أجواء تؤشّر إلى سباق بين تسوية حول الملف الحكومي وبين توسّع التحركات الاحتجاجية، في ظل غياب الثقة بين بعبدا وبيت الوسط.
بيروت-»القدس العربي»: إذا كانت نار الاحتجاجات التي عادت تشتعل على الطرقات الرئيسية تشكّل ضغطاً قوياً على كل من رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري للإسراع بتشكيل الحكومة، مستفيدة من غطاء البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي خاطب المنتفضين بعبارة «لا تسكتوا» ومن وقوف الجيش على الحياد وعدم التدخّل لقمع هذه الاحتجاجات بسبب انعكاس الأزمات الاقتصادية والمالية وارتفاع سعر صرف الدولار على رواتب العسكريين التي باتت تتراوح بين 100 دولار للمجنّد و350 دولاراً للضابط، فإن آخر تطوّر طرأ على الاتصالات الجارية للتأليف هو ما تسرّب عن اقتراح نقله المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم من الرئيس عون إلى الرئيس الحريري حول موافقته على 5 وزراء مضافاً إليهم وزير الطاشناق في تركيبة من 18 وزيراً، وهذا يعني أن رئيس الجمهورية ومن خلفه التيار الوطني الحر لا يتمسّكان بالثلث المعطّل.
ويهدف عون من وراء تسريب هذا الاقتراح إلى رمي كرة التعطيل في ملعب الرئيس المكلّف والإيحاء أن العقدة موجودة لديه في انتظار نيل رضى المملكة العربية السعودية. وقد تفتّق هذا الاقتراح من نصيحة أسديت لرئيس الجمهورية بأن يقلب الأدوار ويبدّل الأسلوب مع الحريري وتحميله أولاً مسؤولية التأخير في التشكيلة الحكومية بدلاً من أن تُلقى المسؤولية على كاهل العهد وتياره، وثانياً تركه يتدبّر أمره في معالجة الأزمة المستفحلة واستقطاب الدعم الخارجي لوقف الزحف السريع نحو الانهيار، فإذا نجح يكون رئيس الجمهورية أنقذ ما تبقّى من عهده وإن لم ينجح يتحمّل وحده مسؤولية الفشل والاخفاق في مغامرة الانقاذ ويكون هو لا العهد عرضة للمحاسبة أمام الشعب اللبناني.
وبدا أن هذه النصيحة استوحت مضمون نصيحة سبق أن وجّهها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط إلى الرئيس المكلّف بالاعتذار عن عدم التأليف وترك فريق العهد وحلفائه يتحمّلون مسؤولية الحكم والفشل والانهيار، قبل أن يعدلَ في وقت لاحق عن توجيه النصائح لعدم إزعاج الحريري وإثارة نقمة بيت الوسط.
وكان الزعيم الدرزي واصل اقتراحاته للحلحلة وعدم قبول تحميله مسؤولية العرقلة من خلال حصر التمثيل الدرزي بوزير واحد محسوب عليه ولو كان اختصاصياً وغير حزبي في تشكيلة من 18 وزيراً. فأبدى جنبلاط تأييده تسوية وعدم ممانعته زيادة عدد الوزراء ما يعني حكماً السماح بزيادة عدد الوزراء الدروز إلى اثنين في حكومة من 20 وزيراً أو إلى 3 في حكومة من 22 وزيراً. وانطلق جنبلاط في اقتراحه من أن البلد كله ينهار ولا بدّ من حكومة. وتتلاقى هذه القراءة مع النصيحة التي أسديت لرئيس الجمهورية من أن لا معنى لوزير مسيحي بالزائد أو بالناقص في حال إنهار البلد، وبماذا سيستفيد المسيحيون من الثلث المعطّل ساعتئذ فيما هم يستعدون للهجرة، وأي حقوق ستبقى للمسيحيين إذا تعطّلت الدولة التي وحدها تحمي الجميع وتؤمّن حقوق الجميع؟
وتتلاقى وجهة النظر هذه مع قراءة لخصوم العهد تقول إن المتضرّر الأكبر والوحيد من تضييع فرصة تشكيل حكومة ليس الرئيس الحريري وحده بل بالطليعة الرئيس عون الذي سيبقى عهده مشلولاً حتى آخر يوم من الولاية، وسيذكر التاريخ أن عهد عون شهد الانهيار والأزمات وسيكون هو الخاسر الأكبر لأن لا فرصة أخرى لديه في ولاية رئاسية جديدة لتعويض الفشل خلافاً للرئيس الحريري الذي يختلف وضعه عن وضع أي رئيس للجمهورية ويمكنه ترؤس أكثر من حكومة في أكثر من عهد رئاسي.
وعلى وقع هذا الكباش بين عون والحريري الذي يعطّل الحكومة، برز عنصر جديد هو اعتبار الرئيس المكلّف أن حصة رئيس الجمهورية في حال عدم مشاركة التيار الوطني الحر ومنحه الثقة للحكومة في مجلس النواب هي 3 وزراء وليس 5 الأمر الذي سيعني تعقيداً جديداً وإطالة زمنية جديدة للتأليف. في وقت ردّت مصادر قريبة من حزب الله على توجيه الحريري للمرة الأولى اتهاماً مباشراً للحزب بأنه «يناور لإطالة مدة الفراغ الحكومي في انتظار أن تبدأ إيران تفاوضها مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ممسكة باستقرار لبنان كورقة من أوراق هذا التفاوض». فأعادت المصادر تكرار ما قاله نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عن عدم رضى سعودي على الرئيس المكلّف حتى لو أضاء لها أصابعه العشرة. وذكرت هذه المصادر «أن مشكلة الحريري خارجية وتتعلق بالسعودية التي يحاول إسترضاءها من خلال إبعاد حزب الله عن الحكومة واختيار وزراء اختصاصيين على غرار وزير الصحة الحالي حمد حسن، غير أن المملكة تدرك التركيبة اللبنانية وغير مقتنعة بطريقة اختيار الوزراء ولو حملوا صفة اختصاصيين».
وفي ظل هذه الأجواء التي تؤشّر إلى سباق بين تسوية حول الملف الحكومي وبين توسّع التحركات الاحتجاجية، ثمة من أعاد النقاش في حال فشل سيناريو التسوية بسبب غياب الثقة بين بعبدا وبيت الوسط حول امكانية توجيه رئيس الجمهورية رسالة إلى مجلس النواب للنظر في ما آلت اليه المساعي الحكومية وكي تتخذ الكتل النيابية التي سمّت سعد الحريري قراراً في سحب التكليف أم لا علماً أن لا شيء في الدستور يتحدث عن امكان سحب التكليف من الرئيس المكلّف.