تونس والهوة التي تزداد اتساعا بين الفرقاء السياسيين

روعة قاسم
حجم الخط
0

حسم الرئيس أمره في خطابه أمام ضريح الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة متحدثا بلغة شديدة اللهجة بأنه لا مجال لأي حوار وطني مع خصومه وعلى رأسهم حركة النهضة.

تونس-»القدس العربي»: ما زالت الأزمة السياسية في تونس تراوح مكانها منذ أن قام رئيس الحكومة هشام المشيشي بتعديل وزاري لم يرض رئيس الجمهورية الذي خسر وزراءه في هذا التعديل فرفض استقبال الوزراء الجدد في قصر قرطاج لأداء اليمين الدستورية. ومنذ ذلك التاريخ والبلد في شلل تام رغم محاولات الحلحلة من هنا وهناك والتي تأتي بالأساس من الاتحاد العام التونسي للشغل وبعض المنظمات الوطنية و»القوى الخيرة في البلاد».
ولعل الرسالة الأخيرة التي بعث بها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي مفسرا من خلالها أسباب رفضه للتعديلات التي أقرها مجلس النواب على قانون المحكمة الدستورية، وامتناعه عن ختم مشروع القانون المتعلق بها ورده مجددا إلى البرلمان، تزيد الطين بلة وتساهم في تعقيد الأزمة. فأي حل يمكن أن يحصل مستقبلا في ظل هذا التنافر بين أحد رأسي السلطة التنفيذية ورأس السلطة التشريعية؟ وهل يمكن إجراء حوار وطني ترعاه المنظمات الوطنية التونسية في ظل هذا المناخ المتعفن الذي تعيشه البلاد؟

مناورة سياسية

إن ماهو أكيد أن رئيس الجمهورية ومن خلال هذه الخطوة يرغب في احتكار تأويل الدستور في غياب المحكمة الدستورية العليا باعتباره رئيس الدولة ورمز وحدة التونسيين والمؤتمن على هذا الدستور. كما أن ساكن قرطاج وبهذه الخطوة، وحسب البعض، قد تصدى لمحاولة الإطاحة به من قبل الأطراف السياسية المساندة لحكومة هشام المشيشي والتي لمح البعض من المقربين منها لهذا الأمر في تصريحاتهم لوسائل الإعلام.
فالفصل 88 من الدستور التونسي الجديد يعطي الإمكانية لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب أن يبادروا بصياغة لائحة معلّلة لإعفاء رئيس الجمهورية من مهامه من أجل الخرق الجسيم للدستور شريطة الحصول على أغلبية الثلثين. وفي هذه الحالة يشترط أن تقع الإحالة على المحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها وعليها أن تحكم بالعزل في حال ثبوت الإدانة مما يؤدي إلى فقدان الرئيس لحق الترشح لأي انتخابات أخرى.
وبالتالي فإن وجود المحكمة الدستورية العليا هو شرط أساسي لسحب الثقة من رئيس الجمهورية من قبل البرلمان وفي غيابها لا يمكن للبرلمان ان يقوم بذلك بأي حال من الأحوال. كما أن وجود المحكمة الدستورية العليا ضروري إذا تعلق الأمر برغبة الرئيس في حل البرلمان وهو حق مشروط منحه الدستور إلى ساكن قرطاج في إطار مراقبة السلط لبعضها البعض. وبالتالي فإن بعض أنصار قيس سعيد الداعين إلى حل البرلمان فاتهم أنه لا يمكن القيام بذلك في غياب المحكمة الدستورية العليا أيضا.

اتهامات متبادلة

ويرى البعض أن التبريرات التي ساقها الرئيس لرفضه ختم مشروع التعديلات على قانون المحكمة الدستورية العليا مقنعة ووجيهة وتدخل في إطار صلاحياته الدستورية، فيما رأى فيها البعض الآخر مزيدا من التعطيل للحياة السياسية واستهدافا لاستقرار الخضراء. وبين هذا الطرف وذاك انقسم البلد وتشرذم وانصرف عن مشاكله الأساسية إلى استعراضات الساحات العامة والتنافس الحزبي حول من هو الأقدر على التعبئة في الشارع أكثر من غيره.
فمساندو قيس سعيد يعيبون على حركة النهضة تعطيلها للمحكمة الدستورية العليا طيلة السنوات الخمس الماضية، وحملوها المسؤولية دونا عن رئيس الجمهورية، خاصة وأنه كان من المفروض أن يتم إرساؤها في أجل عام من انتخابات سنة 2014. كما ساندوا ساكن قرطاج في رفضه التعديلات على قانون المحكمة الدستورية التي كانت ستخول للبرلمان انتخاب أعضاء المحكمة بـ 131 صوتا فقط وليس 145 كما كان الحال في السابق، ورأوا في ذلك مناورة من حركة النهضة تتيح لها اختيار الأعضاء اعتمادا على أغلبيتها البرلمانية المستمدة من تحالفاتها من حزبي قلب تونس وائتلاف الكرامة بالأساس.
بالمقابل ذهب أنصار حركة النهضة إلى اتهام رئيس الجمهورية قيس سعيد بالسعي نحو إطالة أمد الأزمة السياسية في البلاد لتحقيق مكاسب ذاتية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية. وذهب هؤلاء أيضا إلى اتهام ساكن قرطاج بمعاداة كل ما يصدر عن البرلمان الذي يناصبه سعيد العداء وهو الذي لا يؤمن بالظاهرة الحزبية من الأساس وبالبرلمانات المشكلة من الأحزاب السياسية.

الحوار الوطني

ولعل السؤال الذي يطرح اليوم هو ذلك المتعلق بالحوار الوطني، فهل ما زال مطروحا ويمكن جمع الفرقاء المعنيين به بعد هذا الرفض لختم مشروع قانون المحكمة الدستورية وتلك الرسالة «المخطوطة» التي بعث بها قيس سعيد إلى راشد الغنوشي، وبعد خطاب قيس سعيد الأخير أمام ضريح الزعيم الحبيب بورقيبة بمناسبة ذكرى وفاة الأخير؟
لقد ولد الحوار الوطني منذ البداية ميتا لأسباب عديدة لعل أهمها التردد الذي شاب الرئيس قيس سعيد حول إمكانية المشاركة فيه من عدمها ثم اشتراطه أن لا يشارك في هذا الحوار حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة مما جعل اليأس يدب في الأوصال. فلا يمكن لحوار وطني أن ينجح بإقصاء أي من الفرقاء السياسيين باعتبار وأن كل طرف له أنصاره الذين منحوه ثقتهم وله وزنه في الشارع حتى وإن لم يتفق رئيس الجمهورية مع هذا الطرف أو ذاك.
كما أن الحزب الدستوري الحر عبر منذ البداية عن مقاطعته لأي حوار وطني فيه حركة النهضة وهو ما يؤشر على أن مسار العدالة الانتقالية فشل فشلا ذريعا في تونس ولم تتحقق المصالحة المرجوة بعد كشف الحقائق والمحاسبة وتطهير أجهزة الدولة. فالأحقاد هي الطاغية اليوم بين أغلب العائلات السياسية الكبرى في تونس وكأن حربا أهلية حصلت على أرض الخضراء في عشريات سابقة خلفت كل هذا الكره للآخر والحقد عليه وهذه الرغبة الجامحة في سحقه.
ولعل ما زاد الطين بلة أن رئيس الجمهورية رفض الحوار الوطني في البداية ثم عاد ووافق عليه من دون أن يتم تحديد موعد له، وبقي الأمر معلقا لفترة طويلة حتى ذهب ظن الجميع إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل سيسحب مبادرته. لكن الرئيس عاد للحديث عن مبادرة شبابية مختلفة عن مبادرة الاتحاد الذي أكد على أنها ليست مبادرته، فرد الرئيس بأنها مبادرة أخرى غير مبادرة الاتحاد التي تبقى قائمة. وأخيرا حسم ساكن قرطاج أمره في خطابه أمام ضريح الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بمدينة المنستير متحدثا بلغة شديدة اللهجة بأنه لا مجال لأي حوار وطني مع خصومه وعلى رأسهم حركة النهضة.

مأزق حقيقي
ولعل السؤال الذي يطرح كيف ستخرج تونس من المأزق الذي وجدت نفسها فيه بعد أن اعتبر رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور أن المحكمة الدستورية لن تتشكل الآن باعتبارها لم تتشكل في الآجال القانونية، أي منذ خمس سنوات؟ هل ستبقى تونس من دون محكمة دستورية عليا تبت في دستورية القوانين وتفض النزاعات بين مختلف المؤسسات الدستورية وتولى صلاحيات أخرى هامة حددها دستور الجمهورية الثانية لسنة 2014؟
وكيف ستتم حلحلة الأوضاع في ظل حكومة معطلة لم يؤد وزراؤها الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية في قصر قرطاج بسبب رفض الرئيس استقبالهم؟ ألم يغلق ساكن قرطاج الباب على إمكانية إيجاد حل في المستقبل بعد أن رفض قطعيا المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالتعديلات التي أجريت على قانون المحكمة الدستورية العليا بسبب مضي الآجال الدستورية لتشكيل هذه المحكمة؟ ألم يصبح إجراء الحوار الوطني في حد ذاته ضربا من ضروب الخيال فما بالك بقدرة هذا الحوار على إيجاد حل للأزمة السياسية المستفحلة والمتسببة بدورها في أزمات بالجملة؟
يؤكد البعض على أن تأويل قيس سعيد للدستور ليس التأويل المثالي، وهناك قراءات أخرى مقنعة بالحجج ومختلفة على ما ذهب إليه قيس سعيد، ولا يعتبر تبنيها والعمل بها خروجا عن الدستور. لكن هذا الحل سيصطدم برفض من قيس سعيد الذي يبدو أنه شديد التعصب لقراءته ولا يقبل بسواها رغم أن الأوضاع تتطلب المرونة في التعامل وذلك لتأويل دستور كارثي واستثنائي بكل ما للكلمة من معنى في جزئه المتعلق بالنظام السياسي، وهو الذي صيغ من قبل هواة لم يطلعوا بما فيه الكفاية على التجارب المقارنة وتاريخية التحولات في الأنظمة السياسية للاستقادة من التجارب وعدم تكرار الأخطاء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية