مفتي لبنان للمسؤولين: كفاكم خرقا للدستور.. والبطريرك الماروني: لا تدقيق جنائيا قبل تأليف حكومة

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت- “القدس العربي”: يحل التصعيد السياسي يوما بعد يوم بدلا من التهدئة وبات التيار الوطني الحر المتهم بتعطيل تأليف الحكومة يخوض المعارك على أكثر من جبهة، في وقت برز موقف متقدم لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان توجه فيه إلى معرقلي تشكيل الحكومة في رسالته إلى اللبنانيين لمناسبة حلول شهر رمضان حيث قال “كفاكم تعنتا واستكبارا وتصلبا وتزويرا وخرقا للدستور. البلد في خطر داهم، ويعيش قمة الانقسام والتشرذم والفوضى، والسبب هو في تأخير ولادة الحكومة، وتعطيل المؤسسات الرسمية. أقلعوا عن أنانيتكم، وخدمة مصالحكم الشخصية. لبنان لم يعد يحتمل المزيد من الخراب والانهيار والدمار، وكل يوم تأخير في تأليف الحكومة، هو خسارة للوطن والمواطن”.

وأضاف المفتي دريان “المطلوب تقديم التسهيل لا التعطيل، ولا وضع العقبات في طريق تشكيل الحكومة”، مشيرا إلى أن “هناك أيادي خبيثة تعمل في الخفاء على عرقلة الجهود العربية الشقيقة المشكورة، وعلى إفشال المبادرة الفرنسية، وتحاول القيام بعملية ابتزاز سياسي لا مثيل له، لكل هؤلاء نقول: لا يا سادة، بالكيديات والعنتريات والحقد الدفين، وبث السموم، لا يبنى لبنان، ولا يستقيم فيه الميزان، إلا بالمحبة والتراحم والتعاون، والمحافظة على صلاحيات كل مؤسسة من مؤسسات الدولة. إياكم والغرور، فلن تنالوا مبتغاكم من تحقيق مآربكم، لأنها تخالف المنطق والأصول”.

وقال مفتي الجمهورية في رسالته “رمضان هذا العام، ليس ككل الأعوام، بل ربما لم يشهد المواطنون ضيقا شديدا في معايشهم وتحركاتهم مثلما يشهدون هذه الأيام، سواء في رمضان وغير رمضان. إنه زمن الانهيار الشامل في كل المجالات، يحل علينا شهر رمضان هذا العام، والبلاد والعباد في أزمات متراكبة، يختلط فيها الاقتصادي بالمالي والمعيشي والصحي، والوبائي والسياسي والاجتماعي. ويلقي ذلك كله على عواتقنا نحن أهل الدين والإيمان، مسؤوليات خاصة، على اختلاف القدرات والأحوال”.

مفتي الجمهورية للمسؤولين غير المسؤولين: كفاكم تعنتا واستكبارا وخرقا للدستور

ولفت إلى أنه “عندما نزلت بمدينة بيروت كارثة انفجار المرفأ ودمار ثلث المدينة هب أهل بيروت – مسيحيين ومسلمين – هبة واحدة، لكنهم بالأمس واليوم وغدا، مدعوون إلى ما هو أعظم وأشد إلحاحا. فقد صار مخجلا الحديث عن القادرين وغير القادرين، ما عاد أحد تقريبا قادرا. ما عاد لنا إلا أن نتقاسم القليل، ونتشارك في القليل الذي يمتلكه كل منا. إن بلادنا عجيبة بحمد الله، في صبر أهلها، وفي انتظامهم الأخلاقي والمدني. لقد تحملوا مئات الآلاف من اللاجئين والمهجرين. وتحملوا أهوال الوباء، وتحملوا غياب الدولة قبل انفجار المرفأ وبعده، وتحملوا احتجاز ودائعهم في المصارف، وهم يتحملون كل يوم أخبار الفضائح بين المسؤولين غير المسؤولين، ويفكرون عشرات المرات، أو يفكر معظمهم عشرات المرات قبل أن يقدموا على شراء قوت اليوم لشيوخهم وأطفالهم. ما شهدت بلادنا بالفعل ضيقا كهذا الضيق”.

وأكد “أنني شديد الاعتزاز بهؤلاء المواطنين، الذين يستمدون من الضعف قوة، ويقبلون على إنشاء الجمعيات، للعناية بالمعوزين، والعناية بالشيوخ والأطفال، وتأمين الغذاء والدواء للمتعففات والمتعففين، الذين ما عادت لهم حيلة ولا وسيلة. لقد اعتدنا نحن المسلمين على أداء زكواتنا في رمضان لمن نعرفهم من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل. بيد أن المدن العريقة لا يعيش فيها الأفراد فقط، بل تعيش الجماعات، التي قامت في أوساطها المؤسسات المتخصصة والكبرى وذات الصدقية، التي تعنى بعشرات الألوف في المدن والأرياف. وإلى تلك المؤسسات يلجأ كل ذوي الحاجة. لكن كيف ستوصلون أيها الإخوة زكواتكم إليهم، وأموالكم أو ما تبقى منها محتجزة في البنوك؟!”.

وقال “في رمضان وفي غير رمضان، تعود اللبنانيون منذ تردي نظامهم السياسي الأشوه إلى حدود المؤامرة، تعودوا الاعتماد على أنفسهم. لكن وكما سبق القول، فإن ثلثي اللبنانيين يعيشون في مدن وبلدات، وليسوا في أرياف متنائية. ولأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى، ينهار مع نظام العيش: النظام المصرفي! الذي كنا نظنه مستقلا وآمنا ومأمونا، وغير تابع لأهواء الحاكمين؛ فإذا هو قد أصبح أداة بيد المسيطرين، ووسيلة لاستلاب أموال المودعين، ولصالح من؟ لصالح نظام الفاسدين! يا رب، ماذا نفعل؟ وإلى من نتوجه وسط هذا الحصار، ليس من جانب الخارج، بل من جانب نظام القلة الفاجرة. في كل بلاد العالم تحدث أزمات، وتكون أحيانا كبيرة وفاجعة، لكن في كل بلدان العالم إلا في لبنان، تهب الدولة للنجدة والإغاثة، وبعث الأمل في الإنقاذ. حتى إذا ما أمكن الانتشال من المأزق، يذهب الحاكمون ويأتي غيرهم. هذا كله يحدث إلا في لبنان. فالحاكمون وهم علة الفاجعة، يزدادون تشبثا بمناصبهم، بل وبمصائر المواطنين”.

وسأل “هل سمعتم ببلد تحدث فيه فاجعة مثل فاجعة المرفأ، ويظل المسؤولون على كراسيهم الفارهة؟ وهل سمعتم ببلد حديث تقفل مصارفه، ويسمح نظامه السياسي بذلك، بعد أن يكون ثلثا ودائع المواطنين، قد صار في جيب أو جيوب ما يسمى الدولة، والثلث الثالث قد جرى تهريبه إلى الخارج، ومن جانب المسؤولين غير المسؤولين إياهم؟”.

وتوجه دريان إلى المسؤولين “غير المسؤولين” بالقول “هل هو مطلب عسير أن تكون في البلاد حكومة مسؤولة؟ لقد مضت شهور طويلة، وهناك من لا يزال يتحدث عن الأصول الدستورية، والشراكة الكاملة بين التشكيل والإصدار، والثلث المعطل وأنواع الوزارات؟… وغير ذلك. البلاد في أشد الحاجة في هذه الظروف بالذات، إلى سلطة تنفيذية، وهي تكون مسؤولة أمام مجلس النواب الذي كلف رئيسها، وهناك من يزال أيضا يتحدث أنه لا حاجة للحكومة، لأن الفاسدين معروفون، وهم فلان وعلان، والذين استعصوا حتى الآن على المحاسبة. ما كان أحد ليسأل عن شيء رغم ضلوع بعض من شارك في كل أعمال الحكومات، منذ العام 2008. نعم، ما كان أحد يسأل، الحكومة القائمة، التي تعلن إدارتها التصدي لوقف الانهيار، وإعادة الإعمار، والذهاب للمجتمع الدولي طلبا للمساعدة. فحتى المحاسبة التي يطالبون بها، ويتبرأون من تبعاتها، لا يمكن أن تجري بهذه الطرائق المتمثلة في محاولة إفساد القضاء أو تعطيله، وفي تقريب هذا وإبعاد ذاك، كأنما المسألة مسألة مزرعة خاصة. نريد حكومة نستطيع التوجه إليها، وليس مزاعم بشأن البراءة والصلاحيات والحقوق الفئوية، في الوقت الذي لم يبق فيه مواطنون ولا حقوق! ليست في البلاد أزمة دستورية، بل البلاد ضحية الاستئثار والانهيار، والارتهان للمحاور، والتدمير المتعمد للمؤسسات، والاعتداء على عيش المواطنين واستقرارهم وأمنهم”.

وختم مفتي الجمهورية موجها نداء “الرجاء والاستغاثة والأمل إلى الإخوة العرب”: “تعودنا ألا تنسونا في الشدائد، ونحن لنا ملء الثقة بكم، وبمؤازرتكم، ودعمكم، ومساعدتكم، فلا تتخلوا عنا ولا تتركوا الشعب في ضياعه، كي لا يكون فريسة سهلة لمن يريد بلبنان واللبنانيين شرا”.

ولم يكن البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أقل حدة في عظته الأحد بل هو توجه برد ضمني على إطلالة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي غيب فيها موضوع تأليف الحكومة وركز على التدقيق الجنائي فقال “إن جدية طرح التدقيق الجنائي هي بشموليته المتوازية لا بانتقائيته المقصودة. وأصلا، لا تدقيق جنائيا قبل تأليف حكومة”.

وأضاف “مر عيد الفصح ولم يشكل المسؤولون المعنيون دستوريا الحكومة الجديدة الإنقاذية كهدية للشعب في العيد. لكنهم خيبوا آمال اللبنانيين مرة ثانية، بعد الوعد الأول بتقدمة هذه الحكومة عيدية لعيد الميلاد. لكنهم آثروا قهر اللبنانيين مستعملين سلطتهم، وهي من الشعب، والعمل السياسي لهذه الغاية، للهدم لا للبناء. لقد بينوا للجميع داخليا وخارجيا أنهم لا يريدون تشكيل حكومة لغايات خاصة في نفوسهم وبكل واحد منهم. فالتقوا في مصلحة مشتركة هي التعطيل، وتركيع الشعب من دون سبب، بتجويعه وإذلاله وإفقاره وانتزاع الأمل من قلبه. لكن الشعب أقوى منهم بولائه للبنان، وبأخلاقيته ومناقبيته، هو أقوى منهم بصموده المحرر من أي ارتباط خارجي. ويقول لهم بلساننا إن أولوية الأولويات الآن تبقى تشكيل حكومة لأن قيام حكومة كاملة الصلاحيات هو مفتاح الحل لبقية القضايا الأساسية أكانت إصلاحية أم سياسية، أمنية أم اقتصادية، اجتماعية أم معيشية”.

وأضاف البطريرك الماروني “من دون حكومة، كل كلام يبقى باطلا، وتتعمق الانقسامات، وتتعمم الاتهامات، وتضرب هيبة المؤسسات الضامنة كيان لبنان. وحدها الإيجابية تخلص لبنان، الفعل الإيجابي أن ألفوا حكومة للشعب من دون لف ودوران. ألفوا حكومة واخجلوا من المجتمعين العربي والدولي ومن الزوار العرب والأجانب. ألفوا حكومة وأريحوا ضمائركم. إن جدية طرح التدقيق الجنائي هي بشموليته المتوازية لا بانتقائيته المقصودة. وأصلا، لا تدقيق جنائيا قبل تأليف حكومة. حري بجميع المعنيين بموضوع الحكومة أن يكفوا عن هذا التعطيل من خلال اختلاق أعراف ميثاقية واجتهادات دستورية وصلاحيات مجازية وشروط عبثية، وكل ذلك لتغطية العقدة الأم وهي أن البعض قدم لبنان رهينة في الصراع الإقليمي الدولي. لا نريد العودة إلى أزمنة لبنان الرهينة والوطن البديل، في ما نحن على مسافة يومين من الذكرى السادسة والأربعين لاندلاع الحرب على لبنان في 13 نيسان 1975. كان يوما مشؤوما وكانت المقاومة اللبنانية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية