لم يمر سوى يومين على حلم رئيس نادي ريال مدريد فلورنتينو بيريز في تأسيس بطولة الدوري السوبر الأوروبي قبل ان يتحول الى كابوس بوأد الفكرة في مهدها بعد انسحاب الاندية الانكليزية الستة بعد ضغوطات حكومية واعلامية وجماهيرية هائلة، قادت تلقائيا الى تفتيت المنظومة وانسحاب أندية ايطالية واسبانية أخرى.
بيريز عراب الفكرة ومساعده رئيس نادي يوفنتوس أندريا أنييلي اعتقدا ان الساحة ستكون مفروشة بالورود لفكرة لا تنم الا عن جشع واحتكار، وهو بالضبط ما اتهم به بيريز الاتحاد الاوروبي للعبة، رغم انه أعلن أن الدوري سيكون مغلقاً على 15 نادياً، هم المؤسسون ودائمو المشاركة فيه، ولا يهبطون أبداً، ووعد بحصول كل ناد على 350 مليون يورو في أول موسم على الأقل، بفضل الدعم الهائل من مصارف أمريكية، وتباً لأكثر من 1000 ناد في القارة العجوز التي لا تحق لها المشاركة الا بتحقيق نتائج هائلة، يسمح لخمسة منها فقط في المشاركة كل موسم. لكن ماذا سيحصل لو تألقت هذه الخمسة في الدوري السوبر وأحرز أحدها اللقب؟ هل يهبط مع الاربعة الآخرين ليحل مكانها خمسة آخرون؟
أسئلة كثيرة تركها البيان الباهت والبسيط لاعلان تأسيس الدوري، كأنه قنبلة ألقيت في أنحاء القارة قبل ان يختبئ مسؤولو الأندية الـ12، قبل ان يتبين أن بيريز وأنييلي ولابورتا ورطوا الاندية التسعة الاخرى التي أعلنت الانسحاب تباعاً من مسابقة طفولية تدار من عقلية هواة، على غرار سوء الادارة والتدبير التي تميزت بها ادارات الريال وبرشلونة ويوفنتوس في السنوات الاخيرة. فعندما تكون على وشك الاقدام على أمر كبير وخطير مثل الانشقاق عن مسابقة دوري الأبطال وربما الانفصال عن دوريك المحلي، فضلاً عن ضغوطات متوقعة من الفيفا واليويفا بحرمان لاعبيك من منتخباتهم، ألم يجدر بأن تؤسس لمثل هذه الخطوة قبلها بأسابيع، بتجييش الاعلاميين وتعبئة الجماهير بايجابيات هذه المسابقة وضرورتها للارتقاء بكرة القدم، وشرح قوانينها ومنافعها على الكرة الأوروبية؟ ألم تدرس في علم ادارة الأعمال ضرورة عمل دراسة جدوى قبل الاقدام على مشروع كبير كان أو صغير؟ كيف الحال عندما تقول ان المؤسسين هم 15 نادياً ولم تعلن سوى عن 12 نادياً، ألا يعد هذا تخبطاً؟ ألم يكن مؤشراً بأن الفكرة طفولية عندما قال لك بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند وباريس سان جيرمان لا قبل الاعلان؟
لكن هذه الفكرة التي ولدت مشوهة ومنبوذة ومكروهة، رغم انها تطرح دائما منذ 1998، لكنها جاءت بصورة منفرة لم تنم الا عن جشع ويأس في محاولة جمع ما يمكن من المال وبأي وسيلة كانت، حتى لو على حساب مبدأ الرياضة نفسه: التنافس الشريف بين الجميع والعدالة الرياضية بمكافأة المجتهد، وليس مكافأة حفنة من الأندية فقط الى الأبد بغض النظر عن مجهودها ونتائجها.
وأكثر ما يضحك أن بيريز يقول ان هذه الفكرة هي لانقاذ كرة القدم، وهو الذي ضخم قيمة اللاعبين طيلة رئاسته للنادي الملكي عبر صفقات «الغلاكتيكوس» القياسية، والرواتب الفلكية، رغم ان الريال وبرشلونة هما الاعلى دخلاً بين كل الاندية الاوروبية وشارفت مداخيلهما قبل جائحة كورونا، مليار يورو، لكن بسبب سوء ادارتيهما قادتا الناديين الى ديون مهلكة خصوصا بدفع رواتب خيالية لنجومهما، على غرار أكثر من نصف مليار يورو لليونيل ميسي في عقده الجاري، فهل ننتظر من بيريز ان ينقذ كرة القدم، وهو الذي تحوم حوله شبهات فساد باكتساب ناديه منحاً من مصارف حكومية قدمها البرلمان الاوروبي من جيوب دافعي الضرائب من أبناء القارة، وبصورة غير قانونية. ألم يحّول غالبية نجوم الريال الى القضاء بسبب التهربات الضريبية بسبب سوء النصيحة من ادارة بيريز الذي يريد ترؤس الدوري السوبر المزعوم.
لو فعلاً تحققت رؤية الدوري السوبر مثلما كان يخطط لها بيريز، لرأينا تضخما جديداً في رواتب اللاعبين وقيم بدل الانتقالات، وبدل شراء ايرلنغ هولاند بـ100 مليون من دورتموند، ستتضارب خمسة او ستة أندية من الدوري السوبر المنتشية بمداخيل كبيرة، على ضم النجم النرويجي لينتهي بشرائه بـ300 مليون، وهكذا ستسير الامور، وبدل ان يكون معدل راتب اللاعب 100 ألف يورو اسبوعيا سيصبح مليون يورو اسبوعيا، وبعد سنوات سيفكر بيريز ولابورتا وأنييلي بحيلة جديدة في جني المزيد من المال لحل أزمة خانقة جديدة، وهكذا دواليك.
كان من الحري على بيريز وأنييلي ولابورتا، وضع كل طاقاتهم معاً لاقناع بقية رؤساء الاندية الـ12، على وضع سقف كحد أعلى لرواتب اللاعبين، وسقف لبدل انتقالات اللاعبين وتحديد نسبة وكلاء اللاعبين، لحل أزماتهم المادية، بدل التفكير الشيطاني في قتل كل الأندية الاوروبية من أجل جشع ثلة من الملوثين، وقبل الدخول في حالة نكران جديدة، على بيريز دائماً أن يتذكر ان أزمة الريال المالية لم يصنعها اليويفا ولا انسحاب الاندية الانكليزية ولا الجماهير الغاضبة، بل تفكيره اللاواقعي الذي كاد أن يدمر كرة القدم.