رحم الله الشاعر القائل: والأيام من الزمان حُبلى مثقلات يلدن كل عجيب! وليس هناك أعجب مما يدور في مصر، لا سيما في مجال الإعلام!
في الأسبوع الماضي قمنا بمحاولة «فك وتركيب» قناة «تن» وهذا الأسبوع وجدنا أنه لاستكمال الصورة، ولعموم الفائدة، يجب ممارسة الدور نفسه مع رئيس هذه القناة؛ بفكه وإعادة تركيبه، لعلنا نسبر أغوار المشهد الإعلامي المصري، في جزء يعبر عن الكل!
وقد كانت الكتابة عن هذه القناة التي تبدو لقيطة من حيث عدم عثورنا على أب لها ومالك يقوم عليها، سبباً في اتصال مقربين منها بنا، ومدنا ببعض الأخبار عنها، ومنها أن العمل يقوم على قدم وساق من أجل إعادة هيكلتها وضخ الأموال اللازمة لتمكينها من القيام بالمهمة الجديدة، حيث أنها ستتولى مواجهة النظام التركي، لا سيما وأن الجهة المالكة للقناة نفسها أطلقت موقعين الكترونيين لهذا الهدف «تركيا الآن» و«دوجرسو» وسيتم تأسيس مركز أبحاث الغرض نفسه مع الهيكلة!
والموقع الأخير، هو ما نشر ما أطلق عليه «الفضيحة» حيث نسب لأردوغان الاعتراف بأنه نقل داعش إلى سوريا، وهو الأمر الذي كان سبباً في أزمة مهنية في مقابلة مع قناة «الجزيرة» مباشر بأحد ضيوفها في القاهرة؛ والذي ردد هذا الكلام، لكن المذيع النابه أحمد طه، لم يسمح له بتمرير هذه الأكاذيب، وقال إنه سينتقل إلى ضيوفه الآخرين، ويعطيه عشر دقائق لتقديم الدليل على ما قال، فكان هذا هو المصدر، وكان الاعتقاد السائد إنه موقع يتبع جماعة الخدمة الذي يعاديها أردوغان وتعاديه، ولم يكن معلوماً وقتها أن هذا الموقع يبث من القاهرة، وأن المالك له هو مالك قناة «تن» نفسه التي يديرهما بجانب موقع «تركيا الآن» «نشأت المذكور» وكأنه عقلية معملية فذة، لكي يمكنه «المالك المجهول» من هذه «الإقطاعية الإعلامية» دفعة واحدة!
وإزاء هذا الحصار، الذي فرضه طه على ضيفه من القاهرة، فانه اندفع بمجرد انتهاء الفقرة إلى نشر فيديو للرئيس التركي، وعنونه بأنه اعتراف منه بأنه قام بنقل تنظيم داعش إلى سوريا، لكن الخطاب كان باللغة التركية وبدون ترجمة، وعلى الفور قامت «الجزيرة» مباشر بترجمته، ليتبين أن ما قاله مغاير تماماً لما كتبه الضيف من القاهرة، فأردوغان اتهم في خطابه الولايات المتحدة الأمريكية بأنها من فعلت ذلك!
تركيا… هناك:
يقولون: إذا عُرف السبب بطل العجب، فقبل أقل من عام تم الإعلان عن أن مالك قناة «تن» قرر إغلاقها، لوقف نزيف الخسائر، واندفع من يطلبون منه ألا يفعل، رفقاً بالبيوت المفتوحة، وبدا أنه عدل عن قراره على مضض، وعندما يتم الاستعداد لمرحلة جديدة لها وضخ المطلوب من أموال، فلا بد من أن يطرح هذا السؤال الوجودي: ماذا هناك؟! قبل أن نقف على أن تركيا هي التي هناك، وهي المستهدفة بهذه «الإقطاعية الإعلامية» المكونة من قناة تلفزيونية، وموقعين الكترونيين، فضلاً عن مركز أبحاث في الطريق، وربما بهذا يكون المالك قد تراجع عن فكرة اطلاق صحيفة من تركيا، وهو ما تم الإعلان عنه واختيار صحافي تركي معروف، لإدارتها!
وعندما سألت أهل الذكر، كيف لأهل الحكم في تركيا أن يسمحوا بدولة تبث إعلاماً موجهاً ضدهم من على الأراضي التركية، وهو أمر معلن وشائع؟ كان الرد: إن طبيعتهم أن يتركوا الأمور ثم يراقبوها ليروا أين تتجه الريح، بهدف الإلمام بالموضوع بكل تفاصيله، وقد يتدخلون إذا لزم الأمر، فلا مبرر للمنع المسبق. ويبدو أن الممول للمشروع خشي من ذلك فما هو المبرر لهذه المغامرة، ومصر حديقة خلفية لهم، وعندهم الحرية ليفعلوا فيها ما يريدوا!
أزمة إغلاق قناة «تن» كشفت عن جنسية مالكها لأول مرة، فقد نشر بشكل واسع إنه إماراتي، لكن من هو؟ فلم يُذكر اسمه، وقد يكون مندوباً عن المالكين، وقد لا يكون مالكاً على الورق، ولكن من الملاك هم مصريون، فلا يجوز للمساهمين من غير المصريين تملك نسبة غالبة في الأسهم أو أن يكون لهم حق الإدارة، حسب تصريحات للأمين العام للمجلس الأعلى للإعلام!
وعموماً فسوف تصاب بدوار البحر، عند محاولة التوصل لملاك هذه القناة منذ بداية اطلاقها عشية تنحي الرئيس مبارك عقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011، باسم قناة «التحرير» وحسب المنشور فإن رجل الأعمال سليمان عامر استحوذ في ديسمبر/كانو الأول من نفس العام على 72 في المئة من أسهم هذه القناة حسب جريدة «المصري اليوم» وكانت بداية الحديث عن تغيير اسمها في فبراير/شباط 2015، مع الرهان على الانطلاق الكبير ببرنامج فيفي عبده «5 أمواه» أي خمس قبلات لمن لا يجيدون لغة الطير، وفي أبريل/نيسان 2015 كانت الانطلاقة الكبرى بتغيير الاسم إلى قناة تن، وصرح رئيس مجلس إدارة القناة عماد جاد، أن تن لن تعرض مسلسلات تركية، ولهذا فقد اشتروا مسلسلات هندية بديلة. وهو تصريح له دلالته.
وكان امتياز الإعلانات من نصيب شركة «برومو ميديا» المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس، وفي أول أغسطس/آب نشرت جريدة «المال» الاقتصادية أن صفقة بيع قناة تن تقترب من الحسم والإعلان قبل منتصف هذا الشهر، لصالح مستثمر خليجي، ونشرت الجريدة أنه يتردد في الوسط الإعلامي عن كون محمد دحلان، المستشار الأمني لولي عهد أبو ظبي هو المشتري الجديد!
ومعلوم في مصر أن دحلان يملك قناة «الغد» التي تبث ارسالها من القاهرة أيضاً، بيد أن الغد بترخيص أجنبي، على العكس من «تن»؛ «التحرير» سابقاً، التي هي قناة مصرية، وتملك الأجانب فيها يكون بقدر، ومعنى هذا أنه جرى التستر على ذلك، فلماذا يقبل أهل الحكم في مصر أن يكونوا كوبري، لطموحات دولة أخرى تريد أن تصفي حساباتها مع تركيا، ولا تستطيع أن تعلن عن نفسها صراحة، كما لا تستطيع أن تطلق قناة لهذا الغرض من مدينتها الإعلامية في دبي؟!
ولو صحت رواية المالك دحلان، التي لم يتم نفيها حتى الآن، فالمعنى أن الغطاء لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا سيما وأن النداءات انطلقت تتوسل إلى مالك القناة عندما أغلقت وقيل وقتها أنه رجل أعمال إماراتي، ولم يذكر أحد محمد دحلان، تصريحاً أو تلميحاً!
عمله في القناة التركية
ولم يعين نشأت الديهي رئيساً للقناة إلا بعد تسعة شهور من إتمام الصفقة المباركة، في مايو/آيار 2017، وقالت مصادرنا إن سابقة عمله في تركيا في القناة المملوكة لحكومة «العدالة والتنمية» هي البوابة التي دخل منها للإماراتيين، والذين يبدو أنهم كحلفائهم في القاهرة، الذين يتصورون أن إقامة إنسان في بلد ما، ستجعل منه خبيراً في شؤونه، وملما بتفاصيله، تماماً كما تقدم الأذرع الإعلامية أحد الأشخاص على أنه «المحلل السياسي الأمريكي» من واشنطن، وهو من توصلنا الى أنه محام مصري، فصلته نقابة المحامين من عضويتها بعد صدور حكم قضائي بإدانته في جريمة نصب!
وأعرف من المصريين من يعيشون في تركيا أضعاف السنوات التي قضاها نشأت الديهي في التلفزيون الحكومي التركي، ولا يعرفون من اللغة التركية سوى «أركادش» فكل البشرية عندهم «أركادش» ثم يلوذون بعدها الصمت أو يستخدمون لغة الإشارة، وهي كلمة تركية تعني صديق!
وبعيداً عن هذا، فإن أحداً لا يعرف السجل الوظيفي المشرف للديهي قبل التحاقه بالقناة التركية الحكومية الناطقة باللغة العربية، وهل سبق له أن عمل في المجال، وهو ما اعتبرته إدارة القناة المذكورة مبرراً لتعيينه لديها، أم أنه هبط عليها وعلى المهنة بالبراشوت؟! ويبدو أنه يجيد ذلك تماماً، فقد هبط على الثورة بعد نجاحها كذلك، وإن لم يلصق في أذهاننا كضيف، لكننا فوجئنا به مذيعاً، والفضل لبرنامج «جو شو» على «التلفزيون العربي» الذي فتش وضبطه ضيفاً بعد الثورة يقدمونه مرة على أنه ناشط، ومرة أنه أستاذ العلوم السياسية، لكن ماذا قبل ذلك؟ لا أحد يعرف، فهل التحق بالقناة التركية الحكومية قبل هذه المرحلة؟ إذاً لماذا لم يقدم نفسه على أنه «إعلامي» وانتحل أكثر من صفة لم تكن صحيحة، لتمرير ظهوره التلفزيوني؟!
لقد استقال الديهي من القناة التركية على الهواء، احتجاجاً على ما وصفه انحياز أردوغان ضد النظام المصري، وذلك في أغسطس/آب 2013، أي بعد الانقلاب العسكري بشهر كامل، فلماذا أنتظر هذا الشهر، وموقف أردوغان من الانقلاب كان واضحاً منذ اللحظة الأولى؟ والمهم متى التحق بهذه القناة؟!
ابن المشروع الإسلامي
برنامج «التلفزيون العربي» رصد تحولات عنيفة في مواقف المذكور، فعندما كان ضيفاً أعلن انحيازه لثورة يناير/كانون الثاني، وللشباب الذين شاركوا فيها، وقال فيها شعرا، ثم وصفها بعد الانقلاب العسكري بأنها الخراب. وفي عهد الرئيس محمد مرسي كان ابن المشروع الإسلامي البار، حيث يتحدث عن نفسه كما لو كان شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي يستهدف تطبيق شرع الله، أما مرسي عنده فهو الرئيس المنتخب، الذي يمثل نقلة نوعية هائلة في تاريخ مصر، وأنه رئيس كل المصريين، الذي يحاول أن يلملم شتات هذا الوطن!
أما عن الإخوان فقد تعرضوا للظلم على مدار سنوات وسنوات وكانوا يُطاردون وكان خيارهم هو الصبر. أما ابتسامة الشيخ ياسر برهامي، أحد زعماء السلفية فهو يشكره على تصدقه بها على المشاهدين!
وبعد الانقلاب أصبح مرسي، حسب وصفه «رجلا تافها لا يمكن أن يحكم» أما الإخوان «فلا تعاطف مع الإخوان» وأما ياسر برهامي، فلا يحق له أن يتكلم في السياسة!
ومع هذا فقد وجد فيه أهل الحكم في أبو ظبي ضالتهم في المهمة الجديدة، حيث قرروا مواجهة تركيا من القاهرة، والجديد مستقبلاً هو تحول الديهي من مدير إلى مالك لهذه «الإقطاعية الإعلامية» ولن يسأله أحد من أين لك هذا؟!
فما دامت الإمارات تدفع بالتي هي أحسن، فمن حقها أن تتصرف في مصر تصرف المالك فيما يملك!
وأسفاه!
صحافي من مصر