تُعتبر قضية التدخل المباشر للدول العظمى الكبرى في شؤون الدول الأخرى التي لديها مصالح فيها إحدى القضايا الأساسية التي تشغل العالم حالياً. وفي طليعة مجموعة الدول الكبرى في هذا المجال الولايات المتحدة الأمريكية وأدوارها الحالية والسابقة في الشرق الأوسط ودول أخرى في العالم.
الكاتب والخبير الأمريكي فيليب غوردون الذي عمل ويعمل في شؤون المنطقة في قيادة بلده في إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، إلى جانب وزير الخارجية السابق جون كيري بين عامي 2013 و2015 والذي ما زال رأيه ذا قيمة وما زالت مشورته ذات أهمية في إدارة الرئيس الجديد بايدن، أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان: “خسارة اللعبة الطويلة الأمد، الوعد الخاطئ بتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط” أكد فيه أن اعتماد خيار تغيير الأنظمة بشكل متسرع في منطقتنا يؤدي في أكثرية الأحيان إلى عكس ما تسعى إليه القيادات وأن سلبياته تتجاوز إيجابياته خصوصاً من المنطلقين البراغماتي الواقعي والأخلاقي الإنساني.
ويتطرق هذا الكتاب إلى أخطاء السياسة الخارجية الأمريكية في إيران منذ عام 1953 وفي مصر والعراق (خصوصاً إبّان وبعد غزو البلد بواسطة أمريكا وحلفائها عام 2003) ومحاولات تغيير النظام السوري بالتدخل العسكري بالإضافة إلى إقصاء نظام القذافي في ليبيا بقوة القصف الأجنبي والسياسات الميدانية للقيادة الأمريكية في إفغانستان ومثيلاتها في أماكن أخرى.
يتناول في المقدمة دوافع مخططي السياسة الخارجية في بلده ومحاولتهم تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط قائلاً إنها بدأت بمحاولات الرئيس دوايت ايزنهاور إقصاء سلطة رئيس الحكومة محمد مُصدق في إيران عام 1953 لمواجهة ومنع انتشار الشيوعية في المنطقة، ثم إلى خطط منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط وبحجة مواجهة المنظمات والأنظمة الإرهابية التوجه والمرتبطة بالإسلام الجهادي.
تنوعت وسائل هذه السياسات الأمريكية الرسمية (حسب الكاتب) فشملت دعم انقلابات عسكرية أو تسليح المعارضات أو الغزو المباشر لتلك الدول.
الأمر الأهم في رأيه، أن ما تشاركت فيه هذه الحملات والمبادرات الأمريكية تمثل في كونها فشلت في تحقيق أهدافها وانها حققت نتائج كارثية في المدى البعيد برغم أنها ربما حققت بعض أهدافها في المدى القصير. ففي المدى البعيد، أنتجت فراغاً سياسياً أتاح تسلم ساحة القيادة لجهات أكثر خطورة من الجهات الحاكمة التي نوت أمريكا أخراجها من السلطة، أكان ذلك في مصر أو ليبيا أو العراق أو إيران. وما قد يحدث إذا سقط النظام الحالي في سوريا ربما يندرج في هذا المجال.
سنركز في هذه المراجعة على أخطاء السياسة الأمريكية في العراق ومصر وسوريا في محاولة لإستقراء ما ستكون سياسة الرئيس الأمريكي الجديد جوزف بايدن في هذه المواقع وخصوصاً لكون الكاتب غوردون عمل معه ومع الرئيس باراك أوباما كمسؤول منسق لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين عامي 2013 و2015 وقبل ذلك كمساعد للشؤون السياسية الأمريكية في آسيا وأوروبا بين عامي 2009 و2013 وكتب مقالات وكتباً عديدة حول هذه المواضيع في السنوات الأخيرة.
بالنسبة للعراق، يقول غوردون في الفصل الرابع إن أمريكا ربما أسقطت نظام الرئيس صدام حسين في العراق، ولكنها: “لم تنجح في إقصاء الإرهاب عن العراق وجواره ولا في ضبط نفوذ إيران فيه ولا في إنشاء نظام ديمقراطي مستقر في البلد” (ص 102).
ويعتبر أن دور إيران في العراق بعد الغزو الأمريكي توسع، كما تصاعد نفوذ منظمة “القاعدة” وأخواتها من المنظمات الجهادية المتطرفة لدى الجهات المعارضة للنظام الجديد في بغداد.
ومن الأمور اللافتة، ما يشير إليه الكاتب عن دور بنيامين نتنياهو، كزعيم للمعارضة في إسرائيل عام 2002 في تحريض قيادة جورج بوش الابن على غزو العراق عبر حلفائه في أمريكا من “المحافظين الجدد” ومن المنتمين إلى اللوبي الصهيوني هناك، وخصوصاً أعضاء ما سُمي “مشروع القرن الأمريكي الجديد”. ويذكر أسماء هؤلاء المشرفين على هذا المشروع والمتعاونين معهم.
وأثنى على أدوار معارضيهم على شاكلة وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر ومستشار الأمن القومي السابق برنت سكاوكروفت ومسؤول القيادة الأمريكية العسكرية السابق في المنطقة الجنرال أنطوني زيني (ص 121).
كما يؤكد أن موقفه الشخصي آنذاك ككاتب ومستشار ومسؤول في “مركز بروكينغ للدراسات” ركز على أنه كان بالإمكان إحتواء سياسات الرئيس صدام حسين من دون غزو العراق عسكرياً وتفادي النتائج السلبية التي ستنتج عنه، والفراغ الذي من المتوقع أن يحدث بعد سقوطه، وأن هذا كان موقف باراك أوباما قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية (ص 123).
أما بالنسبة إلى دور نتنياهو المباشر في التحريض على غزو العراق فيقول: “في جلسة استماع الكونغرس الأمريكي حول الوضع في العراق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 تحدثَ شاهد بارز عن أهمية تغيير النظام في ذلك البلد وعن دور ذلك التغيير في تعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة. هذا الشاهد، زعيم المعارضة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أكد بأن إقصاء الرئيس صدام حسين سيؤدي إلى تحقيق نتائج إيجابية في المنطقة برمتها، وان الشعب الذي يجاور العراق، وخصوصاً أجياله الشابة، سيندفع نحو إزالة الأنظمة المشابهة للنظام العراقي وقادته الديكتاتوريين، فإزالة صدام ستؤدي إلى زعزعة نظام إيران والجهات الإرهابية التي إرتكبت الإرهاب في نيويورك وواشنطن في 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001” (ص 126).
نصائح نتنياهو آنذاك برأي الكاتب كانت خاطئة وحساباته ساهمت في غزو العراق وتحقيق ما سعى إليه وما دعمه حلفاؤه في الساحة الأمريكية كريتشارد بيرل وبول وولفويتز ومدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق جيمس وولزي وتأثيرهم على نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد (ص 127). أما الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن فكان يعتقد بان إقصاء صدام حسين سيؤدي إلى السلام في الشرق الأوسط، بسبب تأثير الأجواء العامة المحرضة عليه.
كما ساهم بول بريمر، المسؤول القليل الخبرة الذي عُين على رأس السلطة المؤقتة للتحالف في العراق في ارتكاب الخطأ تلو الآخر في البلد مما أدى إلى فشل المشروع برمته ونشوء المنظمات الجهادية المسلحة وتصاعد نفوذ إيران في العراق، كما ساهم في مقتل عشرات الآلاف من العراقيين والآلاف من الجنود الأمريكيين (ص 131).
وينتقد المؤلف سياسات الرئيس أوباما في العراق خلال رئاسته ونائبه الرئيس الحالي جو بايدن وعدم وضوح مواقفها بالنسبة إلى سحب القوات الأمريكية أو بقائها في العراق أو إزاء الجهة التي يجب التعاون معها في السلطة العراقية الجديدة بعد الغزو (ص 135). ويعتبر أن هذه السلطة مارست قمعاً على خصومها لم يختلف كثيراً عن القمع الذي مارسته قيادة الرئيس صدام حسين أو قادة العراق السابقين قبله وان العراق مهدد حالياً بالمزيد من الإرهاب، وكان كل ذلك من الممكن تفاديه لو مورست سياسة الاحتواء بدلاً من تنفيذ الغزو الأمريكي في عام 2003 (ص 144).
بالنسبة لمصر، يوضح الكاتب في الفصل الخامس ان اختلافاً كبيراً تواجد في نظام الرئيس أوباما إزاء إقصاء الرئيس حسني مبارك عن قيادة مصر والذي تم في 11 شباط (فبراير) 2011 عندما استقال مبارك من منصبه. فمجموعة من المخضرمين قادها نائب الرئيس (الرئيس الحالي) جوزف بايدن، ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع روبرت غيتس اعترضت على ان يفرض أوباما على مبارك التخلي عن منصبه، ولكن مجموعة أخرى من مستشاري أوباما الصغار سناً والذين لم يمتلكوا الخبرة ولا العلاقة الشخصية المباشرة مع مبارك وأعوانه، ضغطوا على الرئيس لاتخاذ مثل هذا الموقف وبينهم بن رودس وسامنثا باور ودينيس ماكدونو ومايكل ماكفول ووزير الخارجية الحالي انتوني بلينكن ومسؤولون آخرون يحتلون مناصب بارزة حالياً ممن اعتبروا بانه على أوباما “الالتحاق بمسيرة التاريخ والقبول بما تسعى إليه الأجيال الجديدة في مصر والمنطقة والتخلي عن مبارك (ص 153)”. ورضخ مبارك لقرار أوباما برغم انه اعتبر أن الرئيس الأمريكي الجديد لا يملك الخبرة الكافية في الموضوع وشاركه في الرأي السفير الأمريكي السابق في مصر فرانك وايزنر علماً ان أوباما نفسه، شأنه شأن مستشاريه الصغار سناً لم يكن على معرفة وثيقة بمبارك وبأوضاع مصر، حسب الكاتب.
القضية الأساسية في ما حدث في مصر آنذاك انه برغم تنحي مبارك فالسلطة استمرت بشكل أساسي بيد جنرالات الجيش والمجلس العسكري الأعلى لهذه المؤسسة بقيادة المشير حسين الطنطاوي الذي أقصاه لاحقاً الرئيس المنتخب محمد مرسي وعيّن مكانه الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي ظناً منه انه سيتكيف مع القيادة المصرية الجديدة إلى درجة أكبر ولكن الأمور جرت في غير ذلك المسار.
ومما يتوجب ذكره في هذا المجال ان إسرائيل وحلفاءها في بعض الأنظمة الخليجية العربية، (حسب الكاتب) استاؤا من قرار أوباما التخلي عن مبارك، وان أوباما اعتقد ان نظام الرئيس مرسي سيكون مشابهاً لأنظمة متحالفة مع الإسلاميين كالنظام التركي أو الاندونيسي، وان هذه الأنظمة الخليجية العربية دعمت الرئيس السيسي وساهمت في سقوط نظام الرئيس مرسي، كما لعبت دوراً سياسياً ومادياً فاعلاً في تثبيت سلطة السيسي وعودة نفوذ الجيش المصري إلى السلطة. وقادت المملكة العربية السعودية والإمارات حملة دعم للرئيس السيسي لخشيتهما من التعرض لانقلابات على سلطتيهما من الجهات الإسلامية السياسية في بلديهما (ص 161).
ويؤكد الكاتب انه وكمعاون لوزير الخارجية السابق جون كيري حاول اقناع مستشارين ومعاونين للرئيس مرسي بعدم اتخاذ سياسات تُقصي المعارضين لهم عن ممارسة حقهم في المعارضة، واستمر في هذا الموقف حتى نهاية صيف عام 2013 ولكنه لم ينجح. كما كان أوباما يعزم دعوة الرئيس مرسي للقائه في البيت الأبيض في صيف عام 2012 والإفراج عن مليار دولار من ديون مصر، ولكن مرسي (برأي الكاتب) لم يتجاوب في قراراته مع هذه المبادرات (ص 159 ـ 161).
بالنسبة لسوريا، التي يتناولها الكاتب في الفصل السابع، يرى ان نظاماً أمريكياً بقيادة الحزب الديمقراطي (كما الوضع حاليا) ليس أكثر انفتاحاً على نظام بشار الأسد من نظام بقيادة ترامب. ولولا تحفظ أوباما لكان معاونوه دفعوا رئيسهم للقيام بمبادرة عسكرية ضد النظام السوري الحالي. ولكن أوباما فضّل التنسيق مع الرئيس الروسي بوتين والقبول باشراف الدولتين العظميين (أمريكا وروسيا) على تخلي سوريا عن أسلحتها الكيميائية. ولعل قيادة بايدن الحالية ستستمر في التنسيق مع بوتين في مجال تحقيق تقدم في توجه السلطة السورية الحالية نحو التطوير في النظام والتعامل بشكل أكثر قبولاً بالمشاركة الفعلية للمعارضة في النظام وفي قراراته من دون فرض الاملاءات كما حدث في مصر أو التدخل العسكري كما في العراق وليبيا مما يقلص دور أمريكا ويعزز أدوار خصومها هناك (حسب تقييم الكاتب) ومما يزيد المعاناة والقمع للشعب السوري وينفذ أجندة إسرائيل.
Philip Gordon: “Losing the Long Game”
St. Martin’s Press, New York 2020
358 pages.