سرديات السلطة وضحايا المعجم

هناك معجم لساني يتحرك بقوة في الفضاء العربي – الإسلامي، يتحفّز ويتنمّر من خلال الخطاب، والأيديولوجيا، والعصاب، والتاريخ، وهذه «الخبطة» تتحول عند بعض الجماعات إلى لعبة في صناعة التوحش، وفي تسويغ خطاب القوة، ليكون ممارسة في فرض غريزة الترويض والسيطرة، أو في نقل وجهة نظر السلطة إزاء الآخر..
نحن ضحايا ذلك المعجم، وما يضمه من ملفوظات واستعارات ومنابر، وأزياء ومظاهر، وربما صرنا ضحايا علنيين لسردياته، التي احتكرت النص والمنبر، واليوم تحتكر منصات التواصل الاجتماعي لتكريس «تداولي» لمفهوم «فرضية» الحكم عبر السلطة، أو عبر إقامة الحدود، أو نقل شيفرة الخوف إلى الجمهور، ووضع مفهوم الطاعة الشرعية، خيارا تؤدي وظيفته الرمزية ملفوظات معينة ومحددة، ولإثبات نجاعتها في الخطاب الإشهاري، الذي تمارسه السلطة والجماعة، لاسيما السلطة العصابية بالمعنى الخلدوني، التي لا تنفصل كثيرا عن التاريخ، ولا عن نصوص النقل، تلك التي تتجوهر فيها شيفرة المقدس وقوة الحكم، والتأويل، والبيان. والمعيار الذي تم به تنصيب فهم قياسي للخطاب، يقوم على أساس مهيمنات مركزية، لها علاقة بالقوة الرمزية الاستعلائية لذلك المقدس، وبالمعطيات السياسية والأيديولوجية، التي تمخضت عنها، حيث أسهمت في تعطيل إرادة الاجتهاد من جانب، مثلما وضعت النص في خدمة السلطة، بوصف السلطة تملك شيفرات القياس من جانب آخر.
هذا «النص الخدماتي» ليس بريئا، إنه نصُ الجماعة، الذي تكرّس عبر سلطة القياس، وعبر التواطؤ بينها وبين فقه الحكم الصياني، وعبر غلبة العصاب، وعبر ثيمة بيع اللسان التي جاهر بها الشافعي – صاحب الحجاج الاستدلالي- في حديثه مع هارون الرشيد، وعبر تغويل ملفوظ الزندقة والمروق، الذي راح ضحيته كثيرون، بدءا من جعد بن درهم، وابن المقفع، والحلاج، وليس انتهاء بفرج فودة، ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، لاسيما بعد مجاهرة الحركات الجهادية و«القاعدة» بالتكفير، ومطالبة «الدواعش» باستعادة «دولة الخلافة» التي هي في الجوهر «دولة مضر» أو هي القناع الشرعي لـ«دولة القياس» التي تروّج لصورة «المسلم الأخير» في أدبيات العصاب..

نحن وحروب الأنماط

توصيف الأنماط ليس بعيدا عن وظائفها، إذ كثيرا ما تبدو وكأنها وظائف تمثيلية للأفكار والقيم والمهيمنات، التي تشاطرنا الوجود والمعاني والعادات والمخاوف، التي تكون السلطة بعضا من أشكالها وأدواتها، بوصفها أكثر الجهات تمثيلا واحتكارا للقوة. أنماط القياس، هي فرضيات للإبانة عن سلطة الظاهر من النص، مثلما هي موجهات تؤشر مدى علاقة «الجمهور المطيع/ الجمهور الطقوسي» بالتوصيف الذي تفرضه «السلطة» للهوية، ولأنماط التداول، بما فيها تداول الخطاب، والحديث، بوصفها تداوليات جامعة تخص ذلك الجمهور، ولا علاقة لها بـ«الآخر» الكافر، والخارج عن الملة والمرتد، وغيرها من ملفوظات القياس، وليست بعيدة عن المنطق الذي قال فيه الغزالي، بأنه «قول مؤلّف إذا سلم ما أورد فيه من القضايا لزم عنه لذاته قول آخر اضطراراً».
أنماط القياس وجدت في الفقه حكما وحدّاً، لعزل ما هو خصوصي في النص، إلى ما هو عمومي، حيث يكون النمط مسحوبا إلى ذلك الحكم، بوصفه جزءا منه، ولينعكس على أنماطه التداولية، بقطع النظر عن النشوء والاختلاف والبيئة، والتأويل، فـ»بيئة الصحراء» تلتقي مع «بيئة المدينة» وتفرض شروطها عليها، وفضاء التداول ينحسر أمام مركزية الحكم، حيث يتقوض التنوع والمختلف، وبما يجعل مفاهيم لا مركزية مثل العولمة والليبرالية والديمقراطية أكثر تناشزا عن القياس، وعن الواقع ذاته، وعن تاريخ الحمولات الرمزية للقوة وتعالقها مع النص والزعامة والأبوة واحتكار الفهم والتأويل والتأليف. الأحزاب الثورية والأصولية الدوغمائية، وبعض حكومات ما بعد «الربيع العربي» ليست بعيدة عن استعادة خطاب القياس، بوصفه خطاب مواجهة مع لعبة التقويضات التي بدت واضحة في توصيفات «ما بعد الكولنيالية» و«العولمة» وما بعد حروب الأنماط، إذ وجدت في التأطير الأيديولوجي مجالا لإعادة النظر بمركزة مفاهيم الثورة والمركزية الديمقراطية، والأمة والملة والحصانة القومية، وهي حصانات قريبة من القياس، حيث تستدعي فكرة المخلّص الشرعي، والمخلص الأيديولوجي والثوري، وليس المخلص الديمقراطي، إذ يتحول ذلك الخلاص إلى خطاب استعادي للآخر، وتسليما ميتافيزيقيا قائما على أنسنة الخوف والطاعة والخضوع، بوصفها سيمياء شرعية، مقابل الترويج لرفض الآخر، من منطلق تكفيره، ورفضه للقياس الشرعي، قياس الجماعة. هذا المعطى تحول إلى نمط استعمالي له شروطه الشرعية في إقامة الحدود التي يستعملها الفقيه، أو ممثل العصاب ليجعل منه مصدرا لإباحة الخوف، وليس لتقديم العظة، وباتجاه خلق الموطن القياسي الطائع، أي إخضاعه إلى أدلجات تتكئ على ملفوظات تلك الشرعية، والنزعات التمثيلية التي يتقنع بها رجل الدين، أو الفقيه الفضائي كما يسميه عبد الله الغذامي.

موت مثقف الخطاب يعكس كثيرا من تلك الميتات المفهومية أيضا، لاسيما «موت الدولة» وموت «المجال العمومي» إذ وجد المثقف نفسه أمام وجود محتدم بالعزل والعنف والتوحش، وبالحدود التي فرضتها الجماعات المهيمنة.

فشل الدولة الحديثة بمظاهرها المتعددة دفعت إلى البحث عن «نجاح» استيهامي، يسترجع التاريخ، عبر قيمومة الطوطم، أو البطل، أو المنقذ، والذي يتجوهر حول خطاب متعال، له سردياته وحكاياته ومقدسه، وأنساقه المضمرة، وصناعته لنصٍ يشتبك فيه المثيولوجي بالثيولوجي، مثلما تتبدى فيه «الشطارة» والمعجم الملفوظي، حيث صناعة الخطاب الإعلامي والاستهلاكي، الذي يعزل الجمهور عن التاريخ، وعن القضايا الكبرى، وحصره في حدود الإغواء البياني والسلعي والجسدي، أي إبقاؤه ضمن البنية النسقية للجمهور المهيج، والمستثار دائما، والذي يقبل بالسلطة الإشباعية، وحتى إلى القبول بخياراتها السياسية والتطبيعية، وصولا إلى أن يكون قاتلا للآخر، أو أن ينتحر من أجلها، تمثيلا للموت الجهادي في سبيل أهدافها الكبرى. خطورة هذا الإبقاء يكمن في خطاب التضليل، وهو خطاب عزل، ونسيان، مقابل التصديق بالمعجم الذي تصنعه الجماعة و«السلطة» بوصفه معجما مقدسا، أو دبلوماسيا، أو اقتصاديا، أو استعراضيا، حيث يتشابه الجنرال والفقيه والتاجر والبطل السينمائي وبطل الإعلانات والأزياء، لأنه يقدّم للمواطن الطائع حاجته من القوت و«القات» وهي ثنائية مقدسة، مثلما مجالات بدت أكثر قوة عبر المنابر اللغوية، التي تمارس لذتها بالتماهي مع الشيفرات الإحالية لذلك المقدس، ومع احتكاره من جانب واحد، وهذا الاحتكار يفرض خطابه عبر لسانيات لا تنفصل عن المعجم القديم، ولا عن الرواية والسيرة.
السيطرة على العقول تبدأ من السيطرة على اللغة/المعجم، لاسيما وأن اللغة العربية ليست مجالا تواصليا، أو حتى محتوى مفتوحا للتفكير فقط، بل هي سلطة لها أدواتها الخطابية التي تجعل من المقدس قناعها لمواجهة الآخر من جانب، ولتعمية العلاقات الفاعلة، التي يمكن أن تتشكل عبر الأنماط المهيمنة في التعلم والحوار والمعرفة والحراك السياسي والنقد.

موت مثقف الخطاب

موت اليساري القديم قد تكون أول علامات موت مثقف الخطاب، والذي وجد في اللغة والأيديولوجيا والثورة أقنعة للمجاهرة بوجود المعنى والقيمة، لاسيما في سياق تضخم سرديات الأدلجات الكبرى، كالماركسية، والقومية، ولعل سقوطها التاريخي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك منظومة الدول الاشتراكية، وانهيار حائط برلين، مقابل فشل كلّ مشاريع النهضة العربية، ومؤسسات «الوحدة والتضامن» فضلا عن عجز أي حركة تخص مأسسة نقد العقل العربي، على مستوى المؤسسة الجامعية والتعليمية والنقابية، أو على مستوى المجتمع المدني، الذي أسهم في بروز «ميتات» رمزية تتعالق مع الموت النضالي لأبطال غوركي وليرمنتوف ونيقولاي أستروفسكي وغيرهم، والتي لا تختلف كثيرا عن موت البراديغمات التي روّج لها البعثيون والقوميون، على مستوى استعادة سرديات السلطة، أو على مستوى التماهي عبر شخصيات ملتبسة مثل صلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد، أو على مستوى صناعة ميتات فائقة للتعويض عن الفشل في مواجهة الآخر التبشيري والاستعماري والاستشراقي، لاسيما مع بروز جملة من المستشرقين، الذين شكّلوا صور استيهامية للمسلم والعربي وللمكان والمقدس والجسد والأثر..
موت مثقف الخطاب يعكس كثيرا من تلك الميتات المفهومية أيضا، لاسيما «موت الدولة» وموت «المجال العمومي» إذ وجد المثقف نفسه أمام وجود محتدم بالعزل والعنف والتوحش، وبالحدود التي فرضتها الجماعات المهيمنة، أقصد جماعة العقيدة، مقابل وجود تخيلي اصطنعه المستشرقون بوصفهم غزاة، وقراء، وأداريي أزمات، ولصوص آثار.
الصراع النصوصي بين التاريخ والاستشراق هو ما جعل «مثقف الخطاب» أضحية للأوهام، وللتقاطعات التي جعلت نظرته للدولة قاصرة، وللأمة استيهامية، وللجماعة إخضاعية، وللاستشراق انبهارية مسكونة بنوع من التسليم، وأحسب أن هذا ما دعا أدوارد سعيد للنظر إلى الاستشراق من منطلق عقدة الهوية الضائعة، ومن منطلق معرفة الآخر، الذي يسعى للسيطرة، وعبر خطاب يعمد إلى إماتة التاريخ والأثر، مقابل صناعة متخيلة لـ«شرق» حسي، شرق أنثروبولوجي ينتمي للطبيعة وليس للثقافة، وينتمي للسرد أكثر من وجوده في التاريخ..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية