لم تعد قصص الحب المكتوبة بماء الورد، التي تؤول نهاياتها إلى خواتم سعيدة، تستأثر بفضول القراء، لم تعد تلك الكتابة الناعمة تغري المتكاسلين، الحب في صورته وتجلياته الكلاسيكية صار من الماضي، وخرج إلى الضوء الحب في معانيه الصريحة، في شراسته وفتكه أحياناً، لقد استعاد منطقه بصفته محاولة قتل فاشلة، فمن يقبل على الحب، أو يفتح بابه فليتقبل أسوأ النهايات، لا يترقب سعادة ولا طراوة، بل أن ينجرف إلى طوفان من المآسي، أن يتحول المحب إلى كائن شرس إذا أراد الدفاع عمن يحب، لا ينتظر هدايا من القدر ولا لطفاً، بل أن يتلبس ثوب مُحارب إغريقي، لأن الضربات سوى تنهال عليه من حيث يعلم ولا يعلم، ذلك ما تُحلينا إليه رواية «روساريو» للكولومبي خورخي فرانكو، التي صدرت ترجمتها العربية عن داري ممدوح عدوان وسرد (2020) إنها رواية الحب في طعمه الأكثر مرارة، لكنها تمنح قراءها في ختامها وصفة ـ مع أنها ذاتية ـ في الشفاء منه.
بطلة الرواية اسمها روساريو، ويجب أن نكتفي بتلك المعلومة، ألا نغامر أكثر من ذلك في التحقق من هويتها، التي تشبه صندوق باندورا، إذا بادرنا إلى فتحه، فسوف تتطاير شظايا غير محببة، سوف نكتشف العجاب، ولا نعرف هل سيرتها حقيقة، أم خيالية؟ فحتى الراوي أنطونيو لا يعرف عمرها على وجه التحديد: «أخبرتني بأنها في العشرين من العمر. بعد ذاك سمعناها تقول إنها في الثانية والعشرين، ثم الخامسة والعشرين، ثم الثامنة عشرة مرة أخرى، وهكذا كانت تمضي وقتها، وهي تبدل عمرها كما تبدل ثيابها وعشاقها». تنطلق الرواية من دخول روساريو غرفة العناية المركزة، التي أوصلها إليها صديقها أنطونيو، بعد إصابتها بطلق ناري، «تلقت رصاصة من فوهة المسدس.. بينما هي تتلقى قبلة، فاختلط عليها ألم الحب وألم الموت». وبينما الراوي جالساً أو نائماً في غرفة الانتظار تتداعى ذكرياته معها، مع تلك الفتاة التي أحبت صديقه إميليو، لكن قلبه مال إليها، إلى روساريو التي صارحها بحبه لها، لكنها لم تفصل في مشاعرها تجاهه.
تدور وقائع الرواية في مدينة ميدلين، عاصمة بابلو إسكوبار التاريخية، لذلك كان من الطبيعي أن نشاهد شخصياتها تتمرغ في كل أنواع المخدرات، كما كان من المنطقي أن نسمع عن الجرائم اليومية.
صاحبة المقص
كانت تلقب روساريو المقص، فالمقص كان شريكاً لها في حياتها، منذ أن رأت أمها الخياطة تستعين به في كل حين، ثم تحول سلاحاً لها، جرحت به خد معلمة، واجتثت به خصيتي رجل استمالته، كانت روساريو تنتقم من كل من يفضح مشاعره لها، لكنها في خاتمة المطاف وقعت بين حب إميليو وعسر تعريف علاقتها مع الراوي أنطونيو، التي اختلطت بين حب وصداقة.
تدور وقائع الرواية في مدينة ميدلين، عاصمة بابلو إسكوبار التاريخية، لذلك كان من الطبيعي أن نشاهد شخصياتها تتمرغ في كل أنواع المخدرات، كما كان من المنطقي أن نسمع عن الجرائم اليومية، وقد كانت روساريو جزءاً منها، فعدد ضحاياها لا يعرفه أحد، كانت كلما زادت شهيتها وتضاعف وزنها عرف الراوي أنها قتلت أحداً، بعد كل عملية تسرف روساريو في الأكل كي تنسى الجثة ودمها، وعلى طول الرواية، مع توالي السنوات، ظل وزن روساريو في صعود ونزول، تقتل ثم تأكل، تنسى فتعود إلى سيرتها الأولى والتفكير في الجريمة المقبلة. «رحلت روساريو عن بيتها وهي في الحادية عشرة من العمر. فبدأت مسيرة طويلة لم تسمح لها بالبقاء في الموضع نفسه، لما يزيد على عام واحد.. طُردت من آخر مدرسة التحقت بها، إذ جازف المسؤولون بقبولها على الرغم من قصة «الجرح» الذي أحدثته في وجه المعلمة، ودونها الكثير من التجاوزات المشابهة، ولكن فعلتها الأخيرة كانت لا تُغتفر (إذ اختطفت إحدى المُعلمات نهاراً كاملاً، وقصت شعرها بضربة مجنونة من المقص)».
هكذا ظل المقص توأماً لحياتها، كل جرائمها، في السنوات الأولى كانت بتلك الأداة، قبل أن تستخدم في وقت لاحق المسدس. «في المرأة هوس عبثي يدفعها إلى وصل الرجل الذي يحلو لها، لا الرجل الذي يحبها» يقول الراوي كما لو أنه يصف حالة روساريو. كل من حبوها ماتوا على يدها، لم تحافظ سوى على من أحبته هي بنفسها: إميليو، رغم أن عائلته رفضت زواجه منها، بحكم الفوارق الاجتماعية بينهما.
امحاء الحدود بين الحب والصداقة
عاشت روساريو مولعة بحياة انتقام من الرجال، يكاد الراوي أن يقتنع أن جرائمها تتجاوز سنوات عمرها، استطاعت أن توحد بين رجلين، الأول أحبته والثاني تركته في دفة الصداقة، من غير أن تبالي بارتفاع سقف عواطفه تجاهها، أحبت روساريو إميليو، لكنها جعلت من أنطونيو خزانة أسرارها، أحبت الأول في لحظات صفائها، وكانت تلجأ للثاني كلما اشتدت مخاوفها أو شعورها باللاأمان، جعلت من الأول واجهة عاشقة لها، ومن الثاني درعاً تحتمي به من فزعها حين يشتد بها خوف من أن ينتقم منها خصومها، كلما تخاصمت مع الأول استعانت بالثاني في الصلح، وفي الختام لم ترحمها الطلقة التي فتت جسدها، فما كان من الصديق إلا أن يرافقها إلى المستشفى في ساعاتها الأخيرة في غياب الرجل الذي أحبته، في هذه التوليفة، حيث يتجاور الحب والصداقة، لسنا نعرف أيا من الروابط أكثر تأثيراً وقوة، وهل سعت روساريو إلى صديق أم حبيب؟ كانت تعلم مدى صداقتهما، لكن راقت لها فكرة إثارة الغيرة بينهما.
روساريو التي جاءت من قاع المدينة، من ميدلين، حيث الجريمة والمخدرات من ثوابت يوميات الناس، تود أن تلقن قراءها أن الحب لا يمكن أن يكون سوى مجازفة، لا ضرر أن أوصلت صاحبها إلى الموت، تقدم دروساً في الانتقام وفي النجاة من الفقر، وفي الدفاع عن حقوق النسوة، بينما أنطونيو ينبئنا بأن الخلاص ممن نبادله حباً من طرف واحد هو أن نسير في مزاجه في طاعة لا عصيان، فالحب مهما كانت درجاته إنما يعلم صاحبه السخاء في العطاء، بدون أن ينتظر مقابلاً، في هذه الرواية السوداء، لا يمكن للقارئ سوى أن يقع أيضاً في شباك هذه البطلة، التي جعلت من الجريمة والمخدرات عناصر مقوية لحبها للرجل الوحيد الذي ألهمها، قد تبدو أنها تعاني من سكيزوفرينيا، لكن في تلك الهلوسات التي تعيشها، حيث يستحيل الواقع خيالاً والخيال واقعاً سوف نفهم شيئاً من تضاريس وصدامات ميدلين، مدينة بابلو إسكوبار، الذي بقدر ما سمعنا عنه وقرأنا، لا يزال شخصية غامضة، تماما مثلما كانت روساريو في رواية خورخي فرانكو.
روائي وصحافي جزائري