تونس-»القدس العربي»: جعلت السنوات العشر الماضية، التي تلت الإطاحة بنظام القذافي، من ليبيا منطقة عبور رئيسية لتهريب البشر إلى القارة العجوز وذلك رغم الرقابة الاستثنائية التي فرضها الأوروبيون على سواحلهم المتوسطية. ويأتي الأفارقة من سكان جنوب الصحراء في طليعة ضحايا عصابات الإتجار بالبشر التي تنشط بكثافة في تلك المساحات الصحراوية المترامية وباتت أخطبوطا يصعب اجتثاثه في الوقت الراهن على الأقل مع تنامي نشاطه وتغلغله وجمعه لسيولات مالية طائلة.
بين البر والبحر
وتعتبر أوروبا حلم الأفارقة من سكان جنوب الصحراء وحتى شمالها ويعتبرونها الفردوس المنشود الذي سيغير حياتهم نحو الأفضل ويقطع مع معاناتهم في بلدانهم الأصلية التي ينخرها الفساد والفقر وعدم الاستقرار. وتلتقي أحلامهم مع إغراءات المهربين وتعطشهم للهف المال فتحصل الكارثة في رحلة موت مرهقة لا يتحملها الشباب اليافع، فما بالك بالنساء والأطفال الذين باتوا اليوم يقبلون على الهجرة السرية خلافا لما كان عليه الحال في السابق حيث كانت تستقطب هذه الهجرة فقط فئة الشباب من الذكور.
فإن كان سكان الشمال الأفريقي يعرضون أنفسهم لخطر الموت في هجرتهم السرية مرة واحدة في البحر الأبيض المتوسط، فإن سكان أفريقيا جنوب الصحراء وقبل تعريض أنفسهم لخطر الغرق في مياه هذا البحر الأسطوري عليهم عبور الصحراء الكبرى الأفريقية المترامية بسلام وهو أمر صعب التحقق. وبالتالي فإن نسبة وصول المهاجرين من سكان أفريقيا جنوب الصحراء بسلام إلى أوروبا ضعيفة جدا ورغم ذلك يقبل هؤلاء على رحلة الموت المحفوفة بالمخاطر ويرتمون في أحضان عصابات الهجرة غير النظامية غير عابئين بالأهوال التي تعترض طريقهم برا وبحرا.
وتتحدث تقارير عديدة عن تواطؤ قوات شبه نظامية ليبية في عملية اصطياد البؤساء الأفارقة القادمين عبر الصحراء وتوجيههم بالتعاون مع عصابات الإتجار بالبشر إلى المدن التي تنطلق منها قوارب الموت وعلى رأسها مدينة زوارة شمال غربي البلاد. ففي هذه المدن يتم تكديس الراغبين في الهجرة في قوارب صغيرة لا تتسع لأعدادهم الهائلة وتنطلق رحلة المجهول في جنح الظلام بعيدا عن أنظار الرقباء من السلطات الليبية وغيرهم.
ولا تتحمل المراكب الصغيرة التي يغادر على متنها البؤساء الحالمون بالفردوس الأوروبي أمواج البحر العاتية والمتلاطمة كلما توغلت في أعماق البحار، فتغرق في أغلبها قبل الوصول إلى الوجهة والمقصد. كما لا تتحمل هذه المراكب الأعداد الهائلة من المهاجرين المكدسين على متنها بسبب لهفة عصابات الإتجار بالبشر على المال، فيضطر الركاب إلى التخلص من الحمولة الزائدة أي الأشخاص الأضعف جسديا وغير القادرين على حماية أنفسهم في مشهد بائس ومحزن.
علاقات متشعبة
ومن المضحكات المبكيات أن زعيم مافيا التهريب في ليبيا يسمى «الحاج» مع ما تحمله هذه التسمية من دلالة على التقوى والورع والهيبة والوقار، ويسمى عضده الأيمن «الكبران» وهي رتبة عسكرية متدنية تناسب موقع الكبران في علاقة بالحاج. ويكون الكبران همزة الوصل بين المغرر بهم وبين الحاج والذي يشرف على المواقع الإلكترونية التي تغري الراغبين في الهجرة السرية بالمسارعة إلى فردوسهم المفقود بعد أن تبث مقاطع فيديو لمهاجرين سابقين نحجوا في عبور الصحراء المترامية ثم البحر الأبيض المتوسط، فيشكرون ظروف التنقل والمعاملة الحسنة إلى أن انتهى بهم الأمر في شواطئ القارة العجوز.
وتختلف سمعة المهربين من واحد إلى آخر، حيث نجح البعض في إيصال أعداد هامة من المغرر بهم إلى حيث يريدون فاكتسبوا صيتا لدى الأفارقة جنوب الصحراء الراغبين في الهجرة. وكان لمهربي مدينة زوارة نصيب الأسد في هذه السمعة الحسنة، فهي بحسب شهادات لا تتقاضى الأموال من المهاجرين قبل ضمان رحلتهم. وبالمقابل فشل آخرون في اكتساب صيت حسن فلهفوا الأموال وتحايلوا على خلق الله من خلال الامتناع عن الإبحار بهم أو بيعهم لمهربين آخرين أو تسليمهم للسلطات الليبية أو الفشل لاحقا في إيصالهم بعد غرق المركب الصغير المخصص للإبحار.
ويتم إيداع المقبوض عليهم في مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الحياة باعتبارها مجرد مخازن واسطبلات سابقة يودع فيها بنو البشر وسط الأوساخ والقاذورات وبعضها بدون دورات مياه. وهناك تقارير تتحدث عن تحرشات جنسية تطال النساء والأطفال في هذه المحتشدات رغم أنها مفتوحة لزيارات المنظمات الحقوقية التي تعنى بمسألة الهجرة وبظروف إقامة المهاجرين.
وقد أقامت هذه الشبكات الليبية علاقات متينة مع نظراء لها خارج الأراضي الليبية وذلك لتنويع طرق العبور إلى الأراضي الأوروبية وبات التعاون هو السمة البارزة بين مافيات الإتجار بالبشر سواء في ليبيا أو في تونس أو في المغرب أو حتى في مالطا وفي غيرها. وقد مكّنت هذه العلاقات المافيات الليبية أيضا من مهاجرين من مختلف الجنسيات يتواجدون باستمرار ويؤمنون السيولة المالية التي يقوم المهربون بتطوير أنشطتهم من خلالها.
حلول منعدمة
ولا يبدو أن هناك حلولا لهذه المشكلة في الوقت الراهن وذلك بالنظر إلى عدة اعتبارات، منها الحدود الشاسعة والمترامية لليبيا مع ست دول أفريقية والتي تصعب مراقبتها بالكامل خاصة مع غياب سلطة مركزية قوية لديها قوات حاملة للسلاح بأعداد معتبرة وقادرة على التحكم في المجال. فغياب الدولة تماما طيلة السنوات الماضية ساهم بشكل كبير في استفحال هذا النشاط غير القانوني المتواجد أيضا في باقي دول شمال أفريقيا لكن بوتيرة أقل بالنظر إلى ملاحقته من قبل السلطات الرسمية في هذه الدول.
كما أن الحكومة الليبية جديدة لن يطول بها المقام كثيرا باعتبار أن تواجدها محدود في الزمن، ومحاربة هذه الآفة تتطلب سنوات طويلة بعد أن تغلغلت مافيات تهريب البشر في التراب الليبي ولم تعد مسألة اقتلاعها أمرا هينا. كما أن مهام هذه الحكومة محددة سلفا بالاتفاق الذي أتى بها إلى الحكم وليس من ضمن هذه المهام محاربة الهجرة السرية والإتجار بالبشر والتي يبدو أن الحكومات المقبلة ستجد صعوبة بالغة في القضاء عليها باعتبار تغلغل مافيات التهريب في الطبقة السياسية الجديدة في بلد عمر المختار.
ولن تتوقف الهجرة السرية مادام هناك فقر في أفريقيا وثروات طبيعية منهوبة من قبل القوى الكبرى تستغلها في تنمية بلدانها فيما المواطن الأفريقي يعاني الأمرين لتحصيل لقمة العيش، ناهيك عن الجهل وتفشي الأمراض والأوبئة الفتاكة في ظل حكم قادة نصبهم المستعمر السابق وباتوا خدما له بعد رحيله ويبحثون عن كسب وده. لذلك ستواصل تدفق الأفارقة على أوروبا التي تغري هؤلاء المسحوقين الذين يفتقدون إلى أبسط الحقوق في بلدانهم لتأمين العيش الكريم لهم ولعائلاتهم سواء بإرسال الأموال إليهم أو بدعوتهم إلى الالتحاق بهم في بلد الإقامة الأوروبي.
كما أن بلدان شمال أفريقيا لن تتمكن من مراقبة سواحلها على الوجه الأكمل مثلما يرغب الأوروبيون في ذلك باعتبار أن أوروبا نفسها عاجزة عن القيام بذلك رغم تطور أجهزة المراقبة لدى عناصر خفر السواحل في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. وبالتالي على أوروبا أن تفكر في مقاربات أخرى مع شركائها الجنوبيين تجاوز النظرة إليهم كشرطي مكلف بمهمة تأمين حدودها الجنوبية من الإرهاب والهجرة السرية ليصبحوا شركاء اقتصاديين حقيقيين لا يتم معهم تبادل السلع والبضائع فحسب، بل حتى البشر في إطار هجرة منظمة ومقننة بحسب حاجيات الأوروبيين الذين يشهدون تهرما سكانيا يجعلهم بحاجة إلى اليد العاملة المختصة خلال السنوات المقبلة.
معضلة حقيقية
وفي هذا الإطار يرى الكاتب والباحث الليبي عبيد رقيق في حديثه لـ» القدس العربي» أن تهريب البشر في ليبيا معضلة حقيقية وليس من السهل حلها لأنها مرتبطة أساسا بالوضع الأمني والذي لا يزال هشّا. ولا يعتقد رقيق بأن الحكومة الجديدة ستقدم حلا بهذا الخصوص لاعتبارين اثنين، أولا لأن هذه المشكلة برأيه ليست من أولوياتها بالنظر إلى خريطة الطريق المتفق عليها في جنيف والتي حددت عمر الحكومة خلال هذه السنة فقط أي 2021 وبمهام معينة أيضا ومحددة، على رأسها تحسين الوضع المعيشي ومعالجة مشكلة الكهرباء وادماج المجموعات المسلحة في أجهزة الدولة الرسمية والاستحقاق الانتخابي، ثانيا لعدم قدرة هذه الحكومة، برأي محدثنا، على معالجة الملف الأمني وقصورها في فرض سيطرتها الأمنية على الحدود المترامية الأطراف للدولة والتي يصعب تأمينها حتى من قوات نظامية في دولة مستقرة.
ويضيف الباحث الليبي قائلا: «ونذكر بأن مشكلة تهريب البشر كانت قائمة حتى إبان حكم النظام السابق بالرغم من القبضة الأمنية فما بالك الآن، حيث لا وجود لسيادة فعلية على الحدود ولا وجود حتى لمتابعة أمنية دقيقة داخل ليبيا. لقد تغولت جماعات التهريب التي وللأسف أصبح عناصرها يمارسون أفعالهم جهارا نهارا بعدما امتلكوا السلاح والمركبات ذات الاستعمال الصحراوي، وهذا الأمر يجعل ايجاد حلول سريعة شبه مستحيل في ظل حكومة مؤقتة مثلما أشرنا مهامها محدودة ولا يمكنها تجاوزها.
في مثل هذه الظروف سيستمر تهريب البشر في ليبيا التي أصبحت محطة تهريب مفضلة للاعتبارات التي ذكرتها والمتمثلة في الفراغ الأمني الكبير وامتلاك المهربين للأسلحة وتكوينهم لشبكات على شكل حلقات متصلة عبر الأراضي الليبية. ولا أرى بالتالي حلا لهذه المعضلة في الوقت الراهن وحتى على المدى القريب والمتوسط وقبل أن تتوحد المؤسسة العسكرية في ليبيا وهي التي لا تزال إلى اليوم منقسمة بين الغرب والشرق رغم توحيد السلطة التنفيذية ونيلها تزكية البرلمان».
من جهته وفيما يتعلق بمسألة وقف تدفق المهاجرين ومعضلة شبكات تهريب البشر في ليبيا ومدى قدرة الحكومة الليبية الجديدة على إيجاد الحلول لهذه المعضلة التي لفتت إليها أنظار العالم في السنوات الأخيرة، أكد الباحث الليبي محمد شومار لـ «القدس العربي» أنه «في ظل انتشار السلاح لدى مختلف مكونات الشعب الليبي وذلك بعد فتح النظام السابق لمخازن الأسلحة قبيل سقوط معمر القذافي، وبعد تدفق أسلحة أخرى من الخارج من قبل دول رغبت في تأجيج الصراع الليبي، لن تستطيع الحكومة الجديدة برئاسة عبد الحميد دبيبة وقف تهريب البشر». فشبكة التهريب الدولية التي نشأت في ليبيا في العشرية الأخيرة، حسب محدثنا، تمتلك المال والسلاح لاستمرار هذه الظاهرة وبشكل متزايد خلال فترة فصل الصيف حيث يصبح البحر هادئا وملائما للإبحار في غياب الرياح والعواصف وذلك بغاية العبور إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.
ويضيف محدثنا قائلا: «يصعب ضبط الحدود الليبية المترامية في الأوضاع العادية فما بالك بالوقت الراهن حيث غابت الدولة تماما أو كادت طيلة عقد من الزمان نشأت خلاله مافيات تغلغلت وأصبحت أخطبوطا متعدد الفروع والعلاقات. فالحدود مع النيجر وحدها يدخل منها إلى ليبيا 80 في المئة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يستقرون بداية بمدينة سبها الجنوبية ومنا يتحولون إلى مدن غرب وشرق ليبيا للتوجه إلى دول جنوب أوروبا وخصوصا إيطاليا المتاخمة لدول شمال أفريقيا والتي تعتبر البوابة الرئيسية مع إسبانيا للولوج إلى القارة الأوروبية».