ليس هكذا تُدار مفاوضات الهدف منها هو أن تحقق في أسابيع ما عجزت عنه في 10 سنوات. مفاوضات كينشاسا كان مصيرها الفشل في إيجاد حل للنزاع بين الأطراف الثلاثة مصر والسودان وأثيوبيا. ومع الفشل بدأت حرب التهديدات والتلويح بـ «الخيارات الأخرى». وما أسهل إطلاق التهديدات، لكنها تكون عديمة القيمة إذا لم يأخذها الطرف الآخر على محمل الجد، بسبب ضعف مصداقيتها. وتقاس المصداقية بالقدرات المادية الخشنة على الأرض، ومهارة الدبلوماسية، ومصادر القوة الناعمة الأخرى. ويمكن لمصر والسودان خلق تهديد حقيقي ذي مصداقية، إذا تحركت حشود عسكرية مصرية إلى السودان، ليس لضرب السد كما يريد جنرالات السوشيال ميديا، ولكن لتأكيد التعاون العسكري بين البلدين في إطار الاتفاق الموقع بينهما في الشهر الماضي، وتعزيز موقف السودان في نزاعه الحدودي مع أثيوبيا. ومن الممكن طلب انعقاد مجلس الأمن، ولكنك لكي تحصل على قرار ملزم، فإنك يجب أن تقوم بالتعبئة اللازمة، وأن تتحرك دبلوماسيا في واشنطن وموسكو وبكين ولندن وباريس، عواصم دول الفيتو العالمي، وكذلك في عواصم بقية أعضاء المجلس. في هذه الحالة يمكن أن تتحرك المفاوضات في الاتجاه الصحيح، بعيدا عن التعنت الأثيوبي ومناورات المراوغة وإضاعة الوقت، والإمعان في انتهاك القانون الدولي بادعاء حق السيادة على مجرى مائي تشترك فيه مع مصر والسودان.
أثيوبيا غيرت مسار المفاوضات
الجديد الآن هو أن أثيوبيا تقوم بتوسيع خزان السد من أجل استيعاب المرحلة الثانية. ومن المعروف أن طاقة التخزين في بحيرة سد النهضة تبلغ 74 مليار متر مكعب، وهي كمية تزيد عن حصة مصر والسودان سنويا من موارد النيل الأزرق بنحو 15 في المئة. الجديد كذلك هو أن أثيوبيا غيرت مسار المفاوضات، ورفعت سقف مطالبها، وهو ما أربك مصر والسودان، وذلك بأن طلبت مناقشة حصتها في مياه النيل الأزرق، وهو ما يعد تغييرا لقواعد اللعبة التفاوضية، من التفاوض بشأن إقامة سد لتوليد الكهرباء، إلى تفاوض من أجل إعادة تقسيم مياه النيل الأزرق. وليس جديدا أن تنجح الدبلوماسية الأثيوبية في تغيير مسار المفاوضات، فهي نجحت في أن تبدأ في إقامة السد بدون موافقة مصر والسودان، ونجحت في تنفيذ المرحلة الأولى لملء الخزان بدون موافقتهما أيضا، وفي كل من المرتين، لم تتحمل تكلفة سياسية أو اقتصادية ولم تدفع ثمنا لقراراتها المنفردة. وبمجرد أن أصبح السد حقيقة قائمة، نشأ على الفور خلاف على مدة ملء الخزان، وهل تكون 4 سنوات كما تريد أثيوبيا، أم 10 سنوات على الأقل كما تريد مصر. ونتيجة لوساطة البنك الدولي والحكومة الأمريكية في العام الماضي فقد تم الاتفاق على أن تصل مدة الملء إلى ما يتراوح بين 4 إلى 7 سنوات. الآن، وبعد فشل مفاوضات كينشاسا فإن عنوان الجولة التالية سيصبح تقسيم مياه النيل الأزرق، وليس سد النهضة!
وقد أوضحت جولة المفاوضات الأخيرة أن المفاوض الأثيوبي كان قادرا على التلاعب بوفدي المفاوضات المصري والسوداني كيفما يشاء، في ملعب مفتوح، يخرج منه ويعود إليه، ويضع للعبة القواعد التي يختارها، ويغيرها كيفما يشاء، مما جعل المفاوضين المصريين والسودانيين يبدون وكأنهم يرقصون على دقات طبوله. وبقدر ما أن هذه هي حقيقة مؤلمة للمواطنين في مصر والسودان، بقدر ما أصبح تغيير قواعد اللعبة ضرورة مُلِحّة. وليس لذلك علاقة بالصراخ حول «تغيير منهجية التفاوض» فقد فرضت أثيوبيا المنهجية التي تراها، وأثبتت أن باستطاعتها أن تغيرها كيفما تشاء، لأنها تقرن القول بالعمل ولو بالباطل. المطالبة بتغيير منهجية التفاوض يجب أن تكون إجراءات على الأرض، حق تسنده القوة. ويجب أن يثبت الداعون لتغيير منهجية التفاوض، أولا وقبل كل شيء، أن لديهم الإرادة السياسية والقدرات العملية، المادية والمعنوية، على جعل مطالبهم حقيقة واقعة، وليست مجرد معارك مع طواحين الهواء.
موقف مجلس الأمن
تغيير «منهجية» التفاوض التي يطالب بها السودان وتدعمه فيها مصر يقتصر على مجرد طلب وساطة رباعية دولية، أو بحسب صيغة تتماشى مع «الموضة» هي صيغة 3+1 بما لا يغضب الاتحاد الأفريقي، الذي سيحتفظ لنفسه بقيمة مستقلة هي 1 في كفة، بينما الـ 3 الثلاثة الآخرين وهم الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في الكفة الأخرى. إذا كان هذا هو المقصود بـ «تغيير المنهجية» فبئس الدعوة، لأن فهم «منهجية التفاوض» على أنه مجرد الدعوة للوساطة هو فهم قاصر. فمنهجية التفاوض ترتبط بتحديد مبررات المفاوضات، وموضوعاتها، وأطرافها، وأهدافها، ومرجعياتها القانونية، وآليات السعي لتحقيق اتفاق مقبول لأطرافها، وكيفية تنفيذ ومتابعة وتقييم الاتفاق التي يتم التوصل إليه، وآلية تسوية النزاعات المحتملة، والهيكل المؤسسي والإداري الذي يقوم بذلك، وآليات مراجعة الاتفاق وتعديله عند الضرورة، وغير ذلك مما تتطلبه اعتبارات المحافظة على مصالح أطراف الاتفاق. هذه هي مكونات «منهجية المفاوضات» ويتعين الاتفاق على خطوطها وترتيب تناولها تفاوضيا.
ويصطدم خيار الوساطة، أو خيار اللجوء إلى مجلس الأمن بعدد من العقبات التي من شأنها أن تقلل مدى فاعلية ومصداقية المفاوضات. العقبة الأولى بالنسبة لتيسير المفاوضات بصيغة 3-1-3 (الأطراف الثلاثة + الاتحاد الأفريقي + الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) تتمثل في أن الوساطة لا يتم فرضها بالقوة، ولذلك فإن الأطراف المدعوة للوساطة لن تقبل الدعوة ما لم يكن هناك إجماع على دورها، ووجود اتفاق مسبق على القبول بتوصيات الوسطاء. وهنا تصطدم الوساطة بحقيقة أن أثيوبيا تعلن صراحة أنها لا تقبل بأي طرف غير الاتحاد الأفريقي، انطلاقا من مبدأ «السعي لإيجاد حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية». ومن ثم فإن دعوة السودان للوسطاء، عبر الرسائل التي كتبها الدكتور عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان في الشهر الماضي، وجدت طريقها بسرعة إلى أدراج المكاتب وانتهت.
ويلوح وزيرا خارجية مصر والسودان حاليا بخيار «اللجوء إلى مجلس الأمن». ومن المدهش أن يصدر ذلك عن الوزيرين، بعد تجربة شكوى مصر إلى مجلس الأمن في ايار/مايو من العام الماضي، والتي انعقد مجلس الأمن لمناقشتها في حزيران/يونيو، ثم أصدر في نهاية المناقشات، التي حضرها مندوبون من مصر وأثيوبيا والسودان، بيانا وليس قرارا، يعيد فيه النزاع إلى الاتحاد الأفريقي. فماذا تغير منذ صدور بيان مجلس الأمن في حزيران/يونيو 2020 حتى الآن ليبرر عقد جلسة جديدة لمناقشة النزاع؟ فشلت مباحثات كينشاسا. نعم وهناك اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن الفشل، فهل سينعقد مجلس الأمن للتحقيق وتحديد الطرف المسؤول عن الفشل؟ ليس ذلك من مسؤولياته.
إن بيان مجلس الأمن مجلس الصادر في حزيران/يونيو الماضي، بناء على تقرير السفيرة روزماري دي كارلو وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، يقرر أن 90 في المئة من قضايا النزاع المرتبطة بالسد قد تم الاتفاق على حلول لها. وأن المسائل المعلقة هي الطابع القانوني للاتفاق، وآلية التحكيم لحل النزاعات، ونظام تشغيل السد في مواسم القحط الممتدة، وهو ما يحتاج للمزيد من المفاوضات بين أطراف النزاع برعاية الاتحاد الأفريقي. وأوضح البيان أن المنظمة الدولية مستعدة للوساطة بشرطين، الأول أن تقتصر مهمتها على تقديم المشورة الفنية وتيسير المفاوضات، والثاني شرط قبول الأطراف الثلاثة بالوساطة.
تهديد الأمن والسلم الدوليين
ومن الواضح أن قبول مجلس الأمن لطلب جديد للتدخل في النزاع يحتاج حدوث تطورات جديدة على الأرض من شأنها تهديد الأمن والسلم في المنطقة والعالم، وهو ما ألمح إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وإذا كانت مصر والسودان تريدان تدخل مجلس الأمن فإن عليهما البدء فورا في حملة دبلوماسية مكثفة للحصول على تأييد الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في المجلس، والدول الأخرى الأعضاء. ومن الغريب أن يلوح البلدان بالتوجه إلى مجلس الأمن بدون ضمان تأييد الدول صاحبة حق الفيتو، وأن يكتفي وزيرا الخارجية بإصدار تصريحات إعلامية، بينما كان يتوجب أولا الاجتماع مع سفراء الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن في القاهرة والخرطوم، لاحاطتهم علما بمبررات خطورة الموقف، وأن تسافر وفود من مصر والسودان إلى عواصم تلك الدول لإدارة حملة ضغط عالمية ملائمة.
إذا أرادت مصر والسودان خلق موقف جديد بشأن النزاع، فإن عليهما أن تبلغا دول الفيتو أنهما ستزيدان وجودهما العسكري حول الحدود الأثيوبية في إطار الاتفاق الدفاعي بينهما، وأن تقوم مصر بتكثيف نشاطها الجوي في قاعدة رأس بناس العسكرية، وأن ترسل طائراتها لتنفيذ طلعات استطلاع جوي على جنوب الساحل الغربي للبحر الأحمر، وأن تسعى للحصول على تسهيلات بحرية في إريتريا، وأن تقوم بتحريك غواصة أو اثنتين من غواصاتها إلى جنوب البحر الأحمر، بصحبة مجموعة قتالية بحرية للقيام بمناورات هناك. إن مثل هذه التحركات أو بعضها ستعزز مصداقية التهديدات، وتجعل أثيوبيا تفكر مرتين قبل البدء في الملء الثاني لخزان سد النهضة بدون اتفاق ملزم قانونا.
وقد ظهر خلال مفاوضات كينشاسا أن الولايات المتحدة معنية بالتدخل، لكن في حدود تقديم المشورة الفنية والمساعدة على استمرار المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي، وهو ما قاله وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان. وهو ما تأكد أيضا من خلال دور السفير الأمريكي في الكونغو مايكل هامر الذي طلب أثيوبيا ضرورة تقديم بيانات للسودان ومصر عن المرحلة الثانية للملء. لكن المكالمة الهاتفية التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي مع رئيس الوزراء السوداني في الخامس من الشهر الحالي، لم تتناول طرح إجراءات جادة في إعادة توجيه المفاوضات، وإنما انصبت أساسا على طلب التهدئة في النزاع الحدودي مع كل من أثيوبيا وجنوب السودان، إضافة إلى موضوع الاتفاق الأخير بين الحكومة السودانية وبين الحركة الشعبية (فرع الشمال) وكذلك الوضع في دارفور. ومن المرجح أن طلب التهدئة تضمن وقف حرب التهديدات في أزمة سد النهضة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على الخطاب السياسي السوداني في الأيام الأخيرة، وقد نجد صداه في مصر أيضا.
مما سبق نستخلص أن «الخيارات الأخرى» – غير المفاوضات- محدودة وغير ذات مصداقية، إلا إذا اقترنت بالقوة والعمل على إقامة حقائق جديدة على الأرض، وتنظيم حملة دبلوماسية مكثفة للحصول على دعم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وإقامة الدليل على أن النزاع يهدد الأمن والسلم الدوليين. ومن الضروري الإشارة إلى أن مطلب أثيوبيا بإعادة اقتسام مياه النيل الأزرق، من شأنه أن يعزز الدعوة من جديد لانضمام مصر والسودان إلى المعاهدة الدولية لاستخدامات الأنهار، وإلى اتفاقية مبادرة حوض النيل، التي تتمتع بوجود إطار مؤسسي وآليات متفق عليها سيتم تفعيلها وتعزيز قوتها في حال انضمام دولتي المصب. في نهاية الأمر فإن نزاع سد النهضة لن يتم تسويته بغير اتفاق يتم التوصل إليه عن طريق المفاوضات.