بيروت- “القدس العربي”: أخيراً بعد طول تريّث، وبعد الاستماع إلى النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون، التي لم تخضع لقرار المدّعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات بكف يدها عن عدد من الملفات ولاسيما المالية، قرر مجلس القضاء الأعلى في إطار اجتماعاته المفتوحة إحالة القاضية المتمرّدة إلى التفتيش القضائي لإجراء المقتضى، وطلب منها الالتزام بقرار النائب العام لدى محكمة التمييز المعمول به حتى تاريخه، متهماً إياها “بخرق موجب التحفظ، وعدم الالتزام بتنفيذ تعهداتها المتكرّرة أمام المجلس، وتمنّعها عن الحضور إلى النيابة العامة التمييزية”، مؤكدا أن “ما يحصل ليس بين من يريد مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وبين من لا يريد أو من يمنع ذلك”.
وجاء قرار مجلس القضاء الأعلى بعدما بدا على مدى يومين في حال تردّد في اتخاذ قرار يحفظ هيبة القضاء والتراتبية بعد المشاهد الشعبوية التي تمثّلت بمداهمة غادة عون “شركة مكتف لتحويل الأموال” بمؤازرة مناصري التيار الوطني الحر.
واستمع مجلس القضاء الأعلى إلى القاضية على مدى ساعة وربع الساعة قبل أن تغادر وسط مجموعات من التيار العوني حضرت إلى قصر العدل دعماً لها، فيما واصل أعضاء المجلس اجتماعهم لاتخاذ القرار المناسب. وقد أصدر المجلس بياناً جاء فيه “انطلاقاً من أن السلطة القضائية يمارسها كلّ قاضٍ، وهو مسؤول عن المحافظة عليها وصونها، والالتزام بقسَمه، وعدم الزجّ بموجباته في ما لا يأتلف مع طبيعة العمل القضائي السليم، وانطلاقاً من أن ما يحصل ليس بين من يريد مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وبين من لا يريد أو من يمنع ذلك، وانطلاقاً من أن ما يحصل ليس صراعاً بين النائب العام التمييزي والنائب العام الاستئنافي، وهو بالتأكيد ليس صراعاً سياسياً بين تيارين كما يصوّره البعض، وهو ليس وليد اللحظة أو نتيجة ملفّ، بل إن ما حصل فعلياً أن مجلس القضاء الأعلى، اتخذ قراراً انطلاقاً من الدور المناط به بموجب القوانين بالسهر على حسن سير القضاء وعلى كرامته واستقلاله، وقد توزّع على مسارات ثلاثة هي: الطلب من النائب العام لدى محكمة التمييز، ومن رئيس هيئة التفتيش القضائي اتخاذ الإجراءات المناسبة كلٌّ ضمن نطاق اختصاصه بخصوص أداء القاضي السيّدة غادة عون، والاستماع إليها من قبل المجلس، بسبب خرقها موجب التحفظ، وعدم التزامها بتنفيذ تعهداتها المتكررة أمام المجلس، وتمنّعها عن الحضور إلى النيابة العامة التمييزية. وبالنظر لمواقفها وتصرفاتها إثر صدور قرار النائب العام لدى محكمة التمييز تاريخ 15/4/2021 المتضمّن تعديل توزيع الأعمال لدى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، وفي ضوء مضمون أقوال القاضي السيّدة غادة عون في جلسة استماعها اليوم أمام مجلس القضاء الأعلى، وبمعزل عمّا أثير حول مضمون قرار النائب العام لدى محكمة التمييز المذكور أعلاه، قرّر مجلس القضاء الأعلى الآتي :1- الطلب من هيئة التفتيش القضائي إجراء المقتضى. 2- الطلب من القاضي السيّدة غادة عون الإلتزام بقرار النائب العام لدى محكمة التمييز المعمول به حتى تاريخه”.
وأكد المجلس “أن مسار أي تحقيق في أي ملف قضائي، سيُتابع حتى خواتيمه من قبل القضاء المختص، أياً يكن القاضي الذي يتابعه، بصرف النظر عن أي اعتبارات خارجة عن الإطار القضائي. وهو يدعو الزميلات والزملاء القضاة إلى الالتزام الدائم بقسَمهم، مهيباً بالجميع الاحتكام دوماً إلى حكم القانون للنهوض بالوطن، وعلى أن يكون لرئيس مجلس القضاء الأعلى كلمة عبر الإعلام يتناول فيها الأوضاع القضائية عامة، في موعد يحدّد لاحقاً”.
وسبق اجتماع مجلس القضاء ضغوط سياسية من فريق العهد لعدم اتخاذ أي عقوبة بحق القاضية عون، وهذا ما يفسّر التريّث في اتخاذ قرار تأديبي في حقّها أو عزلها تفادياً لأي انفراط في الجسم القضائي، علماً أن ولاية مجلس القضاء الأعلى تنتهي في أواخر ايار، في وقت كان تمّ تجميد مرسوم التشكيلات القضائية في جارور رئيس الجمهورية لقطع الطريق على إجراء مناقلات بين القضاة المحسوبين على القصر الجمهوري وفي طليعتهم مدّعية عام جبل لبنان.
وأفادت قناة OTV التابعة للتيار العوني بأن القاضية عون توجّهت الى المجتمعين في مجلس القضاء الأعلى بالقول “فليحكم القانون وكما قالت وزيرة العدل هناك مرجعية هي التفتيش القضائي فلتحكم بالملف”. وأفيد بأنها تقدّمت بثلاث شكاوى بحق عدد من القضاة بينهم عويدات، مصرّة على الاحتفاظ بمتابعة ملف شركة مكتّف التي توجّهت اليها مجدداً لاستكمال جلسة الخبرة. وتزامن ذلك مع كلام منسوب الى رئيس الجمهورية يمدح فيه “استقامة” القاضية”، ويعتبر”أنها في معركتها الأخيرة لم تخطئ في الجوهر، أخطأت في الشكل، ولذلك، يتوقّع أن تأخذ هيئة التفتيش القضائي، في حال إحالتها عليها، بالأسباب التخفيفية”، فيما نُقل عن غادة عون قولها “إنها ربما تكون قد انفعلت لكنها لم تخطئ في المسار القانوني”.
في المقابل، أسف نائب رئيس “تيار المستقبل” مصطفى علوش لما يحصل قضائياً، ورأى أن “من المحزن رؤية سلطة القضاء تنهار أمام أعيننا، وهي أهم سلطة في أي دولة في العالم”، معتبراً “أن القانون لا يتحقق إلا بالقانون لا بالشعبوية ولا بالفجور من هنا وهناك”.
وكان نجل الوزير السابق بطرس حرب المحامي مجد حرب غرّد مشيدا بـ”جرأة القاضية عون في ملاحقة الشركات المالية التي تراها مخالفة”، لكنه قال “كي لا يبقى هناك استنسابية، سنتقدّم اليها بملف القرض الحسن التابع لحزب الله آملين أن تذهب مع صقور التيار وتداهم مركز هذه المؤسسة في الضاحية”.