على الرغم من ان الدولة في العالم العربي ككل فشلت في اختبار الأمن القومي، وتعتمد إلى حد كبير على الحماية الخارجية والتسليح الأجنبي لرد التهديدات، فإن التكلفة الاقتصادية للإنفاق العسكري هي الأعلى بين كل دول العالم. وتحتل ست دول عربية صدارة قائمة الدول العشر الأولى في العالم من حيث التكلفة الاقتصادية للإنفاق العسكري، التي تقاس بنسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أن الإنفاق العسكري يمثل عبئا ثقيلا على التنمية الاقتصادية، نظرا لأنه يقتطع نسبة كبيرة من الناتج ويخصصها للمشتريات العسكرية وتمويل الاحتياجات المتزايدة للمؤسسات العسكرية.
وطبقا لأحدث الإحصاءات فإن الدول العربية التي تأتي بين أكبر 10 دول من حيث عبء الإنفاق العسكري عام 2020 هي سلطنة عمان، بقيمة 6.7 مليار دولار بنسبة11 في المئة من الناتج المحلي، والسعودية بقيمة 57.5 مليار دولار بنسبة 8.6 في المئة، والجزائر بقيمة 9.7 مليار دولار بنسبة 6.7 في المئة، والكويت بقيمة 6.9 مليار دولار بنسبة 6.5 في المئة، والأردن بقيمة 2.1 مليار دولار بنسبة 5 في المئة، والمغرب 4.8 مليار دولار بنسبة 4.3 في المئة. أما الدول الأربع الأخرى فهي إسرائيل بقيمة 21.7 مليار دولار بنسبة 5.6 في المئة، وبلغت النسبة في أذربيجان 5.4 في المئة، وأرمينيا 4.9 في المئة (بسبب الحرب بينهما) ثم روسيا التي بلغ إنفاقها العسكري عام 2020 حوالي 62 مليار دولار بنسبة 4.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وطبقا للتقرير السنوي الذي يصدره معهد أبحاث السلام «سيبري» فإن متوسط الإنفاق العسكري من الناتج في العالم ارتفع في عام كورونا بنسبة 2.4 في المئة مقابل 2.2 في العام 2019 في حين أن الاقتصاد العالمي انكمش بنسبة 4.4 في المئة. وبلغت قيمة الإنفاق العسكري للعالم ككل ما يقرب من 2 تريليون دولار، على الرغم من أن عجز الميزانيات الحكومية ارتفع بنسب مخيفة. ومع ذلك فإن متوسط الإنفاق يخفي تباينا كبيرا بين الدول حول العالم، فهناك 96 دولة تتراوح تكلفة الإنفاق العسكري لديها بين 1 إلى أقل من 3 في المئة، بينما يبلغ 3 في المئة أو أكثر في 24 دولة، وتنفق 30 دولة حول العالم ما يقل عن 1 في المئة من إنتاجها المحلي على الدفاع.
ما هو الإنفاق العسكري؟
يشمل الإنفاق العسكري كل مخصصات شراء الأسلحة والمعدات وصيانتها والتدريب عليها، كما يشمل الإنفاق على الأفراد العاملين في القوات المسلحة واعاشتهم في معسكراتهم، وكذلك الإنفاق على الخدمات اللوجستية المختلفة، ومخصصات البحوث والتطوير. وتعتبر مدفوعات استيراد الأسلحة والذخائر أكبر بنود الإنفاق العسكري للدول العربية. وهذا يعني أن الإنفاق الدفاعي لا يشمل النفقات الأمنية والاستخباراتية التي تمثل جزءا من الإنفاق على الأمن القومي ككل. كذلك يلاحظ تقرير «سيبري» أن القيمة الحقيقية لعقود السلاح لا تظهر بالكامل في أرقام الميزانيات. وربما يعود ذلك إلى حقيقة أن معظم صفقات السلاح يجري توريدها على مدى سنوات وليس في عام واحد فقط. ومع ذلك فإن عدم الشفافية يعتبر الصفة السائدة في أرقام الإنفاق العسكري بشكل عام. وغالبا ما يتم إخفاء بنود كثيرة، كما هو الحال عند شراء ذخائر واكسسوارات إضافية أو برامج تشغيل وأنظمة متطورة للأسلحة المستوردة.
ولا يظهر الإنفاق العسكري قيمة مساهمات القطاعات الاقتصادية للقوات المسلحة أو التمويل الذاتي، التي لا يتم رصدها في الميزانيات الرسمية. وفي بعض الحالات لا يتم ذكر أرقام مشتريات الأسلحة في الميزانيات العسكرية المحلية على الإطلاق، مثلما هو الحال عندما يتكفل طرف ثالث بتمويل تلك الصفقات. وهي حالة شاعت في السنوات الأخيرة في العالم العربي، لدرجة أنها أصبحت مثل (العرف) في بعض الصفقات العسكرية سواء لجيوش حكومية أو لتسليح الجماعات المسلحة غير الحكومية. ويتأثر الإنفاق العسكري بالظروف الاقتصادية السائدة وكذلك بأجواء سباق التسلح والتوتر وحالات الحروب. ويشير توزيع الإنفاق العسكري العالمي إلى استحواذ الخمسة الكبار، الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وبريطانيا، على 62 في المئة من الإنفاق العالمي. ويبلغ نصيب الولايات المتحدة وحدها حوالي 39 في المئة من جملة الإنفاق العسكري للعالم. أما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فقد بلغ نصيبها 7.2 في المئة من الإنفاق العسكري للعالم بقيمة 143 مليار دولار حسب الأرقام الرسمية المنشورة، وهو ما يزيد عن ضعف الإنفاق العسكري لروسيا.
السعودية
تتصدر السعودية قائمة الدول العربية والشرق أوسطية التي تناولها تقرير «سيبري» وتشمل معها كلا من البحرين ومصر وإيران والعراق وإسرائيل والأردن والكويت ولبنان وسلطنة عمان وتركيا. ومن الملاحظ أن هذا الحصر لا يشمل الإمارات لعدم وجود أرقام دقيقة، كما أنه يعتمد على تقدير متوسط للإنفاق العسكري لمصر في حدود 3.8 مليار دولار سنويا. وقد انخفضت قيمة الإنفاق العسكري للسعودية بنسبة 10 في المئة في العام الماضي إلى 57.5 مليار دولار. وجاء هذا الانخفاض بسبب هبوط أسعار النفط. ومن المحتمل أيضا أن يكون وقف الصادرات العسكرية للسعودية من جانب بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا قد أسهم في هذا الانخفاض.
وقد استحوذت السعودية وحدها على نسبة 40.2 في المئة من الإنفاق العسكري الكلي لدول الشرق الأوسط عام 2020 وما يقرب من 3 في المئة من العالم، وجاءت في المركز السادس بعد بريطانيا بعد أن كانت في المركز الخامس في العام الماضي، وفي المركز الثالث عالميا في العام 2018. ومن الملاحظ أن الإنفاق العسكري للسعودية كان قد سجل زيادات سريعة في السنوات الأربع السابقة لحرب اليمن بلغت 63 في المئة أي بمتوسط يزيد عن 15 في المئة سنويا، لكن هبوط أسعار النفط منذ النصف الثاني للعام 2014 أدى إلى أن تخف حمى شراء الأسلحة قبل أن تقفز من جديد بسبب العقود الضخمة التي ارتبطت بها الســـعودية في عام 2017 مع الولايـــات المتحدة بمئات المليارات من الدولارات، والتي ستترك في حال تنفيذها أثرها بالزيادة على الإنفاق العسكري في الأعوام المقبلة.
صادرات السلاح الإسرائيلية
وجاءت اسرائيل بعد السعودية بقيمة 21.7 مليار دولار بزيادة 2.7 في المئة عن العام السابق، تليها تركيا وإيران والجزائر والعراق، ثم سلطنة عمان التي تقع داخل أشد المناطق خطورة في الشرق الأوسط حاليا، حيث تطل على مضيق هرمز في الشرق وبحر العرب والمحيط الهندي في الجنوب واليمن في الغرب، وهو ما يفسر المستوى المرتفع للإنفاق العسكري منسوبا إلى الناتج المحلي 11 في المئة، بقيمة 6.7 مليار دولار بزيادة طفيفة عن العام الماضي. ومن الملاحظ أن الدول الشرق أوسطية غير العربية مثل إسرائيل وتركيا وإيران تحافظ بشكل عام على مستوى للإنفاق العسكري المعلن رسميا يتراوح بين2 إلى 3 في المئة من الناتج المحلي لكل من تركيا وإيران وما يقرب من 6 في المئة لإسرائيل. لكننا يجب أن نلاحظ أن نسبة مهمة من الإنفاق العسكري لإسرائيل تذهب إلى تطوير الصناعات العسكرية وإنتاج أسلحة جديدة، وهو ما يعود عليها بايرادات ضخمة من تصدير السلاح بلغت 7.2 مليار دولار عام 2019.
وتغطي صادرات السلاح الإسرائيلية حاليا نسبة تقترب من 40 في المئة من الإنفاق العسكري، واستحوذت على أكثر من 3 في المئة من سوق السلاح في العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة. كذلك فإن تركيا وإيران قد دخلتا مراحل متطورة في إنتاج أسلحة جديدة مثل الصواريخ والطائرات المسيرة والمدرعات، وهي تطمح في تصديرها للخارج.
دبلوماسية السلاح
الدول العربية الواقعة على خطوط الصراع الرئيسية تعتمد على الأسلحة المستوردة، كما أنها تستخدم سياسة المشتريات العسكرية بصفتها أداة من أدوات الرشوة السياسية التي يتم تقديمها للدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن والقوى العالمية الرئيسية بما في ذلك روسيا والصين. ومن الملاحظ أن سياسة استخدام المشتريات العسكرية لرشوة القوى الرئيسية في العالم قد بدأت بعد احتلال العراق للكويت في عام 1990 وحاجة السعودية إلى استصدار قرار من مجلس الأمن بتشكيل قوة دولية لتحرير الكويت. ومن أجل ضمان صدور مثل هذا القرار فإن السعودية والدول الخليجية فتحت صفحة جديدة من العلاقات الدبلوماسية مع موسكو وبكين، لعبت فيها دبلوماسية السلاح دورا رئيسيا. وتستحوذ روسيا والصين على حصة رئيسية من سوق السلاح في الشرق الأوسط، زادت كثيرا في السنوات الخمس الأخيرة، خصوصا على ضوء زيادة الصادرات إلى مصر وتركيا وإيران والجزائر والإمارات.
ومن الملاحظ زيادة في المشتريات الخليجية (السعودية والإمارات على وجه الخصوص) للأسلحة والذخائر من الصين وروسيا بصرف النظر عن مدى الحاجة إليها. وفي بعض الأحيان يتم الشراء لصالح طرف ثالث، كما تفعل الإمارات في ليبيا وكما تفعل السعودية في اليمن. ومن الناحية التكتيكية تلجأ دول الخليج أيضا إلى استخدام دبلوماسية السلاح لإثبات قدرتها على شراء السلاح من روسيا والصين، ردا على الضغوط الأمريكية والأوروبية في حال وجود خلافات سياسية، كما هو الحال فيما يتعلق بالضغوط على السعودية بسبب حرب اليمن وملفات حقوق الإنسان في الوقت الحاضر. وقد أثمر هذا التكتيك بالفعل، وأدى إلى إنهاء تجميد بعض صفقات الأسلحة، والافراج عن المعدات فقط مثل الطائرات، مع بقاء الحظر على الذخائر والأنظمة المتقدمة.
وفي إطار دبلوماسية السلاح كذلك تحاول دول مثل السعودية ومصر تصنيع بعض الأسلحة محليا بالتعاون مع الدول والشركات المنتجة. وترتبط كل من الدولتين باتفاقيات لتصنيع الأسلحة أو مكوناتها محليا مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا منذ ثمانينات القرن الماضي، كما وقعت مصر أخيرا اتفاقات مع كل من ألمانيا وإيطاليا لتصنيع السفن الحربية وزوارق الصواريخ. وتعتبر سياسة توطين الصناعات العسكرية إحدى وسائل تخفيف التكلفة الاقتصادية للإنفاق العسكري، بل واستخدام الصناعات العسكرية لتنويع الاقتصاد وزيادة قوته.