لم تكن على كثرتها سوى إجراءات حماية، لواحد من الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري في مصر، والذي يعمل في قناة تلفزيونية ضمن ترسانة الفضائيات، التي استولى عليها النظام الحاكم من أصحابها بوضع اليد، فليست «النهار» قناة خاصة مملوكة لأفراد، وليس تامر أمين واحدا من عامة المذيعين، الذين وصلوا لهذه القناة بشكل طبيعي!
فالمذكور دخل التلفزيون المصري قارئ نشرة في قناة النيل للأخبار، باعتبارها ضمن أملاك الوالد، الذي كان قياديا كبيراً في مبنى ماسبيرو، الذي عرف التوريث مبكراً، كما عرف ظاهرة «العائلات التلفزيونية» حيث الأبناء جميعهم في المبنى، وحيث الأب والأم، والزوج والزوجة، والجار بالجنب. ومن قبل كانت قاعدة الاختيار تقوم على استثناءات للمجاملات، فصارت الاستثناءات هي الأصل، حتى صرخت قيادة في المبنى ذات مرة، دعونا نمرر واحداً أو اثنين في كل لجنة من الذين يحملوا العمل في المستقبل، فبدت صرخة في واد غير زرع!
وفي هذه الأثناء تسرب إلى مبنى ماسبيرو الشقيقان؛ تامر أمين وعلاء بسيوني، بواسطة والدهما أمين بسيوني، رئيس مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وقد وجد الأخ الأكبر طريقه في تقديم البرامج الدينية، في حين أن الابن الأصغر تامر، وإن توافرت فيه شروط قارئ النشرة، فقد وجد الطريق ممهداً للتقديم التلفزيوني، وليس كل قارئ نشرة جيد، يصلح مقدم برامج جيدا، إلا إذا كان كله عند العرب صابون!
كتبت في هذه الزاوية قديماً أشيد بهذه القناة الوليدة «النيل للأخبار» والتي أُطلقت على وقع النجاح المذهل لقناة الجزيرة الإخبارية، وإن حدثت فيها استثناءات في الاختيار، فقد كانت القاعدة هي اختيار الأصلح، وتوقعت لها نجاحاً كبيراً، لكن من الملاحظ أن هذا النجاح كان مرتبطاً برئاسة الإعلامي المعروف حسن حامد، في مرحلة، وإدارته لها في مرحلة أخرى، عندما ترك الموقع لزوجته سميحة دحروج، وتولى هو رئاسة قطاع القنوات المتخصصة، وكانت «النيل للأخبار» ضمن حزمة هذه القنوات، ولا أقول إن «الفتى تامر» دخل القناة ضمن الاستثناءات، فهو يمتلك مهارات مقدم النشرة، لكن الولوج من باب الاستثناءات حدث بعد ذلك!
ابن المسؤول الكبير
كان برنامج «البيت بيتك» قد أطلق عبر التلفزيون المصري، في أجواء الصعود السياسي لنجم جمال مبارك، وربما رأوا أن وجود تامر في هذا البرنامج مهماً، باعتباره نتاج عملية توريث المناصب، فيصلح لهذه المرحلة، حيث النية تتجه لتوريث منصب رئيس الجمهورية، من الأب إلى الابن، ولعل اسم تامر أمين ارتبط لدى نجل الرئيس ومن حوله بواقعة مهمة عندما قال مبارك لشقيق لعلاء بسيوني وكان ينقل لقاء يحضره الرئيس: أنت الذي تقول عنك الصحافة ابن المسؤول الكبير؟! فأدهش المراقبين، لأن الصحافة لا تصف المذكور بأنه ابن المسؤول الكبير، فابن المسؤول الكبير يطلق على نجليه، مثلما كتب الدكتور حلمي مراد، وزير التعليم في عهد عبد الناصر، عن ابن المسؤول الكبير، الذي يقف وراء ظاهرة كانت القاهرة قد عرفتها في بداية التسعينيات، فلا يكاد القوم ينتهوا من إعادة تركيب رصيف لشارع ما، بهذا البلاط الأحمر الذي ظهر لأول مرة، حتى يقوموا بخلعه وإعادة الرصف من جديد، ولا أستطيع الجزم بصحة ما كتبه الدكتور حلمي مراد في جريدة «الشعب» من نسبة هذه التصرفات «لابن مسؤول كبير» لكن كان هذا في الفترة التي كان يُذكر فيها ابن المسؤول الكبير في كثير من التصرفات، وكيف أنه فرض شراكته على كثير من رجال الأعمال، لدرجة أن نكتة كانت رائجة حينذاك أن صاحب صندوق لتلميع الأحذية في الشوارع، قال إن علاء مبارك شريكه على هذا الصندوق!
وهي حكايات وإن لم تعرف مدى صحتها إلى الآن إلا أنها راجت في هذه الفترة، ولم تتوقف إلا بسفر علاء مبارك للخارج، وعموماً دفع الدكتور حلمي مراد، الذي كان يشغل موقع الأمين العام لحزب العمل الاشتراكي، الثمن على ما كتب ليكون عبرة لمن يعتبر، ولأن الجميع كانوا يعرفون من هو ابن المسؤول الكبير الذي يقصده، فلم يكن ابن أمين بسيوني!
كان الدكتور حلمي مراد يكتب سلسلة من المقالات في «الشعب» عن فساد وزير البترول عبد الهادي قنديل، ورغم أن مبارك عزله مع توهج هذه الحملة في غير ما تعديل وزاري فقد خرج من الوزارة بشكل منفرد، إلا أن المفاجأة كانت في تقديم الوزير السابق لبلاغ للنيابة ضد الدكتور مراد واثنين من الصحافيين في جريدة «الشعب» وحققت معهم النيابة، وانتهى قرارها بالمخالفة للقانون بإلزامهم بدفع كفالة، في حين أن الموضوع ليس من القضايا التي نص القانون على الحبس الاحتياطي فيها، والكفالة بديلاً له، ولأن وقت صدور قرار النيابة كان انتهاء وقت العمل الرسمي، وموظف «الخزينة» غادر، فتم اصطحاب الثلاثة لحجز أحد اقسام الشرطة، لا سيما واليوم الخميس، وفي الغد العطلة الأسبوعية، وظل الثلاثة في الحجز ثلاثة أيام، ولم تخطر الجريدة والحزب بمكان احتجازهم، وكان في قسم شرطة النزهة في مصر الجديدة، وبعد عملية بحث عنهم فشلوا في التوصل اليهم!
وكان الجو شتاء وقارساً، ولا توجد أغطية معهم، وخلع الدكتور حلمي مراد الجاكت الذي يرتديه وجلس عليه، لعله يقلل من حدة الرطوبة التي تنبعث من بلاط غرفة الحجز، بما لا يتحمله رجل في سنه، وكان الجميع يدركون أنه ثمن كتابته عن «ابن المسؤول الكبير» فلم تكن الصحافة تطلق اللقب على «علاء بسيوني» نجل «أمين بسيوني» كما قال مبارك، بعد هذه الواقعة بسنوات، لكن كان شائعاً لا سيما في بعض صحف المعارضة استخدام لقب «ابن المسؤول الكبير» حتى عند نشر أخبار مجهلة ليست سلبية عن أي من أبناء الرئيس!
من هنا دخل الشيطان
لكن ها هو الرئيس يصف ابن أمين بسيوني بأنه المعني باللقب، ولعل هذا ما ذكر القوم وهم يجتمعون برئاسة وزير الإعلام في الاعداد لبرنامج «البيت بيتك» والذي وإن كان قد استعان بمقدمي برامج من خارج المبنى، فلا بد أن تكون حصة لمن هم داخل المبنى، ولو من خارج القناة الأولى التي ستعرض البرنامج، فلماذا لم يتم اختيار «علاء» واختاروا الابن الأصغر وهو «تامر»؟ لأن الإطار العام للبرنامج كان قريباً من السياسة، فالأقرب له مذيع النيل للأخبار، فضلا في أن علاء كان يظهر في صورة «الشيخ علاء» الذي يحاور علماء الأزهر، في برامجه الدينية. وعموما فالوريث الذي يتم تجهيز المسرح له، هو جمال مبارك الابن الأصغر وليس علاء الابن الأكبر!
وكان هذه هو باب الاستثناء الذي دخل منه الشيطان، فليس كل قارئ نشرة يصلح مقدم برامج، وإن كانت صيغة «البيت بيتك» تلزم بالالتزام بالنص المكتوب، وكان صحافيون معروفون هم من يعدون هذا النص، لكن الأمر تطور الآن في ظل إشراف الضباط على مجال الإعلام، فصرنا أمام «ظاهرة المذيع الخطيب» التي قد يصلح لها «عمرو أديب» لكن لا يملك تامر أمين المهارات اللازمة لها.
وإذ تحدث السيسي في «تسريبات الجزيرة» عندما كان وزيراً عن مشقة صناعة الذراع الإعلامي، ففشل في المهمة عندما انقلب وصار رئيساً، فأخذ بقاعدة قديمة ترى أن شراء العبد أيسر من تربيته، فاعتمد الأذرع الإعلامية لعهد مبارك، مع أن سوابقهم لا تدفع للاطمئنان لهم، فقد باعوا مبارك عندما استشعروا نجاح الثورة، وأعلن تامر أمين بفخر أنه أول من أطلق على «انتفاضة يناير» لفظ الثورة في تلفزيون الدولة، على عكس خطابه الآن، فهي عنده سبب في الخراب الذي حل بمصر!
ولأن هناك زفة يقودها قائد الأوركسترا عن تنظيم النسل، فقد وقع تامر أمين في شر أعماله، عندما تطاول على الصعيد وأهله، فهم ينجبون أولاداً كثيرين بهدف الانفاق عليهم، ويشحنون بناتهم للعمل خادمات في القاهرة، و»الشحن» مفردة مرتبطة بنقل البضائع من مكان إلى مكان بعيد، وثارت ثورة أهل الصعيد، وأمام هذه الثورة اتخذت السلطة إجراءات تكتيكية كثيرة، تستهدف حمايته، مع أن ما ارتكبه يوقعه تحت طائلة القانون، الذي يمنع التنمر والدعوات العنصرية.
فالمجلس الأعلى للإعلام يوقفه عن العمل لشهرين، ويفرض غرامة مالية ضخمة على القناة، ونقابة الإعلاميين تسحب منه ترخيص مزاولة المهنة، والقناة تحيله للتحقيق الداخلي وتتبرع براتب شهر له لجمعية خيرية لم تحددها، كل هذا لأن السلطة تعلم أنها متورطة، تورطها في قضية الراهب المشلوح في بداية هذه الألفية!
فإحدى الصحف الخاصة المحسوبة على الأجهزة الأمنية نشرت صوراً لراهب في أحضان نسوة، وكان لدى الكنيسة قناعة أن من سرب هذه الصور هو جهاز أمني بعينه، وشهدت الكاتدرائية مظاهرات عارمة، كان المراقب يستطيع أن يدرك بسهولة أن الأمر يتجاوز الصحيفة إلى من يقف وراء النشر، وتوالت اجراءات امتصاص الغضب، فتم حبس رئيس التحرير ومصادرة العدد، ثم إلغاء ترخيص الجريدة، ثم فصل رئيس التحرير ونجله من عضوية نقابة الصحافيين، وهكذا، فقد كان الاجراء الناجع هو التحقيق والتوصل لمصدر الصور، والسلطة لا تريد ذلك فأسرفت في التنكيل في الاتجاه الغلط، وكانت تستهدف الناشر بإجراءات غير جادة، سقطت جميعها، وإن لم يمهل القدر رئيس التحرير ليحصل على عفو رئاسي بعد أن هدأت العاصفة.
كلها قرارات وقتية لامتصاص الغضب، والإجراء الطبيعي هو أن يتم التحقيق مع التلفزيون المصري الذي يوافق على إجازة كل هذه السنوات لتامر أمين تحت عنوان «رعاية أسرة» فهل يرعى فعلا أسرة أم يعمل في واحدة من القنوات المملوكة لنظام السيسي؟ وهو تحايل على اللوائح واهدار لحجيتها!
الإجراء الثاني هو إحالته للتحقيق أمام جهات القضاء، وقد ارتكب الذراع الإعلامي للسيسي الحرام القانوني. لكن كلها إجراءات على قاعدة الحماية.
إن السلطة التي تحمي تامر أمين هي التي أهانت الصعيد وأهله.
صحافي من مصر