جمعيات حقوقية ومنظمات محلية تعين اللاجئين في تونس

روعة قاسم
حجم الخط
0

قصص نجاح مضيئة رغم كل الصعوبات والعثرات

تونس-»القدس العربي»: ليس من السهل ان يعيد أي لاجئ بناء حياته مجددا بعيدا عن وطنه الأم، فآلام اللجوء وقسوة فقدان الوطن تجعله غير قادر على مجابهة مصاعب حياته الجديدة بسبب الدمار والحروب التي لحقت بموطنه الأصلي.
لقد خسر العديد من اللاجئين واللاجئات أوطانهم والخوف من تعرّضهم للاضطهاد بسبب جنسهم أو لونهم أو عرقهم أو دينهم أو انتماءاتهم السياسية مما دفعهم إلى طلب اللجوء في بلدان عديدة ومنها تونس التي تحتضن اليوم قرابة 7500 طالب لجوء من جنسيات مختلفة. وقد انخرطت خلال الأعوام الأخيرة – ومع تزايد نسبة اللاجئين- عديد المنظمات الحقوقية في تونس لمد يد العون لهؤلاء اللاجئين وإسنادهم وتمكينهم من حقوقهم التي يكفلها القانون الدولي والإنساني. وتهتم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فرع تونس بوضعية هؤلاء اللاجئين وادماجهم في الحياة العامة وخلق مواطن شغل لهم في القطاعات الممكنة وذلك بالتعاون مع شركاء محليين تونسيين مثل المعهد العربي لحقوق الإنسان وجمعيات أخرى.

مبادرات متعددة

ايمان الجاف هي لاجئة عراقية تبلغ من العمر 53 عاما تروي لـ «القدس العربي» قصة لجوئها إلى تونس بالقول: «جئت إلى تونس منذ أعوام كطالبة لجوء وهربا من الحرب المستعرة في بلدي آنذاك ووجدت الأمن في هذا البلد. ورغم ذلك إلا ان أحوالنا الاقتصادية هنا كانت صعبة مع انعدام المردود المالي. ثم توجهت قبل ثلاثة أعوام إلى جمعية (ادرا) التي تهتم بالمشاريع الصغرى للاجئين بالتعاون مع الهلال الأحمر وبالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي قدم لنا الرعاية والدعم النفسي والإحاطة القانونية ودعمني من أجل فتح ورشة للتطريز والخياطة».
أما خنساء عبد الرحيم البلوي فهي لاجئة سودانية من مواليد ليبيا، بدأت حكاية لجوئها إلى تونس سنة 2011 مع انطلاق الثورة الليبية، حينها لجأت مع عديد النازحين إلى الجوار التونسي لفترة مؤقتة إلى أن تهدأ الأوضاع في ليبيا. ولكن كان الوضع يسوء، وقررت في النهاية ان تبقى في تونس، وبدأت بتعلم الأشغال اليدوية مثل النقش على النحاس وصنع الحلي التقليدية التونسية لإعالة نفسها بمساعدة بعض الجمعيات الأهلية التونسية.
«بناء القدرات والمناصرة» هو مشروع يهدف لوضع إطار وطني يحقق حماية وإدماج أفضل للاجئين وطالبي اللجوء في تونس. ويسعى المشروع للعمل في إطار تحقيق أهداف الميثاق العالمي بشأن اللاجئين وتوفير إجراءات عملية ملموسة لتدعيم الاستجابة المحلية ومعاضدة جهود تقاسم المسؤولية على مستوى العالم في استقبال وحماية اللاجئين وطالبي اللجوء. وهو بدعم من المفوضية السامية للاجئين والاتحاد الأوروبي والمعهد العربي لحقوق الإنسان في تونس.
فقد انخرط المعهد العربي منذ سنوات في دعم القدرة على الحماية وتعزيز الاعتماد على الذات لدى اللاجئين وطالبي اللجوء من خلال دعم الشبكات المتخصصة في المجال من أجل تحسين أطر حماية اللاجئين وطالبي اللجوء في تونس وضمان وصولهم إلى الخدمات بهدف إدماجهم اقتصاديا واجتماعيا.
وتقول المديرة التنفيذية بالنيابة في المعهد العربي لحقوق الإنسان هاجر حبشي في حديثها لـ»القدس العربي» بأن عديد المشاريع التي تعنى باللاجئين وتمكينهم ودعمهم تُنفّذ بتونس بالتعاون مع المتدخلين سواء الخارجيين أو المحليين، وتضيف: «الجانب المشرف على قضايا اللجوء والمؤسسة الأولى التي تعمل على تقديم الحماية لهم هي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتونس، ولديها شركاء استراتيجيون وهم ثلاثة، المعهد العربي لحقوق الإنسان والمجلس التونسي للاجئين وجمعية تامس، وهي الجمعية التونسية للتصرف والتوازن الاجتماعي». وتضيف محدثتنا : «كل طرف من هؤلاء الشركاء لديه مهام معينة، فالمعهد العربي لحقوق الإنسان يعمل على دعم قدرات كل المتدخلين في مسألة اللجوء في تونس حول قضايا اللجوء والمنظومة الدولية ومناصرة صانعي القرار لوضع أطر قانونية تحمي اللاجئين وطالبي اللجوء في تونس. فمهمتنا الأساسية هي دعم القدرات ووضع إجراءات عملية لحماية اللاجئين وطالبي اللجوء في تونس».
أما بالنسبة للمجلس التونسي للاجئين فهو منظمة تونسية أسست منذ 2016 تعنى بتقديم المساعدة الأولية والاجتماعية والصحية لطالبي اللجوء في تونس وتساهم في تسجيلهم الأولي وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية لهم. أما بالنسبة للجمعية التونسية للتوازن الاقتصادي والاجتماعي «تامس» فهي تعمل على ادماج اللاجئين وطالبي اللجوء في سوق الشغل .
وتوضح الحبشي بالقول: «تعامل المعهد العربي مع اللاجئين واللاجئات كان في إطار نشاط مشترك بين شركاء المفوضية، وأردنا هذه السنة الاحتفال باليوم العالمي للنساء تكريما للاجئات وطالبي اللجوء، لذلك قمنا بتخصيص يوم للاحتفال بتجارب اللاجئات الناجحات من خلال إقامة معرض يضمّ كل منتوجاتهم وأعمالهم. وكذلك هذه المبادرة هي في الآن نفسه بمثابة تذكير للحكومة التونسية بالتزاماتها الدولية، باعتبار ان تونس مصادقة على اتفاقية جنيف لسنة 1951 والبروتوكول المتمّم لها لسنة 1967 وكذلك قامت منذ 2012 بمبادرة تشريعية مهمة وهي وضع مشروع قانون وطني لحماية اللاجئين». وتتابع :»نحن كمعهد عربي منذ سنة 2015 نعمل على التعريف بالقانون ومناصرة صانعي القرار من أجل المصادقة عليه، إلا انه لم ير النور، وهو إلى حد الآن عند رئاسة الحكومة في انتظار تمريره على المجلس الوزاري ومن ثم إلى مجلس نواب الشعب».

الضمان الاجتماعي …خطوة أولى

تركّز عمل المعهد منذ سنة 2015 إلى حد الآن على تكوين شبكات متخصصة في مجال حماية اللاجئين وطالبي اللجوء، منها الإعلاميون والمجتمع المدني وإطارات وكوادر الوزارات المعنية بقضايا اللجوء، وذلك لتسهيل وضع خدمات عملية في انتظار مصادقة الدولة التونسية على القانون. في هذا السياق توضح الحبشي بالقول: «قمنا بعمل كبير مع وزارة الشؤون الاجتماعية من خلال الإعداد لتنظيم جملة من الدورات التدريبية واللقاءات وورش التفكير معهم. ونتج عن ذلك قرار هام يتمثل في تمتع اللاجئين في تونس بكل الخدمات في منظومة الضمان الاجتماعي في البلاد. وهو لم يبق مجرد قرار فقط وانما نفذ وفُعّل في جوان 2020 حيث تحصّل أول لاجئ على بطاقة الضمان الاجتماعي. ونحن الآن نشتغل على 6 ملفات للاجئين في تونس من أجل التمتع بهذه الوثيقة الهامة. فالحصول على الضمان الاجتماعي يجعلهم يتمتعون بدفتر علاج والذي يخولهم الحصول على الخدمات الصحية كباقي المواطنين التونسيين. وهو يعتبر انجاز حقيقي في دولة ليس لديها قانون وطني لحماية اللاجئين، وخطوة أولى مهمة بالنسبة للتشغيل الذي يبقى المعضلة الكبرى التي تجابه اللاجئين واللاجئات وطالبي اللجوء الذين لم يختاروا ان يغادروا بلادهم طواعية، لكن كانت هناك أسباب حقيقية تهدد حياتهم فيضطرون إلى المغادرة خوفا من أي خطر حقيقي يمسّهم».
هناك عوامل عديدة تدفع باللاجئين إلى الهرب على غرار الصراعات والنزاعات المسلحة. فاللاجئ هو كل من خرج لخطر يهدّد حياته جراء نزاعات مسلحة أو جراء آرائه السياسة أو انتمائه لفئة اجتماعية معينة أو جنسه أو دينه. بذلك يجب التمييز بين اللاجئ وبين المهاجر الذي قرر ان يهاجر موطنه بإرادته وليس بضغط ما. والمهاجر أيضا هو الذي يغادر طوعا بصفة قانونية أو غير قانونية وهو كل شخص خرج من بلده بصفة طواعية لتحسين وضعيته الاقتصادية أو الاجتماعية. أما بالنسبة للاجئ فخروجه اضطراري خوفا من خطر يهدد حياته. وهناك مصطلح مهم متداول مؤخرا وهو الهجرة المختلطة ويعني بذلك الأشخاص الذين يخرجون في قوارب عبر طريق البحر أو الحدود البرية وبينهم من هم طالبو لجوء وآخرون مهاجرون غير نظاميين. والمنظمة الدولية للهجرة تعنى بحماية هؤلاء المهاجرين ومساعدتهم في الاندماج.
وتؤكد الحبشي بأن المعضلة الأهم التي تعترض هؤلاء اللاجئين هي الحصول على وثيقة مرجعية لتسهيل إجراءات حصولهم على موطن شغل في تونس. فاللاجئ عندما يخرج من بلاده أحيانا لا يحمل معه أوراقه الثبوتية. ومن ضمن الوثائق الهامة بطاقة إقامة وجواز سفر ساري المفعول. وتؤكد الحبشي بان هذه المشكلة اعترضتهم مع الأشقاء السوريين بسبب عدم وجود سفارة في تونس.

أهمية التوعية والإرشاد

لقد انخرطت هذه المنظمات التي تعنى باللاجئين في عمل دؤوب من أجل تغيير الخطاب العدائي المجتمعي صوبهم. ففي الأعوام الأخيرة كان اللاجئ مرادف للخوف أو الجريمة وغير ذلك. وتؤكد الحبشي بأن هناك عملا كبيرا قام به المعهد مع شركائه نحو التوعية والإرشاد. وتوضح بالقول: «قمنا بإعداد العديد من الومضات التوعوية للتعريف باللاجئين وضرورة ادماجهم في المجتمع التونسي لانهم ليسوا من المنافسين للمواطنين المحليين. فقد جاؤوا إلى تونس طلبا للحماية وهذا حقهم في القانون الدولي والإنساني. وكل دولة أمضت على الاتفاقيات الدولية الخاصة بقضايا اللجوء ملزمة بتقديم الحماية لهذه الفئات المستضعفة التي تعيش في هشاشة اقتصادية واجتماعية. ومع كورونا أصبحت الهشاشة مضاعفة وهو كذلك حال التونسيين بسب الظروف التي تمرّ بها البلاد. فعديد الشركات اضطرت إلى غلق مكاتبها وتصريف العديد من العمال وكان اللاجئون من ضمن الفئات التي تضررت كثيرا بهذه المسألة».
ودور المعهد هو العمل مع المؤسسات الحكومية لحماية اللاجئين وتوعية للرأي العام الوطني بضرورة العمل على ادماج اللاجئين على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وهناك عمل كبير من أجل إدراج اللاجئين في الخطة الوطنية للوقاية من فيروس كورونا. وتضيف: «المهم هو أننا لمسنا بعض النتائج فيما يتعلق بالاستفادة من منظومة الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية بنسب صغيرة. يعني هناك تجاوب من الحكومة التونسية بعد ان تلقى موظفوها ومسؤولوها العديد من الدورات التدريبية وعرفوا احتياجات الفئات الهشة، وكان لديهم خلط كبير بين المفاهيم وأصبحوا الآن ينظرون إلى طالبي اللجوء بمقاربة حقوقية. إضافة إلى ذلك قمنا بعمل كبير مع الإعلاميين والصحافيين من أجل تغيير الخطاب والمصطلحات التي تتعلق باللاجئين مثل تغيير مصطلح المهاجرين غير الشرعيين، إلى المهاجرين غير النظاميين وغيره».
وقالت: «لدينا بعض الأنشطة والخدمات المباشرة للاجئين من خلال وحدة المساعدة والإستشارة القانونية وهو هيكل جديد في إطار الشراكة بين مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مكتب تونس والمعهد العربي لحقوق الإنسان سنة 2017».
ويشار إلى أن وحدة المساعدة القانونية تؤمّن المرافقة والمساعدة القانونية للاجئين الذين لديهم مشاكل خاصة المتعلقة بالوثائق الإدارية. وتقوم هذه الوحدة التي لديها فروع في عدة ولايات بالنظر في الملفات. فهناك قرابة 450 ملف للاجئ وطالب لجوء لتونس لديهم ملفات عديدة تتعلق أساسا بالحصول على الجنسية التونسية وتسجيل الولادات. كما ان هذه الوحدة تقوم بالتدخل والمرافقة القانونية في حال حصول أي طارئ جزائي، وغير ذلك فإن الوحدة تهتم بالمشاكل المتعلقة بالأطفال القصّر غير المصحوبين وذلك مع قاضي الأسرة ومندوبي حماية الطفولة في تونس. وهناك العديد من المشاريع التي تستهدف ادماجهم في المراكز المخصصة لحماية الأطفال ليقع دعم وتثمين العمل والاستفادة من التجارب على مستوى عربي.
وعن طريقة دمج هؤلاء الأطفال واللاجئين تقول محدثتنا: «قدّم المعهد العربي خدمات لإدماج الأطفال اللاجئين في نوادي المواطنة وحقوق الإنسان بمشاركة أطفال نوادي المواطنة المحليون من خلال تنظيم جملة من الأنشطة في المسرح والرسم لتسهيل عملية ادماجهم في المجتمع التونسي وهي طريقة جيدة لقبول الآخر بالنسبة للتلاميذ المحليين».

مشروع ادماج اللاجئين

علاوة على ذلك، تعد جمعية «تامس» وهي الجمعية التونسية للتصرف والتوازن الاجتماعي شريكا هاما لتسهل ادماج اللاجئين وطالبي اللجوء في سوق الشغل عن طريق تشغيلهم في بعض المؤسسات الخاصة. وهناك دور كبير لبعض القيمين في المؤسسات الخاصة الذين يُشغّلون مجموعة من اللاجئين. وهنا يتكامل دور هذه المنظمات الحقوقية التونسية من أجل حصول اللاجئين على خدمات الضمان الاجتماعي. فعمل المعهد هو تكملة لعمل الشركاء لتسهيل ادماج اللاجئين في سوق الشغل. وتقول الحبشي: «هناك العديد من النقائص رغم الزوايا المضيئة، والمنظمة تعمل على توفير مشاريع صغرى للاجئين وطالبي اللجوء عن طريق الشركاء التونسيين، وهناك العديد من المشاريع التي نجحت مثل فتح المطاعم للاجئين السوريين، وهي تجارب ناجحة وتدر مردودا جيدا للاجئين السوريين وأصبحت تُشغّل أيضا مواطنين تونسيين. إضافة إلى دعم فتح ورش للخياطة للاجئات وكذلك تقديم منح صغيرة تدعم تطوير هذه المشاريع. وكذلك هناك اللاجئون من أفريقيا الصحراء الذين يشتغلون في مجال التجميل والخياطة وبعضهم يشتغل في قطاع البناء. وأغلب المشاريع التي يعمل بها اللاجئون في تونس هي في إطار الخدمات العامة». وتسرد محدثتنا بعض قصص النجاح مثل قيام لاجئ سوري بفتح معمل للنسيج وقام بتطويره ليشغّل عددا من التونسيين. والبعض الآخر يشتغل في مناطق الشمال الغربي في مجال تربية الماعز وصناعة الجبن المحلي. وفي الحقيقة هناك مجموعة كبيرة منهم تعاني من عدم ادماجهم في السوق المحلية لغياب إجراءات قانونية.
وتتابع: «في تونس لاحظنا تضامنا كبيرا مع الأشقاء العرب والسوريين واليمنيين وكل ناطق بالعربية، ولكن لا نجد التضامن نفسه مع من لا يتقن اللغة العربية خاصة من ساحل العاج والذين باتوا القسم الأكبر من اللاجئين، ويأتي بعدهم في المرتبة الثانية الأخوة من سوريا ونسبة قليلة من اليمن والعراق وبعض الجنسيات الأخرى».
واليوم هناك 7400 لاجئ وطالب لجوء في تونس في حين ان الرقم في سنة 2015 كان فقط 500 لاجئ. فقد تضاعف كثيرا وهذا يجعل تونس أمام جملة من التحديات وأهمها ضرورة وضع إطار قانوني للاجئين وتوضيح رؤية الحكومة ومقاربتها لوضع حلول حقيقية. فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مكتب تونس مهمتها الأساسية هي مساعدة الحكومة على تقديم الحماية للاجئين وطالبي اللجوء لكن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة لأنه أمر سيادي وهي مطالبة بتطبيق التزاماتها الدولية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية