في طفولتي كنت أسمع قليلا كلمات مثل حرام لا تكذب. حرام أن تأخذ شيئا ليس لك. وحرام أن تشتم أحداً. تقريبا لم أسمع نصائح غير هذه الجمل الثلاث ترتبط بالحرام. كانت طبعا هناك نصائح أخرى كثيرة مثل أن تكون نظيفا دائما. أن لا تتأخر ليلا في الخارج. أن لا تثير ضجة في الشارع. أن لا يرتفع صوتك في الحديث. أن لا تهرب من المدرسة. أن لا تهمل في المذاكرة. وغير ذلك مما يرتبط بالتربية والتعليم. وكانت تتم بشكل عادي جدا، وبلا أي نوع من العنف ولا التخويف. كنا طبعا نكسر كثيرا منها، فنهرب من المدرسة لنذهب إلى السينما، ونلعب في الشارع الكرة، ويرتفع صوتنا في الحوار وغير ذلك، لكن ظلت كلمات مثل لا تكذب، ولا تسب أحدا ولا تأخذ ما ليس لك، تمشي معنا.
كانت حصة الدين في المدرسة حصة بسيطة جدا، يتم فيها فصل الطلاب المسيحيين عن المسلمين، فيصيرون كلا في فصل، وبعدها نعود إلى الاجتماع معا، ولم يسأل واحد منا الآخر عما يدرسه من الدين. كان أهم ما درسناه هو أركان الإسلام الخمسة، وبرّ الوالدين وعدم الكذب أو السرقة والرفق بالقوارير، أي النساء. لم تكن في خطبة المدرسة أثناء طابور الصباح أي أحاديث دينية. كانت كلها عن النظام والنظافة، والعمل واحترام المدرس، وأهمية العلم والدفاع عن الوطن. كان أصحابنا كثيرا من الأقباط، نتبادل الدخول إلى بيوت بعضنا بعضا، ونتناول الطعام معا، ونسهر معا أولادا وبناتٍ، وفي كل مرة لم يسمع واحد منا حديثا في الدين، سواء كان الأصحاب الأقباط في بيتنا نحن المسلمين أو العكس. كان الحديث كله ضحكا ومزاحا وأكلا للفاكهة أو غيرها، ولعب الورق أو الشطرنج، أو الاستماع إلى التمثيليات الإذاعية، فلم يكن التلفزيون قد ظهر بعد. وهكذا كان من بين أصدقائنا ميشيل وجرجس ونسيم ومريم، وغيرها من الأسماء للأولاد أو البنات.
لم يكن الشيوخ بعيدين عنا. كانوا يجلسون مع أهلنا فهم من أهل الحي، أو ضيوف عليهم، كانت جلستهم كلها ضحك وقفشات من النكت، ولم يكن فيهم شيخ يحمل تكشيرة على وجهه أبدا. لقد كانت الجلسة لنا نحن الأطفال بينهم مذهلة في الجمال والضحك، نتحدث عنها دائما ضاحكين. لم أسمع الشيوخ أبدا يتحدثون عن حرمة مشاهدة السينما مثلا، أو حرمة سماع الراديو والغناء، أو حرمة الجلوس مع الفتيات، أو حرمة أي نوع من الأزياء. وكان شهر رمضان كله يتلخص في جملة أن الصوم للقادرين، وإنه حتى إذا كنت قادرا، وفاتك يوم لم تصمه فيمكن أن تصومه في ما بعد. كنت أرى المقاهي مفتوحة في النهار والليل في رمضان يجلس فيها الفاطرون وأحيانا أصدقاؤهم الصائمون، ولا أحد تحدث عن ضرورة إغلاق المقاهي. كان الصيف في الإسكندرية إعلانا للفرح على الشواطئ، وحولها في المقاهي والملاهي الليلية، ولم أسمع أبدا شيئا عن تحريمها، فالأمر في النهاية موكول لصاحبه. الخطأ والصواب يتحمله هو أمام الله، المهم أن لا يخطئ في حق غيره.
الحديث طويل عن مظاهر الحريات الشخصية، ما دامت لا تتضمن اعتداء من أحد على أحد، وكان الناس يمرّون على المقاهي ولا أحد يتوقف إلا من سيشارك، غير ذلك يمضي، فالأمر لا يعنيه في كثير أو قليل. طبعا ما جرى منذ السبعينيات وكيف فتح السادات الرئيس الذي سمى نفسه، الرئيس المؤمن، الباب للأفكار السلفية، وما جرى من تحول نراه حولنا الآن، سواء في الأزياء أو السلوك أو غير ذلك من مظاهر الحياة الغريبة. انتقلت كل المساجد ودروس الدين في المدارس إلى الحلال والحرام بشكل رهيب، رغم أننا في طفولتنا عرفناه ببساطة، أن لا تكذب ولا تسرق، ولا تتلصص على أحد ولا تؤذي غيرك، ورفقا بالقوارير.
لقد صارت الجرائم ملمحا رئيسيا لحياتنا للأسف، ولم تعد ظاهرة شاذة في المجتمع. هل يسأل أحد نفسه كيف ولماذا؟ وحولنا كل هذه الفتاوى، نسي الكثيرون من كل الطبقات يوم الحساب؟
دخلنا في كهف صعب من الأسئلة عن الفحشاء والمنكر، وما هي مظاهرها أو وقائعها، كأنها غير معروفة. وصار الطريق إلى الجنة معقدا جدا، فصارت هناك أسئلة وموضوعات للفتوى في كل شيء مثل ربح البنوك ـ منع أقارب الزوجة من زيارتها ـ زواج المسلمة من غير المسلم ـ تسويق شركات التجميل الأجنبية ـ حكم الغرامة عن عدم ارتداء الكمامة ـ المرور بين المصلين يوم الجمعة في حالة الوباء ـ زكاة الوديعة من قرض ـ القاضي غير المسلم ـ شراء الذهب والفضة عن طريق الإنترنت ـ الدعاء للمتوفي وللمنتحر ـ الجماع وقت الحيض ـ السخرية بالكوميكس ـ طهارة الأطقم الطبية – هل يجوز بيع الذهب بالتقسيط ـ شراء سيارة بالتقسيط – امتناع الزوجة عن معاشرة زوجها. هل تبادل التحايا على الميديا حلال أم حرام، وهل الدخول على قنوات الكفار حلال أم حرام، وحكم كلمة «هاي» في التحية، وغير ذلك مما يبدو كأنه قضية حياة، وهو أمر عادي جدا لا يحتاج إلى هذا العناء.
غير ذلك بالآلاف في كل خطوة وهمسة، والإجابات أصلا موجودة بحكم خبرة الحياة والمنطق في المعاملة. لا يهمني هنا الفتوى بقدر ما يهمني هذا الانشغال الرهيب بأمور عادية في الحياة، يعرف إجابتها كل شخص. وأيضا إجابات على أسئلة غريبة من نوع هل إذا ابتلع شخص شيئا بدون أن يقصد، وهو صائم يصبح فاطرا؟ وهل المريض لا يتناول دواءه حتى لا يفسد صيامه؟ صار هذا سؤالا رغم أن الصوم للقادرين، ومن ثم فليس على المريض من حرج في الإفطار. كنا في المدرسة نتعلم أن تحية الصباح هي صباح الخير، وتحية المساء هي مساء الخير، وأثناء النهار تلقي السلام. حين كبرت عرفت إنها عادة مصرية قبل ظهورالديانات السماوية، لأن مصر أرض النيل والزراعة، فالتحية بالخير أمر طبيعي لا علاقة له بالمسيحية ولا غيرها. هي تحية منذ أيام المصريين القدماء.
تغيرت الأمور مع الزحف الأصولي وصارت التحية بالخير حراما، والأمر يربكني حتى الآن، فلم أعد ألقي السلام على أحد، وأنا داخل إلى البيت أو خارجا منه، واكتفي بالتحية بيدي وبسمة على شفتيّ، لأني حين أقول لأحد صباح الخير، أو مساء الخير يرد على بعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كأنه يتهمني بالكفر. لقد صار موضوع التحية هذا حديث المساجد كلها، والإذاعات في السبعينيات والثمانينيات فأنتج حالة رهيبة من الاقتناع، بأن مساء وصباح الخير تحية الكفار! فضلا عن تفاهات شغلونا بها مثل، حرمة شراء المرأة للخيار. تعقدت الأمور وصارت الفتاوى تداهمنا ليل نهار، وصار لدار الإفتاء ولكثير من الشيوخ رأي ديني في كبريات وتفاهات الأمور معا. كيف صار يوم الحساب صعبا هكذا يتسع لهذه الإجابات؟ لن أحكي عن صراعي وأبنائي طلاب في المدارس في التسعينيات من أجل تصحيح ما يصل إليهم من مدرسيهم، وكيف استدعى الأمر ذهابي إلى المدرسة والاحتجاج على ما يقولونه لهم، مثل اعتبارهم لكتَّاب الروايات والشعر كفارا.
هذا ليس موجودا في الكتب الدراسية لكنهم يتطوعون به. حكايات كثيرة جعلت يوم الحساب صعبا جدا، لأن الأوامر والتعليمات تشمل كل حركة وكل همسة، ابتداء من دخول الحمام إلى النوم، إلى الخروج في الطرقات، إلى دخول البيت الخالي وإلقاء التحية على من لا تراهم من الجن أو الملائكة. جعلوا من يوم الحساب ارتباكا كبيرا في الدنيا، وهو سهل جدا فهو رهين أفعالك التي لا تزيد على ألا تؤذي غيرك. والسؤال الغائب هل يمكن إحصاء نسبة الجرائم في المجتمع الآن، ومقارنتها بقبل السبعينيات؟ لقد صارت الجرائم ملمحا رئيسيا لحياتنا للأسف، ولم تعد ظاهرة شاذة في المجتمع. هل يسأل أحد نفسه كيف ولماذا؟ وحولنا كل هذه الفتاوى، نسي الكثيرون من كل الطبقات يوم الحساب؟ متى نعود إلى المعنى الحقيقي للدين، وهو أن يكون العدل أساس الحكم، فيصير العدل أساس الحياة اليومية، وليس الخوف من يوم الحساب.
كاتب من مصر