستدفع ضريبة تراخي فريق الخبراء التابع للحكومة الليبية المعترف بها في تنفيذ خطة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في ليبيا، حيث جرى عقد 19 اجتماعا مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد دون انجاز يذكر وما على هذه الحكومة إلا أن تتدارك الخلل عملا بمبدأ استمرارية المرفق العام وإلزامية التعهدات التي تتخذها الحكومة السابقة للحكومة التي تليها.
لذلك وفي خضم استفحال ظاهرة الفساد في هياكل الدولة ومؤسساتها فإنه ليس أمام الحكومة الجديدة من خيار سوى اللجوء إلى الاقتراض للقيام بالإصلاحات اللازمة ولتغطية النفقات ومتطلبات المرحلة او مواجهة هزّات اجتماعية هي في غنى عنها. ومن المفارقات أن هذا الأمر يحصل في بلد غني جدا بالثروات الطاقية التي تعتبر كلفة استخراجها من الأقل انخفاضا على مستوى العالم ناهيك عن كلفة تصديره المنخفضة بدورها باعتبار قرب ليبيا المتوسطية من السواحل الأوروبية، لكن الفساد يفعل فعله ويجعل هذا الشعب قليل العدد الذي من المفروض أنه يعيش الرفاه، يعاني الأمرين على مستوى معيشته.
فهل ستصمد السلطة التنفيذية المقترحة أمام لوبيات الفساد أم أن هذه الظاهرة المستفحلة ستتسلل إلى داخل الحكومة نفسها وتجعل مصيرها رهن المقايضات والمساومات الداخلية والخارجية؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية