تقرير حقوقي يرصد حصار وغلق المكتبات وهدم دور الثقافة في مصر

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: شهدت مصر خلال السنوات الماضية حصارا غير مسبوق وغلقا وهدما للمكتبات والمؤسسات الثقافية، حسب تقرير صدر أمس الخميس عن «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان».
وتناولت في تقرير حمل عنوان «451 فهرنهايت على الطريقة المصرية”، عملية هدم وإغلاق ووقف نشاط لـ50 مكتبة ومؤسسة ثقافية.
واستوحت الشبكة عنوان تقريرها من الرواية الأمريكية «451 فهرنهايت» للقاص راي برادبري التي تحكي عن نظام شمولي يغزو العالم ويقوم بحرق الكتب على درجة 451 فهرنهايت.
المحامي الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية، قال إنه مع كثرة تصريحات المسؤولين عن أهمية التعليم باعتباره حقا من حقوق الإنسان، ومحاولة وضعه في مواجهة الحريات المدنية والسياسية، لكن الواقع عمليا، يثبت أن ما من حماية واحترام لحق التعليم والثقافة، وبالطبع لا احترام لحقوق الإنسان.
وأضاف: إذا أضفنا لهذا العدد الهائل من المكتبات والمسارح والدور الثقافية التي أغلقت، عدد المصانع التي تمت وتتم تصفيتها في هدم للصناعة، وعدد السجون التي تم إنشاؤها، فنحن أمام واقع مأسوي بالفعل.

مسرح الأربعين

وتناول التقرير محاولة هدم مسرح الأربعين الذي يعود إنشاؤه لعام عام 1989 وكان هذا المسرح معروفا طوال الأعوام الماضية بكونه ملاذاً للفرق الشعبية في المحافظة.
وحسب التقرير: أصدرت جمعية تنمية المجتمع في السويس، شمال شرق مصر، قرارا بإزالة مسرح الأربعين وإعطائه لمستثمر لعمل مشروع خاص به، ورغم الرفض الشعبي للقرار، إلا أن الجمعية حاولت بالفعل هدم المسرح وانتقلت معدات الهدم إلى مقر المسرح للبدء في تنفيذ عملية الهدم، وقاموا بهدم أجزاء من داخل المسرح.

«الفن ميدان»

كما تناول التقرير مصير مهرجان «الفن ميدان» وهو مهرجان ثقافي وفني، كان يقام شهريا منذ 2 إبريل/ نيسان 2011 في ميادين القاهرة ومحافظات مصر، هدفه نشر الثقافة والفنون وتقديم تلك الخدمات الفنية والإبداعية للجمهور بشكل مجاني، وكانت الاحتفالية تعتمد على الجهود التطوعية للمنظمين.
وفوجئ المستفيدون من تلك الخدمة ومحبوها في 2014 بمنع إقامة الاحتفالية في ميدان عابدين في القاهرة، طبقاً للتقرير، الذي أوضح أن المنع جاء من قبل مسؤولي الأمن في قصر عابدين التابع لرئاسة الجمهورية، ومنذ شهر أغسطس/آب وتحديدا بعد كلمة أحمد حرارة، أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 التي انتقد فيها النظام الحالي على مسرح «الفن ميدان» أمام 4000 مستمع، استمرت الضغوط على المنظمين، وكانت آخر فعالية للفن ميدان في أكتوبر/ تشرين الثاني 2014.

«تاون هاوس»

كذلك تناول التقرير غلق مؤسسة «تاون هاوس» وهي مؤسسة غير ربحية، هدفها نشر الثقافة بكل أشكالها، ونشأت داخل مبنى مقام منذ نهايات القرن التاسع عشر، وتعتمد على التعاون مع المؤسسات الثقافية الأوروبية.
وتمتلك «تاون هاوس» مكتبة قيمة فيها عدد من الكتب العربية والأجنبية، التي تتناول موضوعات ثقافية مختلفة، وكان يوفر مساحة للفنون والأعمال اليدوية، ويحتضن عروضا ثقافية ومعارض لفنانين مصريين مستقلين ضمن المسرح التابع له مسرح «روابط» تبعاً للتقرير، الذي أضاف أنه في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2015 قامت حملة بوليسية بإغلاق «تاون هاوس» واحتجاز بعض العاملين فيه.

دار نشر ميريت

من بين دور النشر التي تناولها التقرير دار ميريت، وهي دار نشر مصرية تم تأسيسها بمبادرة من مؤسسها محمد هاشم عام 1998 وكانت ملاذا للمثقفين، يقام فيها العديد من الندوات والمناقشات الثقافية والفنية مع كتاب وأدباء وفنانين، ومن أبرز هؤلاء الروائي علاء الأسواني، والشاعر مصطفى إبراهيم، وكان من أهم أدوار الدار تشجيع الكتاب الشباب عن طريق نشر أعمالهم ومحاولة تنمية مهاراتهم، ورفع سقف حرية الفكر والتعبير.
وبين أن جهة أمنية اقتحمت دار نشر ميريت لصاحبها محمد هاشم وقامت بغلقها، وفي حين عادت للعمل بعد الهجمة، لا يزال الغلق مستمرا لـ«تاون هاون» ومسرح «روابط» التابع لها.

هدم مسرح العبد

وتابع التقرير: في إبريل/ نيسان 2015، صدر قرار بردم مسرح العبد الأثري تمهيدا لبناء برج سكني ضخم للأثرياء فقط في الإسكندرية، ما أثار موجة غضب بين المواطنين.
فالمسرح الأثري يعود إلى العصر الهلنستي، إلا أن ذلك لم يشفع له عند أصحاب النفوذ ممن أرادوا هدمه لبناء البرج السكني على البحر مباشرة.
وزاد التقرير: يعود اكتشاف وجود الآثار في مقر المسرح منذ عامين، ويعود تاريخه إلى آخر العصر الروماني وبداية العصر الهلنستي، وتعد الآثار الموجودة في هذا المقر نادرة، إذ لا يوجد مثيل لها عبر التاريخ، إذ أنه يضم أكبر مقبرة رومانية.
لم يكن مسرح العبد هو الوحيد الذي تعرض للهدم، حسب التقرير، فقد تعرض مسرح السلام الذي يعود تأسيسه لعام 1954 للهدم أيضا.
ومسرح السلام في الإسكندرية كان، طبقا للتقرير، أشبه بمنارة ثقافية للفن والابداع، ويعتبره المواطنون من أهم المنتديات الفنية ورمزا للثقافة والفن، وشهد العديد من العروض التي أقيمت على خشبته مثل الأوبريت الشهيرة «الليلة الكبيرة» وغيرها، إلا أنه وفي منتصف 2016 تم البدء بهدمه وتسويته بالأرض بدلا من ترميمه والاهتمام به، بهدف إقامة فندق سياحي في موقعه.

مكتبات الكرامة

وأشار التقرير إلى إغلاق عدد من المكتبات خلال السنوات الماضية، وذكر أنه في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2011 حصل المحامي الحقوقي جمال عيد على جائزة المدافع عن الكرامة الإنسانية في العاصمة الألمانية برلين، ما سمح له أن يحقق حلما وأمنية لديه، وهي افتتاح مكتبات عامة في الأحياء الشعبية التي خرج منها، وبالفعل شرع في تحقيق هذا الحلم، وتم إنشاء أول فروع للمكتبات العامة في مايو/ أيار 2012 في حي دار السلام في القاهرة، تلاها افتتاح خمس مكتبات أخرى في طرة، وبولاق الدكرور والخانكة والزقازيق وعين الصيرة، لكن قوات الأمن بدأت باقتحامها وإغلاقها واحدة تلو الأخرى بدءا من ديسمبر/ كانون الأول 2016 حتى أغلقت جميعا.

رمي كتب في الشارع

ولفت التقرير أيضا إلى غلق مكتبة اليرموك التي تضم آلاف الكتب المتنوعة، وكانت تقدم الخدمة الثقافية لكل أهالي بورسعيد. وأوضح أن مقر المكتبة التي يستأجرها حامد سراج كان مملوكا لإحدى شركات القطاع العام المملوك للدولة، لكن هذا لم يشفع أو يحمي الكتب التي يبلغ عددها نحو عشرة آلاف كتاب، وبعضها عمره أكثر من مئة عام، من الإلقاء في الشارع، حيث فوجئ سراج بقوة من الشرطة تخبره أنه تمت مصادرة المكتبة لعدم دفع الإيجار المتأخر، وقامت الشرطة بإلقاء الكتب التي يرجع تاريخ بعضها إلى أكثر من 100 عام بشكل مهين على الرصيف.

مكتبة البلد

كما تناول التقرير غلق مكتبة البلد، وسط مدينة القاهرة، التي أسسها فريد زهران رئيس الحزب «المصري الديمقراطي».
وحسب التقرير: في سبتمبر/ أيلول 2017 قامت قوات من أجهزة بإغلاق مكتبة البلد و بمصادرة الكتب والأثاث ومحتويات المكتبة واحتجزت اثنين من العاملين ومنهم مديرها، وبرر وقتها عادل المصري، رئيس اتحاد الناشرين المصريين قرار غلق المكتبة بأنه نتيجة لعدم حصولها على ترخيص بالعمل، في حين أن القوات التي انتقلت إلى المكتبة وقامت بغلقها لم تكتف بالغلق فقط، ولكن قبضت على اثنين من العاملين في المكتبة منهم مديرها.
وزاد: المصير نفسه واجه مكتبة «ألف» التي بدأت في العمل والانتشار منذ 2009، وتضم 37 فرعا في 10 محافظات وتمتلك فرعا في المملكة المتحدة، وتعد منصة ثقافية مستقلة غير تابعة لأي حزب ديني او سياسي وتتميز بالتنوع الثقافي، حيث تمتلك العديد من الكتب الأدبية والتاريخية والدينية والسياسية، وتتعامل المكتبة مع أكثر من 400 دار نشر وتوظف عددا كبيرا من المصريين، وهي مملوكة للمحلل الاقتصادي البارز عمر الشنيطي.
وتابع: في أغسطس/ آب 2017 قررت لجنة التحفظ على أموال الإخوان المسلمين، التحفظ على الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية والمملوكة لعمر محمد شريف مصطفى أحمد الشنيطي والمالكة لمكتبة « ألف».
وبعد حصار دام لعامين تم غلق المكتبة وفروعها الـ 37 بشكل كامل في ديسمبر 2019 وتوقفت المكتبة عن العمل بشكل كامل وما زال الغلق مستمرا حتى الآن.
ووفق التقرير: لم يتم الاكتفاء بقرار التحفظ والغلق ولكن تم القبض على عمر الشنيطي المحلل الاقتصادي البارز وصاحب المكتبة من منزله يوم 25 يونيو / حزيران 2019 وتم التحقيق معه وحبسه احتياطيا على ذمة التحقيقات التي تجريها نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 930 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، والمعروفة إعلامياً بـ«تحالف الأمل» بدعوى اتهامه بـ«مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها ونشر أخبار وبيانات كاذبة بقصد زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة» وما زال قيد الحبس الاحتياطي حتى الآن.

السيرك القومي

وتناول التقرير محاولة هدم السيرك القومي الذي يعود إنشاؤه الى عام 1966، ومنذ افتتاحه وهو يقدم عروضه في الفنون الشعبية والاستعراضية تحت إشراف وزارة الثقافة، ومسرح البالون الذي يعود إنشاؤه إلى عام 1962 بدعم عميد المسرح المصري يوسف وهبي، وكانت تقام فيه عروض فرقة رضا للفنون الشعبية وفرقة القاهرة الاستعراضية وفرقة الأنوار اللبنانية، واستمرت العروض الغنائية والاستعراضية، حيث تم تطويره وتجهيزه وتم افتتاحه مرة أخرى في عام 1999.
وزاد: عام 2019 قدمت النائبة نشوى الديب عضو مجلس النواب، اقتراحا لمجلس الشعب بنقل مسرح البالون والسيرك القومي من منطقة العجوزة، واستغلال الأرض المقامين عليها في مشروعات أخرى، وهذا الاقتراح لاقى رفضا تاما من المثقفين المصريين والفنانين وأعلنوا رفضهم لهذه الصفقة في بيان يحمل توقيعات عدة فنانين ومثقفين، ورغم هذا الرفض واستمرار نشاط وعمل المسرح والسيرك، إلا ان العديد من المثقفين يخشون استمرار محاولات الاستيلاء على الموقعين المميزين للسيرك والمسرح لاستبدالهما بمشاريع استثمارية أو سياحية بدلا من الثقافة والإبداع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية