لا تستقيم الميول الفنية ولا يلتقي المزاج الإبداعي مع الضوضاء والشوشرة والتوتر، حيث يحتاج التفكير والتدقيق إلى قدر كبير من الهدوء، تلك بديهية لا تقبل الشك، ولهذا فإن قضية الضوضاء تُعد من القضايا العصرية المزمنة، التي يتأثر بها المبدع أيما تأثر، وربما ما يلفت النظر في فيلم «كتم ضوضاء» للمخرج العراقي زيد شُكر أنه تجربة إبداعية خاصة لفن الرسوم المتحركة، كونه يذهب إلى مضمار مختلف في التعبير عن بقية الأفلام الأخرى، المُنتمية للنوع نفسه، والمهتمة عادة بتسلية الأطفال وإسعادهم أكثر من اهتمامها بتوعيتهم وتنبيههم للخطر البيئي المُستحدث، والطاغي على العقل والحواس، والمُتسبب في العديد من الاضطرابات النفسية.
هناك أوجه تميز كثيرة للفيلم الذي يجنح إلى مخاطبة الطفل عبر وسائل التأثير الضدية، كي يثبت في داخله المفهوم التوعوي على نحو عميق يناسب الخطر، فبدلاً من أن يقدم له المسرة في أوقات الفرح والسمر واللعب، اختار كاتب السيناريو والمخرج زيد شُكر، أن يقدم مباشرة الصورة السلبية كنقيض للحالة الإيجابية في عدم وجود الضوضاء، مُعتمداً على عوامل وأدوات فنية عدة، من أهمها تجسيم الصور الدالة على الشخصيات وصدى الصوت وسرعة الحركة والإيقاع، فضلاً عن وضوح الألوان وارتباط شخصية البطل الكارتوني بالبيئة المثالية التي يتصورها ويتوق للعيش فيها بعيداً عن مصادر القلق والمرض.
حشد الطاقات الإبداعية
وتمثل كل هذه الأشياء خصوصية مهمة في مسألة التعبير، ودرجات الإقناع المطلوبة من الناحية الموضوعية، خاصة إذا كان زمن الفيلم قصيرا إلى الحد الذي يستدعي حشد كل الطاقات الإبداعية، لتوفير كل عناصر الاختزال والتضمين، المناسبة لجلاء الحالة، ونفاذ الفكرة بكل مقاصدها إلى عقل المُتلقي الصغير، كي يستوعب ويستمتع ويستفيد، وهي مُعطيات مدروسة بدقة في علم التوجيه التربوي الخاص بعالم الطفولة.
والمُلاحظ في فيلم «كتم ضوضاء» أنه يخضع تماماً لهذه الدراسة العلمية، حيث لا مجال فيه للمصادفة، أو الأفكار المجازية، أو العابرة، فقد نجح صاحبة في استهداف الفكرة وإصابتها بشكل دقيق، ولم يترك مساحة افتراضية للظن والاحتمال، منعاً للبس ونفياً للتأويل البعيد عن المضمون المقصود، وهو تركيز محمود يُحسب بالقطع للمخرج المُعتني والمُهتم بواقع الطفل ومستقبلة، وفي الوقت نفسه يمكن اعتبار الرسالة الموجهة داخل الإطار الطفولي المُبسط رسالة عامة للكبير والصغير، حيث الضوضاء مرض عضال يُفسد الحياة ويعطل الإنجازات، ويتسبب في إهدار الوقت والجهد، وكلها أضرار يعاني منها الجميع بلا تمييز.
لقد أدخل المخرج تكوينات إضافية على التكوين الأساسي للفيلم، ليُضاعف من التأثير ويخلق حالة حقيقية، كالاعتماد على التفاعل الذهني للبطل مع الفراشات الطائرة والرؤى الخارجية، عبر نافذة البيت المُطلة على البراح الفسيح، كرمز للحرية غير المُستغلة بفعل الاضطراب والتوتر الآتي من الأصوات المُزعجة المُتعددة في مصادرها وإيقاعاتها، وتأثيراتها الضالعة في إصابة البطل بعدم الاستقرار، وتهديده بالجنون إذا ما استسلم وصار عاجزاً عن مقاومة الضوضاء التي لا تنتهي ولا تهدأ.
في مستويات المعالجة التي لجأ إليها المخرج كحل مؤقت للتخلص من الأزمة، جعل بطل فيلمه الاستثنائي المدهش، يختار الانفصال السمعي الكامل عن الواقع، بصم أذنيه بسدادات قطنية اتقاءً لشر الصداع المُزمن، والإرهاق النفسي والعصبي، وهو لجوء لأسهل الحلول الممكنة للخروج من المأساة الكونية والبشرية، وفي الوقت نفسه، يمكن تفسير هذه المعالجة البديهية بأنها نوع من التجريد كي تصير الحالة التعبيرية بسيطة في نهايتها، على عكس بدايتها وهو ما يعني الإشارة إلى إمكانية وجود حلول للمشكلات اليومية المُستعصية بأبسط الأدوات.
رسالة مختصرة
هذه الرسالة المُختصرة في مشهد النهاية هي في حد ذاتها دلالة مهمة لمعان كثيرة تخص المشكلة الدرامية المطروحة في فيلم الرسوم المتحركة «كتم ضوضاء»، وتنسحب أيضاً على نماذج مماثله لمشكلات أخرى أكبر أو أصغر، أي أنه يمكن القول إن الأفكار الواردة في السياق الفني والإبداعي للموضوع هي محض إسقاطات على حالات أخرى أكثر تعقيداً، وأشد وطأة في تفاصيلها وأبعادها وزواياها، وهو ما يميز التجربة ويجعلها جديرة بالتحليل والتأويل والمناقشة، في ضوء ما يُستشف من بين السطور والمشاهد والصور، شريطة الالتزام بالقراءة الموضوعية للحدث المحوري وطبيعة التناول. وبالضرورة يتحتم ذكر الأدوات الفنية المتميزة التي ارتكن إليها المخرج في بلورة المشاهد ببراعة، كالصوت والضوء، والموسيقى، والظلال والألوان، فقد كان لها أثر كبير في الإيفاء بالمعاني والمقاصد كافة، والتنبيه للمشكلة الراهنة والسابقة واللاحقة، بأسلوب فارق ووعي مختلف.
كاتب مصري