بما أن الرواية تتوزع ضمن مسافة زمنية، ومكان ليس واحداً، فلا بد أنها تعتمد جملة مرتكزات، تتقاسمها، سواء أكانت عناوين موزعة في فصول، أو أقساماً، أو مرقَّمة، دون تسمية…الخ.
لهذا يمكن أن نتعرف في الرواية على تنوع كبير في البناء الفهرسي.
مثلاً، لا يخفي الروائي الألماني توماس مان ولعَه بالفصول وعناوينها في التنوع والدلالة الخاصين به، أي ما يبقي الفهرس معلوماً باسمه وموقعه وخاصية الاهتداء فيه، كما في «الجبل السحري»، ترجمة علي عبد الأمير صالح، منشورات الجمل، بيروت- بغداد، 2010، من خلال تعدُّدية الفصول وعناوينها المفصحة عنها: «الفصل الأول: الوصول، في المطعم – الفصل السابع: عند محيط الزمن، مينهير بيبركورن، مينهير بيبركورن، تتمة مينهير بيبركورن: خاتمة – عناوين فرعية، الإله العظيم انقباض، الحد الأقصى من تآلف الألحان، وأخيراً: مشكوك فيه بدرجة شديدة.
هذا التقسيم في جسد الفهرس يحفّز الناقد على القيام بعملية تحرّ في الرؤية الإبداعية لديه، والصيغة الحسابية، فالممارسة الهندسية في هذا الطاقم المدني المركَّب للرواية، ونوعية وشائج القربى بين فصل وآخر، والقيمة الممنوحة لكل فصل، وما يندرج في نطاق كل فقرة.
الروائي الياباني ياسوناري كاواباتا، مثلاً، في روايته ذات الصيت «الجميلات النائمات»، ترجمة ماري طوق، دار الآداب، ط2، 2009، يعتمد على الترقيم، وهي الرواية التي تمنَّى غابرييل غارسيا ماركيز أن يكون كاتبها من بين الروايات الأخرى. ومثلها روايته «بلد الثلوج»، ترجمة بسام حجار، دار الفارابي، بيروت، 1983، لكنه في روايته الأخرى «العاصمة القديمة» ترجمة صلاح نيازي، دار المدى، دمشق، 1999، ينطلق من أسماء تسمي فصوله: «أزهار الربيع – صومعة الدير والباب المشبّك – مهرجان كيون.. ذلك يحفّز الباحث الفهرسي على مكاشفة هذا التنوع، وما الذي كان يحضر في واعيته وحتى خافيته، وهو في هذا الانتقال من صيغة إلى أخرى، وأي قيمة كان يعطيها للفهرس بتنوعه ذاك.
ويمكن تلمُّس حكمة في الترقيم، كإقامة فهرسية من نوع آخر في أعمال الكاتب، كما الحال مع الطاهر بن جلون، مع فارق محتوى الترقيم، والقيمة الأدائية والرمزية لكل مشهد مرقَّم، فهو في روايته « نزل المساكين»، ترجمة يوسف شلب الشام، منشورات ورد، دمشق، 2000، يعتمد ترقيمات متلاحقة، أو «39 مشهداً» وفي «223 صفحة»، بدءاً من الأول ومستهله (لطالما فتشتُ عن الحجر الأسود الذي يطهّر روح الموت..ص 7)، مروراً بـ»البلد»، ترجمة: عبدالكريم الجويطي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2010، حيث المشاهد أقل 15( مشهداً) سوى أن المساحة أكبر (247 صفحة)، أما روايته الأخرى والسّيرية « حين تترنح ذاكرة أمي»، ترجمة رشيد بنحدو، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 2011، فهي مرقمة بدورها، وتقع في 37 مشهداً، والمساحة الورقية 261 صفحة.. الخ.
رغم عدم التذكير بالفهرس، يبقى الأخير قائماً، ودونه لا يكون الكتاب أصلاً، ولا بد أن حيلة الكاتب فيما يلجأ إليه تحفّز فيه إرادة المتخيل لينوّع، حتى لو في إطار الشكل أحياناً، إلى جانب أن هذا الإغفال للفهرس في بعض الحالات متعمَّد، إذ يدَع القارىء وشأنه البحثي أو القرائي.
ولكن، كيف هو وضع الفهرس في اعتبارات الروائي والناقد السوري نبيل سليمان، أعني بالنسبة إلى كيفية تصريفه روائياً؟ ربما الإشارة إلى بعض العناوين تضيء هذا الجانب:
من خلال خبرته في الكتابة، يدرك سليمان جيداً ما يكون الدور الفهرسي، أو مهمة الفهرس، حيث إن المزيد من التنويع يحفّز رغبة بحثية لمكاشفة المسوّغ ومدى جدّية الإجراء. في روايته « السجن»، دار الفارابي، بيروت، ط3، 1982، ثمة فصول ثلاثة تتقاسم الرواية، وترقيمات، مع نجمات فاصلة أحياناً، لا بد أنها تمثّل المسافة المؤازرة على تبين العلاقة بين السابق واللاحق، والمعنى المتشكل من خلال كل مشهد أو سردية جزئية.
في روايته «درج الليل.. درج النهار»، دار الحوار، اللاذقية، 2005، ثمة استهلال، وأقسام وفصول إلى جانب عناوين لا تتستر على شعرية المتخيل فيها: عندما أصاب المس عقد المرجان وربيع شلال – زيارة المروّجة المحجبة – ختن القلوب… حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور…الخ، مع فواصل نجمات… في روايته «في غيابها»، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2009، ثمة الاستهلال، وعناوين متسلسلة: المطار- من مغارة إلى مغارة – الكسر والجبر كأنه سبات، كأنها أحلام أو كوابيس – عناوين مدريد… في أرقام من 1- 6.
هذه الإشارات لا تعدو أن تكون تعبيراً عن مدى توظيف الوارد الفهرسي في التخطيط لجغرافية النص الروائي، وبشكل آخر، إن الفهرس القائم هنا، أو وإن لم يُسمَّ باسمه، فالنص يسمّيه، كي يعرَف به، ويمارس دوراً تعريفياً بالجانب الحقوقي المعتمد من جهة الروائي، حيث إن دارساً للنصوص الأدبية، من خلال هذه النقطة (الفهرس) يمكنه أن يتعقب كيفية توضع أعمدة الفهرس في جهات مختلفة من روايته هذه أو تلك، والمسافة الفاصلة بين مشهد وآخر، ودلالة العنوان الفرعي، أو النجمة الفاصلة، أو الفصل المعنون أو بدون عنوان. ذلك إن الكتابة لا تترَك دون ممارسة هندسية وقانونية مقدَّرة، تبعاً للحمولة الدلالية، وقوة النقطة المثارة، أو عمق الرهان عليها أو سواها، ليكون للعنوان كل هذا الأزر والوزر في آن، إنما مرآته المركَّبة في الكشف، أي ماالذي نشّط في واعيته وحتى خافيته هذا الإجراء في التنويع، ومدى معايشته لمغزاه.
ولو أننا توقفنا قليلاً مع نماذج روائية للكاتبة التركية أليف شفق، نلاحظ تنويعاً في هذا المقام. ففي روايتها «الفتى الميتم والمعلّم»، ترجمة: د. محمد درويش، الآداب، بيروت، 2015، ثمة اعتماد على فراغات وشكل منمنماتي يتخللها أحياناً، إلى جانب تكرار صورة الفيل، ومن ثم عناوين» ما قبل المعلم – الحكاية التي رواها المروض للأميرة – ما بعد المعلم. ومذكراتها ذات الطابع الروائي»حليب أسود»، ترجمة أحمد العلي، دار مسكيلياني، تونس، 2016، حيث تتداخل إشارات وتوضيحات وفصول وعناوين، مثل شاطفة الأواني، المحظوظة – الفصل الأول: ما قبل الزواج، علامات، البداية دوماً كوب شاي، أخت موهوبة، المزيد من الشاي، في مديح الذاتية، عندما ابتسم البازار الكبير، الأنثوية كحكاية ناقصة… وفي رواية ثالثة، ذات طابع مختلف في المعالجة والبناء الدراميين، «شرف»، ج1، ترجمة د. محمد درويش، الآداب، 2013 ، وج2، 2014، ثمة تركيز على تنوعات إثنية كردية وتركية وغيرهما، ومن خلال أسماء تشكّل أعمدة الفهرس (مثل مكعبات سكر- قرية على مقربة من نهر الفرات – اسكندر- العنصرية والمهلبية- الحسناء والوحش…)، وفي الجزء الثاني أسماء أمكنة، عواصم وتواريخ (الجزء المفقود، لندن، كانون الثاني 1978، الساعة، أبو ظبي، آذار 1982، حلم داخل حلم، منطقة على مقربة من نهر الفرات، أيار 1999…الخ)، حيث إن مناخ الرواية مغاير بأكثر من معنى لروايات أخرى، كما في الحديث عن القرية السالفة الذكر: (كانت قرية كردية نائية كالحة، تخلو من الطرقات والكهرباء، ولا أثر فيها لمدرسة أو لطبيب . ص 20 ). وهو إفصاح عن معاينة وتفاعل مع بيئة مدرَكة من قبلها، ليكون هذا الناظم الفهرسي إسهاماً في إضاءة ما لعلم معقَّد اجتماعياً وإنسانياً، إلا أن تدقيقاً مركَّزاً في الإنشاء السردي للرواية، وبدءاً من مقدمة المترجم، يفصح عن تسطيح للواقع، فالمترجم العراقي، يشير إلى «الأقلية الكردية، وسلبية عاداتها وأعرافها» دون السؤال عن زيف هذا التعبير، وخلفيته السياسي. وربما ينطبق ذلك على الروائية نفسها واهتمامها بالمهمشين والطابع الإيديولوجي لهذا القول، وما إذا كانت حقاً في مستوى الوعي الفعلي للجاري، وبدءاً من الاسم اللغز «بمبي» الفتاة الصغيرة، والتي تكبر وتنضج وتستمر إلى نهاية الجزء الثاني، والمعنى»اللون الوردي»، ولا أدري من أين جاءت بهذا الاسم المحسوب على « التركية « إجمالاً، وفي ذلك يقال الكثير.
وهكذا هو الحال مع روايتها الشهيرة «قواعد العشق الأربعون: رواية عن جلال الدين الرومي»، ترجمة: خالد الجبيلي، طوى، إذ إن العناوين لها مسار آخر، تناسباً مع بدعة الرواية بالذات، كما في «استهلال- إيلا» وهذا الاسم يتكرر: الكفر الحلو، رواية أ. ز. زاهارا – 1- الأرض الشياء التي تكون صلبة متشربة وساكنة- حسن الشحاد – البغي وردة الصحراء – المتعصب – حسام التلميذ – وردة الصحراء…الخ. عناوين تستمد مسوّغ وجودها من تاريخ يتعدى حدوده الزمكانية من خلال المستلهَم منه، حيث تشمخ قامة جلال الدين الرومي، ولا بد أن الذي يتوقف عند هذه العناوين والحديث عما كان عليه عصر الرومي»قبل ثمانية قرون» كما تسعى الروائية وهي بإهابة المؤرخة، وهي صنعتها: حرفتها، وما يكون عليه عصرنا، وما يترتب على هذا «الإحياء» الرمزي من إثراء للمعنى، وقابلية للمناقشة بالمقابل، لصالح الفهرس.