تحتل الانتخابات المبكرة في العراق المقرر ان تجرى في العاشر من تشرين الأول/اكتوبر المقبل، اهتماما كبيرا من الأحزاب والأوساط الشعبية، كونها في مقدمة مطالب التظاهرات الشعبية التي عمت مدن العراق منذ تشرين الأول/اكتوبر 2019 وما زالت مستمرة حتى الآن، وقدمت أكثر من 700 شهيد ونحو 25 ألف مصاب، ولم تعلن الحكومة حتى الآن المسؤولين عن قتل المتظاهرين أو الجهات التي تقف وراءهم.
ويعتقد الكثير من المراقبين والعراقيين، انه لا يجب وضع آمال كبيرة على الانتخابات المبكرة، لأن الأحزاب الكبيرة المتنفذة تجيد لعبة إدارة الانتخابات والتأثير في نتائجها كما ان السلاح المنفلت والمال السياسي، وعدم تنظيم ناشطي الانتفاضة أنفسهم بشكل جيد، من أهم معرقلات إجراء انتخابات نزيهة تساهم في إصلاح الأوضاع في العراق، وهو ما قد يترتب عليه تجدد التظاهرات الغاضبة.
وقد أجرت “القدس العربي” حوارا مع الدكتور حسين الهنداوي، مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الانتخابات، حول العملية الانتخابية، وتوفير البيئة المناسبة لها، وتأثير السلاح والمال السياسي، والإشراف الدولي عليها، إضافة إلى الدعوات لعقد سياسي جديد، ودور الدولة العميقة، وتظاهرات تشرين وملاحقة الناشطين فيها، والعلاقات العراقية الأمريكية بعد الطلب الأمريكي بتحديد الفصائل التي تقوم بعمليات القصف الصاروخي على السفارة الأمريكية والقواعد التي يتواجد فيها جنود أمريكان، وغيرها من المواضيع المتعلقة بأوضاع العراق. وهنا نص الحوار:
* الرئاسات الثلاث دعت لعقد سياسي جديد لإصلاح الأوضاع في العراق، هل هناك تجاوب معها من الأحزاب المتنفذة أو ناشطي التظاهرات؟ وهي يمكن تحقيقها في الواقع؟
**إطلاق دعوة مشتركة من الرئاسات الثلاث لتأسيس عقد سياسي واجتماعي جديد، حدث جيد وقد يحرك آمالا بالتغيير، إلا انه لا يكفي لوحده ليخلق تجاوبا فوريا من قبل عامة الشعب العراقي، إذا لم تقترن هذه الدعوة بخطوات عملية وإجراءات جادة تشريعية وتنفيذية ومترتبات سياسية حقيقية. المتظاهرون وخاصة الشباب قدموا تضحيات جسيمة بلغت مئات الشهداء وآلاف الجرحى خلال انتفاضة تشرين، كما ان الشعب العراقي عانى كثيرا من الفقر والإرهاب وفقدان الأمل خلال العقود الأخيرة. ونحن واثقون من أن العراق يمتلك كل مستلزمات النجاح كي يكون مثالا في بناء الديمقراطية والتقدم الاقتصادي والأمن والاستقرار.
في كل الأحوال يظل إطلاق هذه الدعوة أمرا مهما بذاته كونه يعكس عمق معاناة وجسامة الأخطار التي تهدد البلد حتى على المستوى القريب، فضلا عن انها إعلان صريح عن مستوى فساد نظام المحاصصة الفئوية والعائلية البائس الذي يحكم البلاد بالترهيب والاحتيال منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.
وان إقرار هذه الدعوة بمشاريع وإجراءات اقتصادية واجتماعية والنجاح في مكافحة الفساد وفي إجراء انتخابات مبكرة حرة ونزيهة هي العوامل الضامنة لتحقيق التفاف شعبي حولها.
* تحدث العديد من السياسيين عن “الدولة العميقة” في العراق، واستقواءها بفصائل مسلحة ودعم خارجي، ماذا تعلق على ذلك؟
**الدولة أو الدويلة العميقة ولدت كظاهرة منذ فترة طويلة في العراق ولكنها تفاقمت خلال السنوات الماضية لتكون عاملا أساسيا في تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية الراهنة، فضلا عن مساهمتها في تردي الحالة الأمنية في معظم أنحاء البلد، وهو ما أعلنت الحكومة عزمها على مواجهته رغم الظروف الاستثنائية الصعبة والمعقدة والتركة الثقيلة التي ورثتها من سابقتها، ومن هنا إصرارها على فرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية الرسمية وفرض التزام الجميع بالقانون والخضوع لأحكامه، وكذلك في العمل لبناء دولة تفرض القانون على الجميع دون تمييز وإعلاء الهوية الوطنية على الهويات الفرعية.
* تعهد مصطفى الكاظمي بحماية التظاهرات والناشطين، ولكن نشهد حملة استهداف ضدهم حاليا، ما هي إجراءات الحكومة بهذا الصدد؟ وهل تتوقع تجدد التظاهرات؟
**تعهد رئيس الوزراء بحماية المتظاهرين والناشطين قائم وفعال، والحكومة تعمل كل ما في وسعها لضمان ذلك، رغم وقوع بعض الاعتداءات. وهناك حوار مباشر وصريح مع فئات مهمة من المتظاهرين بهدف الاهتمام بمطالب حركة الاحتجاج السلمي والشروع بحملة مهنية شاملة للتقصي والمسائلة بشأن أحداث العنف التي رافقت الاحتجاجات، وتطبيق العدالة بحق المتورطين بدم الشهداء، والاهتمام بأسر الشهداء والجرحى، ولا يمكن لأي مصدر محايد ان يغفل اليوم أهمية مبادرة حكومة الكاظمي في التعاطي مع هذه القضية من منظور احترام المطالب العادلة للمتظاهرين والناشطين المدافعين عن الحريات وحقوق المواطنة.
* ذكر الكاظمي ان هناك من يعرقل عمل حكومته، من هي هذه الجهات؟
**الكاظمي كان صريحا في الكشف عن ان الجهات التي تعرقل عمل الحكومة، هي نفس الجماعات التي ترفض الاعتراف بالحقوق المشروعة للمواطنين ومنهم المتظاهرون، كما ترفض سلطة القانون، وهي نفس الجهات التي ترفض استعادة ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وثقة المجتمع الدولي باستقلالية وسيادة العراق ووحدة أراضيه.
*هل انتم متفاءلون بالنسبة لمواقف الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه العراق؟
**العلاقات بين العراق والإدارة الأمريكية الجديدة تبدو مستمرة في طابعها الإيجابي وهو ما أكده الاتصال الهاتفي الذي أجراه الكاظمي قبل أيام مع الرئيس الأمريكي الجديد، وركز على تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة بما يخدم مصلحة البلدين واستمرار التعاون في محاربة “داعش” فضلا عن العمل على مواصلة الحوار الاستراتيجي بينهما على أساس السيادة الوطنية العراقية.
* هل استطاعت الحكومة توفير بيئة آمنة مناسبة للانتخابات المبكرة، وما هي الضمانات الحكومية لإبعاد تأثير الفصائل المسلحة وسلاح العشائر، والمال السياسي؟
**توفير البيئة الانتخابية الآمنة أحد الشروط الحاسمة لإجراء الانتخابات العراقية المبكرة في 10/10/2021 وقد قامت الحكومة بتشكيل لجنة أمنية عليا خاصة بأمن الانتخابات تضم مسؤولين رفيعي المستوى من كل الوزارات والأجهزة الأمنية ذات العلاقة. وعلى الحكومة أيضا تفعيل تطبيق قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية رقم 36 لسنة 2015 لاسيما المادة 32 التي تحظر استخدام العنف والسلاح خارج سلطة الدولة، كما تمنع أي تدخلات خارجية مسيئة لنزاهة الانتخابات ولحق الناخبين بالتصويت بحرية تامة، وهناك إجراءات تخص المال السياسي تقضي بتفعيل تنفيذ كافة العقوبات القانونية بهذا الشأن.
* هل ينوي مصطفى الكاظمي المشاركة في الانتخابات المقبلة في قائمة جديدة أو يتحالف مع قائمة معينة؟
**الكاظمي أعلن على الملأ مرارا بانه لن يرشح نفسه في الانتخابات المقبلة.
* طلبتم الإشراف الدولي على الانتخابات، هل لمستم استعدادا دوليا للإشراف ومراقبة الانتخابات، وما موقف الحكومة من القوى السياسية المعارضة للإشراف الدولي؟
**موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي داعم للعراق في الحصول على أعلى أشكال المراقبة الدولية للانتخابات العراقية المبكرة، وبما يراعي اعتماد المعايير الدولية واستخدام الخبرات والتقنيات الدولية المتطورة، دعما لخطة العراق الهادفة إلى إعادة الثقة بالعملية الانتخابية المقبلة ولتحقيق العدالة والمساواة في فرص الفوز بين المتنافسين فيها. أما بالنسبة لمواقف القوى السياسية الرافضة للإشراف الدولي ، فهي قضية طبيعية بلا شك! وتتعلق بوجهات نظر أو تصورات أو مخاوف (مشروعة) في كل الأحوال، وقد تعبر عن حرص على سلامة الانتخابات.
* كثيرون يشككون بقدرة مفوضية الانتخابات على إنجاز استعداداتها خلال الفترة المتبقية، ما تعليقك؟
**العملية الانتخابية المقرر إجراؤها في العاشر من تشرين الأول/اكتوبر المقبل لن تكون سهلة بلا شك، إلا انها ممكنة جدا وبالمواصفات المطلوبة. وعلى العموم تواصل مفوضية الانتخابات التسجيل البايومتري لما مجموعه 25 مليون ناخب عراقي. ونشدد هنا على ضرورة تسريع توزيع بقية البطاقات خلال الفترة المقبلة لمشاركة جميع المواطنين في الانتخابات.
* ماعدد الأحزاب المشاركة في الانتخابات؟
**هناك 27 تحالفا و 57 حزبا قدمت طلبا للمشاركة في الانتخابات المقبلة، فيما وصل وصل عدد الأحزاب المسجلة لدى مفوضية الانتخابات إلى 231 حزبا، فضلا عن عشرات الأحزاب الأخرى قيد التسجيل من بينها عدد مهم من القوى الجديدة وبينها أحزاب وتحالفات تنتمي إلى حركة التظاهر التشرينية، وهذه قد تحقق نجاحات متباينة في الانتخابات المقبلة إذا وحدت صفوفها وأجادت تنظيم حملتها الانتخابية.
* هل أصبح مشروع ميزانية 2021 الموجود في البرلمان، مجالا للمساومة والنزاع بين القوى السياسية والحكومة، ومتى تتوقع ان يتم إنجازها؟
**هذا الأمر غير وارد بل لقد تم الاتفاق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لضمان إقرار موازنة إصلاحية تحفظ حقوق المواطن وفي أقرب وقت، ورئيس الوزراء دعا إلى عدم اقحام الخلافات السياسية في الموازنة وركز على الإصلاحات فيها، كما لفت إلى ضرورة الأخذ بمبدأ العدالة بين مناطق العراق كافة، وعدم اقحام المناكفات السياسية في ملف قوت المواطن ومستوى الخدمات المقدمة له.
* ألا توجد بدائل لإجراءات الحكومة لتقليل العجز، مثلا عبر السيطرة على موارد المنافذ الحدودية وإيقاف سوق العملة الصعبة، واسترجاع الأموال العراقية في الخارج وغيرها؟
**بالفعل تدرس الحكومة حاليا سلسلة من الإجراءات البديلة لاجتياز الأزمة الاقتصادية والتحديات والضغوط التي تواجه الاقتصاد العراقي، وخاصة في ظل تفشي جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط الذي أدى إلى تراجع الايرادات النفطية بشكل كبير، وأدى بالتالي إلى حدوث عجز كبير في الموازنة العامة واضطرار وزارة المالية إلى الاقتراض من البنوك لغرض دفع الرواتب وتلبية الاحتياجات الانفاقية الأخرى المتعلقة بالخدمات. وبلا شك فإن الهدف من أي اجراءات مقبلة سيكون الدعم وتطوير المالية العامة وضمان معالجة سياسات مالية خاطئة يعود بعضها إلى أكثر من 15 عاما أدت إلى تفاقم الأزمة.