القاهرة-»القدس العربي»: التلويح باستخدام القوة للمرة الأولى منذ بدء التفاوض قبل عشر سنوات بين مصر والسودان وأثيوبيا في ملف سد النهضة، كان عنوان المرحلة الجديدة في أزمة السد الأثيوبي.
وجاء التلويح المصري على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام من جولة التفاوض التي استضافتها كينشاسا بدعوة رئيس الكونغو فليكس تشيسكيدي، للدول الثلاث، مصر والسودان وأثيوبيا، إلى جلسة مفاوضات مباشرة، باعتباره رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، واستمرت المفاوضات يومي 4 و5 نيسان/الريل الجاري.
وجاءت المرة الأولى التي حذر فيها السيسي، الثلاثاء الماضي، مؤكدا أن أي مساس بالحقوق المائية لبلاده سيكون له رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل.
وقال السيسي: «مياه النيل خط أحمر، ولن نسمح بالمساس بحقوقنا المائية، وأي مساس بمياه مصر سيكون له رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل».
وأضاف: «معركتنا في سد النهضة معركة تفاوض، ونحن نكسب أرضا كل يوم؛ لأننا نتفاوض بشكل يحقق مكاسب للجميع».
وتابع: «خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيكون هناك تحرك إضافي لمصر في هذا الملف (لم يحدده) ونتمنى أن نصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد».
التحذير الثاني الذي أطلقه السيسي جاء عقب فشل جولة التفاوض، من المساس بأي نقطة مياه من حصة مصر من مياه النيل، مؤكدا أن كل الخيارات مفتوحة، وأن التعاون أفضل، فيما أعلنت أثيوبيا تمسكها بالملء الثاني للسد.
وزاد:»موقف الدولة المصرية من مشروع سد النهضة كان موقفا مشرفا واحترمنا رغبة الشعوب في أن يكون لها شكل من أشكال التنمية».
ووجه رسالة للمسؤولين في أثيوبيا قائلا: «لا داعي لمرحلة تمسون فيها نقطة مياه من مصر. الخيارات كلها مفتوحة والتعاون أفضل».
وتابع: «نواصل التنسيق الكامل في السودان، ونؤكد للعالم عدالة القضية في إطار القانون الدولي، والأعراف الدولية ذات الصلة بحركة المياه عبر الأنهار الدولية والتحرك أكثر والتنسيق أكثر والأشقاء في الدول العربية الأفريقية يتم إطلاعهم على الأمر».
ووجه رسالة إلى أثيوبيا بضرورة التعاون في ملف سد النهضة، قائلا: «التعاون أفضل ونعمل مع بعضنا للتنمية، أنا لمست خلال السنوات الماضية في الأشقاء في أثيوبيا الشعور بعدم الراحة، أنا أتحدث عن الرأي العام، علينا جميعا التعاون في مفاوضات سد النهضة والقضية عادلة».
التنسيق مع الخرطوم
سامح شكري، وزير الخارجية المصري قال إن «مصر بصدد التنسيق مع الأشقاء في السودان لاتخاذ خطواتً منسقة ومكثفة لتوضيح الموقف والتعنت الأثيوبي خلال مفاوضات سد النهضة وإطلاع الشركاء الدوليين والمنظمات الدولية على هذا التطور الخطير وأثره على السلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي وأيضا على المستوى الدولي».
وجاء كلام شكري ضمن تصريحات صحافية على هامش زيارته القصيرة إلى العاصمة السودانية الخرطوم، مساء الثلاثاء الماضي، والتي استمرت لعدة ساعات فقط حيث كان قادماً من العاصمة الكونغولية كينشاسا التي استضافت جولة مفاوضات سد النهضة على مدار يومين برعاية الرئيس الكونغولي، فيليكس تشيسكيدي، بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي.
وأضاف شكري: «من ضمن الخيارات المتاحة، هو التحرك إلى مجلس الأمن الدولي، وعقب تعثر جلسة المفاوضات الأخيرة نتطلع في البداية إلى تفاعل رئاسة الاتحاد الأفريقي، وما قد يتخذه من إجراءات لعقد مكتب الاتحاد على مستوى الرؤساء للإحاطة بآخر التطورات وخطورتها، وأيضاً التوصل من خلال رؤساء الدول والحكومات إلى توجيه يؤكد مرة أخرى أن هذه المفاوضات وهذا المسار مَعني بالتوصل إلى اتفاق قانوني ومُلزم حول ملء وتشغيل سد النهضة، وهو الأمر الذي حاولت أثيوبيا التنصل منه ورفضت أن تعتمده في البيان الختامي الذي كان مطروحاً».
اللجوء إلى مجلس الأمن
وأكد أن «اللجوء إلى مجلس الأمن في تلك القضية سيتم عقب تنسيق وتقييم للأمور كافة، وأن مجلس الأمن متاح دوماً اللجوء له بحكم مسؤولياته وبحكم ضرورة إطلاعه على التطورات لحماية السلم والأمن الدولي» مشيراً إلى «اتخاذ تلك الخطوة العام الماضي ولكن لا يزال الأمر يتم تقييمه، ونضع كامل ثقتنا في الرئيس الكونغولي والذي يترأس الاتحاد الأفريقي في الوقت الراهن، ونتطلع إلى إمكانية دفع المسار نحو الأمام وعدول أثيوبيا عن هذا التعنت والتنصل من مسؤولياتها ومن الولاية الخاصة بالمسار الأفريقي، وفي الوقت نفسه، سوف تكون القضية واضحة أمام شركائنا الدوليين من قبل جهد مشترك مصري ـ سوداني».
التلويح باستخدام القوة، تزامن مع توقيع مصر وأوغندا مذكرة تفاهم حول تقاسم المعلومات الاستخبارية العسكرية.
وقالت أوغندا، إنها وقعت مع مصر اتفاقية لتبادل المعلومات العسكرية، في ظل التوتر المتصاعد بين مصر وأثيوبيا بشأن سد النهضة لتوليد الطاقة الكهرومائية على أحد روافد نهر النيل.
ووفقاً لبيان صادر عن قوات الدفاع الشعبية الأوغندية، أُبرمت الاتفاقية بين جهاز المخابرات المصرية ورئاسة المخابرات العسكرية التابعة لقوات الدفاع الأوغندية.
ونقل بيان قوات الدفاع الشعبية الأوغندية عن اللواء أركان حرب سامح صابر الدجوي، أحد كبار مسؤولي المخابرات المصرية، والذي ترأس وفد القاهرة لكمبالا قوله: «حقيقة أن أوغندا ومصر تتقاسمان النيل تجعل التعاون بين البلدين أمراً حتمياً، لأن ما يؤثر على الأوغنديين يؤثر بشكل أو بآخر على مصر».
وسبق التوقيع مع أوغندا إعلان القوات المسلحة المصرية، الأربعاء الماضي، اختتام فعاليات التدريب الجوي المشترك مع السودان «نسور النيل2».
وجرت المناورات في قاعدة مروي الجوية شمالي السودان، بمشاركة عناصر من القوات الجوية المصرية والسودانية وعناصر من قوات الصاعقة لكلا البلدين.
وأشارت القوات المسلحة المصرية في بيان أن المناورات تضمنت عددا من الأنشطة التدريبية المكثفة بدأت مراحلها الأولى بإجراءات التلقين وأسلوب تنظيم التعاون لتوحيد المفاهيم وصقل المهارات لإدارة العمليات الجوية المشتركة بكفاءة عالية.
كذلك تدربت عناصر قوات الصاعقة من كلا الجانبين على أعمال الاقتحام والإخفاء والتمويه لتنفيذ العمليات الخاصة وتنفيذ عدة رمايات من أوضاع الرمي المختلفة. وحسب بيان نشره المتحدث العسكري المصري عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» فقد عقد الفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، والفريق أول ركن محمد عثمان الحسين لقاءً ثنائيا تناول عددا من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك. وأكد البيان أن الاجتماع ناقش التحديات والتهديدات العسكرية والأمنية، والالتزامات وبرامج التعاون العسكري خلال الفترة المقبلة.
فشل المفاوضات
وانضمت، الثلاثاء الماضي، جولة المفاوضات الثلاثية في كينشاسا لعشرات الجولات التي عقدتها مصر والسودان وأثيوبيا بشأن سد النهضة الأثيوبي، على مدار 10 سنوات، وفشلت جميعها في التوصل لسبيل للخروج من الأزمة باتفاق ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل السد دون التأثير على دول المصب.
السفير أحمد حافظ المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، قال إن جولة المفاوضات التي عقدت في كينشاسا حول سد النهضة الأثيوبي خلال يومي 4 و 5 نيسان/ابريل الجاري، لم تحقق تقدما ولم تفض إلى اتفاق حول إعادة إطلاق المفاوضات.
وأضاف في بيان أن أثيوبيا رفضت المقترح الذي قدمه السودان وأيدته مصر بتشكيل رباعية دولية تقودها الكونغو الديمقراطية التي ترأس الاتحاد الأفريقي للتوسط بين الدول الثلاث.
وتابع: رفضت أثيوبيا كذلك خلال الاجتماع كافة المقترحات والبدائل الأخرى التي طرحتها مصر وأيدها السودان من أجل تطوير العملية التفاوضية لتمكين الدول والأطراف المشاركة في المفاوضات كمراقبين من الانخراط بنشاط في المباحثات والمشاركة في تسيير المفاوضات وطرح حلول للقضايا الفنية والقانونية الخلافية.
واعتبر أن هذا الموقف يكشف مجدداً غياب الإرادة السياسية لدى أثيوبيا للتفاوض بحسن نية وسعيها للمماطلة والتسويف من خلال الاكتفاء بآلية تفاوضية شكلية وغير مجدية، وهو نهج مؤسف يعيه المفاوض المصري جيداً ولا ينطلي عليه.
وأكد أن بلاده شاركت في المفاوضات التي جرت في كينشاسا من أجل إطلاق مفاوضات تجري تحت قيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية وفق جدول زمني محدد للتوصل لاتفاق عادل ومتوازن وملزم قانوناً حول سد النهضة، إلا أن الجانب الأثيوبي تعنت ورفض العودة للمفاوضات، وهو موقف معيق وسيؤدي إلى تعقيد أزمة سد النهضة وزيادة الاحتقان في المنطقة.
واختتم بيانه بالإشارة إلى أن وزير الخارجية المصري سامح شكري أكد خلال الاجتماعات التي عقدت في كينشاسا تقدير مصر للجهد الذي بذله الرئيس فيليكس تشيسكيدي في هذا المسار، واستعداد مصر لمعاونته ودعمه في مساعيه الرامية لإيجاد حل لقضية سد النهضة بالشكل الذي يراعي مصالح الدول الثلاث ويعزز الاستقرار في المنطقة.
ثلاث وسائل
أحمد الطنطاوي رئيس حزب الكرامة، عبر عن مخاوفه من توقيع السلطة في مصر على اتفاق هلامي في أزمة سد النهضة الأثيوبي لا يحفظ لمصر حقوقها في مياه النيل يجري ترويجه باعتباره هو الاتفاق المطلوب.
وأكد الطنطاوي أن أي اتفاق ستوقعه مصر يجب أن ينص على وصول الكمية المنصوص عليها في الاتفاقيات الخاصة بنهر النيل وهي 55 مليار متر مكعب سنويا في الحد الأدنى، كما يجب أن ينص على أن مياه نهر النيل داخل حوض النيل، وأن دولة المصب هي نهاية هذا الحوض، وأن يكون الحديث قاطعا على أن لا تصل المياه إلى دول خارج حوض النيل –في إشارة للمخاوف من توصيل المياه إلى الاحتلال الإسرائيلي.
كما طالب بعرض اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعه قادة الدول الثلاث مصر والسودان وأثيوبيا عام 2015 على البرلمان لرفضه واعتباره كأن لم يكن.
وقال الطنطاوي: هذا الاتفاق فتح الباب لاستخدمات أخرى للمياه غير إنتاج الكهرباء، ويجب أن لا نستسلم لروايات خادعة من نوعية أن الأمر يتعلق بملء خزان سد النهضة فقط، وأن المشكلة ستنتهي فور الملء وسيعود النيل لجريانه بشكل طبيعي، وإن هذه الرواية لو صحيحة الآن فلا يعني أنها ستكون صحيحة طوال الوقت.
وتحدث الطنطاوي عن الوسائل المتاحة للخروج من الأزمة التي تمثلت في التفاوض والتعاون وإشراك المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، والاستخدام المشروع للقوة في إطار القانون الدولي في إطار المعاهدت الثنائية والجماعية لدول حوض النيل.
وزاد: التفاوض الذي أقصده ليس على طريقة السنوات الماضية، ولكنه تفاوض جاد وفق أجندة واضحة وإطار زمني حاكم ومحدد بعدما أهدرنا وقتا طويلا.
وواصل: أما الوسيلة الثانية وهي التعاون فتتمثل في طرح حزمة من الحوافز الاقتصادية وتقاسم المنافع المشتركة في المياه وجوانب اقتصادية أخرى، من خلال أوجه تعاون عديدة بين مصر وأثيوبيا.
والوسيلة الثالث تتمثل في إشراك المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته في حفظ السلام والأمن، مؤكدا أن دفع المنطقة لحالة من التوتر ليس في مصلحة أحد، ومصر لديها خيار تستطيع اللجوء إليه بتقديم شكوى لمجلس الأمن الدولى باعتباره المسؤول عن حفظ الأمن والسلم الدوليين، تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة.
وعن استخدام القوة لحفظ حق مصر في مياه النيل، قال الطنطاوي: يكون من حق مصر اللجوء للاستخدام المشروع للقوة وبشكل محدد، صحيح أن كلفة هذا لا تخفى على أحد، لكن لهذا تنشئ الدول جيوشا وتسلحها وتدربها، وما ينجم عن سد النهضة لا يهدد قطعة من الأرض المصرية التي يلزم أن ندافع عنها، ولكنه تهديد للدولة ذاتها.
وواصل: تقييمي الموضوعي أن سد النهضة هو الخطر الأكبر الذي تواجهه الدولة المصرية منذ نشأتها.
وتتفاوض الدول الثلاث منذ 2011 للوصول إلى اتفاق حول ملء السد وتشغيله، لكنها رغم مرور هذه السنوات أخفقت في الوصول إلى اتفاق.
وتبني أثيوبيا السد على النيل الأزرق الذي ينضم إلى النيل الأبيض في السودان لتشكيل نهر النيل الذي يعبر مصر، وترى أنه ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية، في حين تعتبره مصر تهديدا حيويا لها، إذ تحصل على 90 في المئة من مياه الري والشرب من نهر النيل.