بسام أبو شريف في «السمك المالح»: ياسر عرفات قضى اغتيالا بسمّ الثاليوم وتبعه شارون

سمير ناصيف
حجم الخط
0

بين أحد الأسئلة الشديدة الأهمية التي تُطرح لدى تقييم المعلومات والمراجع بالنسبة لما ورَدَ ويردُ حول فلسطين والقضية الفلسطينية، وما حدث في السنوات والعقود الماضية، هو السؤال حول مصداقية المعلومات التي نقرأها أو نشاهدها تلفزيونياً أو عبر المنصات الإلكترونية أو المصادر الأخرى.
فهناك المحللون الأكاديميون الذين يعتمدون الأبحاث الدقيقة والمصادر التاريخية المفيدة جداً، وهناك أيضاً الشخصيات التي عاشت الأحداث بشكل مباشر، وفي بعض الأحيان دفعت ثمناً بسبب مواقفها الملتزمة السابقة والحالية في كشف الحقائق حول ما قد اختبرته شخصياً ومن خلال دورها السياسي المباشر.
بسام أبو شريف، القيادي السابق في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والمعاون والمستشار السابق للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (في المراحل الأخيرة من حياته) قرر كشف كل ما يمتلكه من معلومات عن هذه الشؤون في كتاب بعنوان «السمك المالح».
وبما انه من الصنف الثاني من المحللين والكاشفين عن الوقائع، فمن السذاجة عدم الأخذ بما ورد في الكتاب بجدية إلى حد كبير وتجاهل بعض المعلومات الدقيقة التي وردت فيه.
والجدير بالذكر ان الكاتب تعرّضَ لعملية اغتيال من جانب الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية «الموساد» في إحدى مراحل حياته بواسطة طرد ملغوم أدى إلى فقدانه أطرافاً من أصابعه وقدرته على تحركات جسدية أخرى، مما يؤكد بأن الاستخبارات الإسرائيلية كانت تعتبره طرفاً خطيراً، فيما رأى فيه الرئيس عرفات عكس ذلك وأطمأن إليه في كثير من أسراره تعبيراً عن ثقته فيه.
وبسبب ثقافة بسام أبو شريف المتقدمة الانكلوساكسونية واتصالاته بشخصيات أمريكية أمنية وصداقاته مع قيادات في المقاومة الفلسطينية على مستويات عالية، يجب عدم تجاهل ما ورَدَ في الكتاب، ويجب في الوقت عينه الحذر من «بعض» استنتاجاته المستندة (في بعض الأحيان) فقط إلى معلوماته الشخصية الملتزمة بمواقفه الخاصة.


يؤكد بسام أبو شريف في الكتاب أن الرئيس ياسر عرفات قضى اغتيالاً بسمّ الثاليوم الذي تستخدمه الاستخبارات الإسرائيلية، وقد تم ذلك خلال حصار إسرائيل لمقر القيادة الفلسطينية في رام الله عام 2002 وان آرييل شارون، الذي أشرف على تنظيم هذه العملية قضى بالسم نفسه لكونه تجاوزَ أوامر وتعليمات الدولة الأمريكية العميقة بعدم اغتيال عرفات وبتقليص صلاحياته السياسية والأمنية فقط وتعزيز صلاحيات خليفته الرئيس الحالي للسلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) لدى فرض تعيين عباس رئيساً للحكومة وممسكاً بالقرار الفلسطيني الرسمي.
أما من الأمور الهامة الأخرى في هذا الكتاب، فلعله ما ورَدَ في الفصل العاشر منه بأن المسؤول الأمني الفلسطيني (الذي اغتيل) علي حسن سلامة (أبو حسن)، زوج ملكة جمال العالم السابقة جورجينا رزق، كان ينسق علاقة قيادة «منظمة التحرير الفلسطينية» مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» في المنطقة وقائدها روبرت آيمز، وان آيمز اعتنق مشروعاً ومساراً أمريكياً مخالفاً لموقف الوزير الأمريكي الكسندر هيغ، وزير الخارجية في إدارة رونالد ريغان، الذي كان على اتفاق مع آرييل شارون بالنسبة لغزو إسرائيل للبنان في عام 1982 وتطوراته.
والمهم في هذا الموضوع وفي ما ورد في الكتاب ان روبرت آيمز الذي قُتل في هجوم تم على السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983 كان ينسق في مواقفه مع زوجة رونالد ريغان، السيدة الأولى نانسي، وانه بعد تجاوز شارون لما اتفق عليه مع ريغان أُقيل الكسندر هيغ من وزارة الخارجية الأمريكية وعّين مكانه جورج شولتز. ولكن، بعد مقتل روبرت آيمز في تفجير سفارة أمريكا في بيروت، تعززت مواقف شارون وحلفائه في لبنان إلى أن تعرضت مراكز المارينز في لبنان إلى تفجيرات أخرى بعد ذلك وفشلت مشاريع أمريكا وإسرائيل في البلد إلى حد كبير.
ومن الأمور التي وردت في الكتاب والتي يقول أبو شريف أنه كانت لديه معلومات مباشرة حولها ان مصادر القوات اللبنانية الكتائبية، بقيادة الرئيس الراحل بشير الجميل، حاولت تنبيه أبو حسن سلامة إلى انه سيتعرض لعملية اغتيال عبر رسالة وصلت إليه متأخرة، وان مخبراً للقيادة الفلسطينية في مكتب قيادة «القوات اللبنانية» حاول إرسال مثل تلك الرسالة ولكنها وصلت متأخرة ولم تنقذه من القتل. وتم اغتيال أبو حسن بواسطة مجموعة نظمتها الموساد، وشاركت فيها جماعة من يهود لبنان السابقين الذين عادوا إلى لبنان تحت أسماء مستعارة وقادتهم عاملة في الموساد.
ويؤكد الكاتب ان قيادة منظمة التحرير لم تستمع إلى إشارات ورسائل أتت من مخبرين لبنانيين وأمريكيين حول عمليات كانت ستجري ضد قيادات في المنظمة، وبينها رسالة من مخبر في مكتب بشير الجميل أبلغه بأن غزو شارون للبنان (عام 1982) لن يتوقف عند نهر الليطاني كما تعهد شارون إلى الرئيس ريغان بل سيستمر وسيصل إلى بيروت. ويقول أبو شريف انه اختلف مع قيادة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» عندما أبلغها بما ورَدَ إليه من معلومات ولكنها لم تقبل معلوماته بل أصدرت قرارات سلبية تجاهه دفعته إلى نقل معلوماته إلى الرئيس عرفات الذي كان أكثر إيجابية في هذا المجال. ومنذ ذلك الحين، أصبح الكاتب مستشاراً لعرفات، كما أشار انه ولالتزامه بالدفاع عن ما يؤمن به، أبلغ قيادات الاستخبارات السورية في لبنان بما ورد إليه حول نيات آرييل شارون الوصول إلى بيروت وكانت تلك القيادات إيجابية في تلقي معلوماته.
ويؤكد أبو شريف انه حاول إنذار الرئيس عرفات بما حصل عليه من مخبرين أصدقاء له في القيادة الأمريكية بان قيادة شارون الإسرائيلية تنوي اغتياله بواسطة سم الثاليوم، وانه يتوجب على عرفات عدم تناول الطعام والشراب إلا من أيدٍ يثق بها مئة في المئة، ولكن المجموعات المحيطة بالرئيس في مقره في رام الله (والقيادات العربية عموماً) لم تكن تكترث بالفعل إذا كان عرفات سيبقى قائداً أو عكس ذلك لفلسطين وخصوصاً بعد رفض إسرائيل قرارات القمة العربية في لبنان عام 2002. فالرئيس جورج بوش الابن كان يهمه موقف المملكة العربية السعودية أولاً وليس موقف الفلسطينيين وقياداتهم.
ويوضح أبو شريف أن القيادة السورية استقبلت القيادات الفلسطينية التي غادرت لبنان بعد الغزو الإسرائيلي للبلد في عام 1982 ولكنها لم ترغب باستقبال الرئيس عرفات الذي اضطر إلى السفر إلى قبرص ثم عاد إلى طرابلس (لبنان) وغادر بعدها إلى مصر.
ويؤكد المؤلف ان علي حسن سلامة كان خبيراً ضالعاً في الممارسات الاستخبارية وان روبرت آيمز (مسؤول السي.اي.اي) غضب كثيراً من المصير الذي لقيه على أيدي الاستخبارات الإسرائيلية، لكنه وبدوره لقي مصيراً مشابهاً على أيدي مفجري السفارة الأمريكية في بيروت ولأسباب أخرى، ويشير أبو شريف إلى ان علي حسن سلامة كان يتفاوض مع روبرت آيمز حول ما يمكن أن تقبله القيادة الفلسطينية بالنسبة إلى التوصل لحلٍ عادل للقضية الفلسطينية. ولكن هذا الأمر (وخصوصاً إنشاء الدولة الفلسطينية) كان مرفوضاً من جميع القيادات الإسرائيلية، وفي طليعتها الليكود (ص267).
كما ان الكاتب يشير إلى أن المجموعات المحافظة في الولايات المتحدة التي كانت تقود حملة ريغان للوصول إلى الرئاسة في أواخر السبعينيات طلبت من عرفات (عبر ابي حسن) عدم التوسط للأفراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران لئلا يستخدم جيمي كارتر هذا الإنجاز للفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1980 وقد فاز ريغان عليه بعد الإفراج عنهم لاحقاً.
ويشير المؤلف أن مدير تحرير مجلة «تايم» الأمريكية وفي لقاء مع عرفات في شقته في بيروت أوضح بشكل غير مباشر أن ريغان يفضل أن تجابه المقاومة الفلسطينية شارون ولا تستسلم لمشاريعه لكونه خالف اتفاقه معها. كما انه يقول ان آيمز استعاد نفوذه بعد إقالة الكسندر هيغ من وزارة الخارجية وتعيين جورج شولتز مكانه وانه (بدعم من نانسي ريغان زوجة الرئيس) كان سيطرح مبادرة مفيدة للسلام في الشرق الأوسط مما أغضب القيادات الإسرائيلية كثيراً. علماً أن آيمز (كما ذُكر) قُتِل في تفجير السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983 (ص 273).
في الفصل (15) يوضح أبو شريف انه فوجئ بأن الرئيس عرفات كانت لديه مصادر معلومات مباشرة من البيت الأبيض عن مشاريع اغتيال مُعدة له من قبل الاستخبارات الإسرائيلية وبينها قتله لدى سفره جواً لحضور مؤتمرات في البرلمان الأوروبي أو في الأردن لحضور مؤتمر القمة العربية وان الرؤساء العرب، وبينهم الرئيس حسني مبارك والرئيس صدام حسين وفّروا له طائرات عسكرية خاصة للتنقل (ص 312 ـ 313) ولكن، وفي مناسبات أخرى فُشلت محاولات إسرائيل لاغتياله بسبب الصدفة والعناية الإلهية. ويؤكد أيضاً أن عرفات تسلم معلومة استخباراتية بان خليل الوزير (أبو جهاد) سيتم اغتياله في تونس، ونبهه حول هذا الأمر وطلب منه مغادرة تونس، ولكن الوزير تأخر في اتخاذ الخطوة، وكان المشهد مؤثراً عندما تبلّغَ عرفات وأبو أياد وأبو شريف خبر اغتيال الوزير وهم في فندق في الدوحة (قطر).
وفي الفصل نفسه (الفصل 15) يشير المؤلف إلى أن شارون حاول خلق خلافات داخلية في القيادة الفلسطينية بين عرفات، من جهة، ومحمود عباس (أبو مازن) ومحمد دحلان، من جهة أخرى، واختلفت القيادة الإسرائيلية حول إذا كانت ستحاول سحب صلاحيات عرفات الأمنية والاقتصادية أو ستتخلص منه جسديا،ً وكان شارون يُفضل الخيار الثاني (ص 319 ـ 320) فيما كان محمود عباس، يفضل التريث في أي مواجهات أو قرارات سلبية تجاه عرفات. وعندما حوصر عرفات في مقره في رام الله، يقول أبو شريف، صَمَتت القيادات الفلسطينية عموماً والعربية ولكن أصوات الجماهير العربية والفلسطينية المتجمعة ارتفعت عبر الطناجر والطبول طوال فترة الحصار (ص 322).
ويحاول الكاتب إدانة صمت حكام العالم العربي لدى محاصرة عرفات في مقره. كما يدين صمت وتخاذل القيادات الأوروبية وتواطؤ القيادة الأمريكية واقتصار المواقف على عدم قتل عرفات جسدياً، فيما كان شارون قرر اغتيال عرفات (حسب المؤلف) منذ عام الألفين، ولكنه حاول فعل ذلك بطريقة خبيثة ومتخفية خسيسة. أما عرفات فكان مدركاً (حسب ما قاله أبو شريف) ان الأمريكيين والإسرائيليين يريدون بدائل عنه (ص 354).
في الفصل 17 بعنوان «الجريمة البشعة» يورد المؤلف تفاصيل جريمة اغتيال عرفات ويقول في الصفحة (433) «كنت متأكداً بأن معلوماتي حول محاولات كانت ستجري لاغتياله بواسطة السمّ صحيحة. ومثلما حاول البعض ثنيه عن قراره الخروج من فلسطين منعاً لاغتياله، فهؤلاء عملوا على تهميش المعلومات التي أرسلتها إليه والتي وصلتني من مخبرين في واشنطن بان السم سيتم دسه له في طعامه أو شرابه. وقد أكد ليّ طبيبه شريف الكردي (رحمه الله) بان عرفات مات مسموماً. أما أنا فعانيت الكثير بسبب ما أعلنته عن أن الرئيس عرفات اغتيل بالسم وليس بسبب مرضه كما قال البعض. كما طالبت الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بكشف تفاصيل التقرير الطبي حول وفاته الذي بقي طي الكتمان. ولكن شيراك، بالاتفاق مع الرئيس حسني مبارك اتفقا على طمس الحقيقة خشية من ردود الفعل فيما نبشت الجثة بعد سبع سنوات وقيل ان البولونيوم وليس الثاليوم كان وراء تسميمه لأن الثاليوم تستخدمه فقط إسرائيل فيما البولونيوم استخدمته دول أخرى (بينها روسيا)». ويضيف الكاتب أنه بعد اغتيال عرفات، بدأت عوارض التسميم تظهر على شارون تبعتها جلطة دماغية ثم وفاة بعد سنوات.
وكان مخبر في البيت الأبيض أبلغه (حسب قول المؤلف) بأن «العجوزين سيتم التخلص منهما، وفهمتُ منه انه يقصد عرفات وشارون» (ص 415). ويُلمح بان وراء هذا المشروع شخصيات نافذة وثرية جداً بين الصهاينة الأمريكيين، وفي طليعتهم شيلدون اديلسون (توفي مؤخراً) وزوجته المولودة في حيفا مريم (ص 439) وهما داعمان لبنيامين نتنياهو ودونالد ترامب مالياً ومادياً وسياسياً، أو من أوامر أتت من جهات في الدولة الأمريكية العميقة.
بسام أبو شريف: «السمَك المالح»
بيسان للنشر والتوزيع، لبنان 2021
544 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية