القاهرة ـ «القدس العربي»: دعت وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي، أمس الجمعة، إلى “اتفاق قانوني” بخصوص سد النهضة يخاطب مصالح ومخاوف الأطراف الثلاثة. وفيما حث السفير المصري لدى واشنطن، معتز زهران، الولايات المتحدة على التدخل لإنقاذ مفاوضات سد “النهضة” المتعثرة، معتبرا أنها الوحيدة القادرة على تحقيق اختراق بالخصوص، أكدت أحزاب معارضة مصرية أن “استخدام القوة حق مشروع للحفاظ على حصة مصر من النيل إذا فشل التفاوض”.
كلام المهدي جاء لدى لقائها الرئيس الكيني أوهورو كينياتا، في العاصمة نيروبي، في مستهل جولة أفريقية تجريها لشرح موقف السودان من مفاوضات السد، حسب ما نقلته الوزيرة عبر صفحتها على فيسبوك.
وقالت: “بدأنا من كينيا، حيث التقيت الرئيس أوهورو كينياتا، ووزيرة خارجيته راتشيل أومامو”.
وأضافت: “سد النهضة يمكن أن يصبح مدخلا لتنمية إقليمية وتكامل إقليمي تستفيد منه كل دول حوض النيل الشرقي ومصدرا لرفاهية شعوب المنطقة عبر التوصل لاتفاق قانوني يخاطب مصالح ومخاوف الأطراف الثلاثة” .
والخميس وصلت المهدي كينيا في إطار جولتها الأفريقية التي تشمل الكونغو الديمقراطية ورواندا وأوغندا، بغرض شرح موقف بلادها من السد الإثيوبي.
«تحقيق اختراق»
في الموازاة، دعا السفير المصري لدى واشنطن معتز زهران، الجمعة، الولايات المتحدة إلى التدخل لإنقاذ مفاوضات سد “النهضة” المتعثرة، معتبرا أنها الوحيدة القادرة على تحقيق اختراق بالخصوص.
جاء ذلك في مقال نشره في مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، بعنوان “وحدها واشنطن تستطيع إنقاذ مفاوضات سد النهضة الآن” .
وقال زهران إن “إثيوبيا احبطت عملية وساطة أخرى، هذه المرة بقيادة الاتحاد الأفريقي، لحل أزمة متصاعدة على نهر النيل حيث تقوم إثيوبيا ببناء سد النهضة الضخم، والذي من شأنه أن يعرقل مصدرا رئيسيا للمياه لمصر والسودان”.
«الخط الأحمر«
وأضاف: “مع اقتراب إثيوبيا من تنفيذ الملء الثاني لخزان السد من جانب واحد، وبالتالي تجاوز (الخط الأحمر) الذي حدده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، باتت هناك حاجة لوساطة الولايات المتحدة من أجل الوصول إلى حل سلمي لمنع الاضطرابات في المنطقة” .
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، عينت الولايات المتحدة الدبلوماسي المخضرم جيفري فيلتمان كمبعوث خاص للقرن الأفريقي، وكلفته بعدة مهام بينها معالجة الخلاف حول سد “النهضة” .
ومضى زهران قائلا: “يعيش 50% من المصريين حاليا تحت خط الفقر المائي؛ بسبب قلة هطول الأمطار السنوية، وبالتالي فإن ملء وتشغيل السد من جانب واحد، قد تنجم عنهما أضرار اجتماعية واقتصادية وبيئية لا تحصى في مصر والسودان”.
ومساء الخميس، أعربت الحركة المدنية الديمقراطية المعارضة في مصر عن دعمها الكامل لكل توجه يستهدف الحفاظ على حقوق مصر في نهر النيل.
شريان حياة مصر
وقالت الحركة، التي تتشكل من عدد من أحزاب المعارضة هي تيار الكرامة والدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي والعيش والحرية تحت التأسيس، في بيان ، إن نهر النيل يمثل قلب وشريان حياة مصر، تدفق بحرية عبر التاريخ ليروي الحضارة والأرض والزرع والبشر.
واعتبرت أن الإلحاح الإثيوبي على خصخصة النهر والقبض على محبسه وتحويله لنهر إثيوبي وتحويل مصر والسودان إلى مصرف أو بحيرة تابعة يمثل تهديدا وجوديا يمس الحق في الحياة والمياه والسيادة والمكانة بالمخالفة للتاريخ والجغرافيا والقانون الدولي الذي يؤكد مبدأ الإدارة والسيادة المشتركة للدول المتشاطئة للأنهار الدولية.
وأضاف البيان: الأضرار التي تصيب مصر والسودان لا تقاس أساسا بالمتر واللتر وقواعد الملء والتشغيل وحدها، بل تتركز أساسا في الالتزام بالمرجعية التفاوضية الخاصة بحقوق دول المصب في الإدارة والسيادة المشتركة، وهي المرجعية التي تيسر حل أي خلافات خاصة بقواعد الملء والتشغيل أو حصص الأطراف.
وزاد: الأزمة في جوهرها تتصل بالإنكار الإثيوبي لمبدأ الإدارة والسيادة المشتركة على النهر، وهي المرجعية التي يقرها القانون الدولي، وتتجاهلها أديس أبابا بكل عناد رغم الاقتراحات المصرية السودانية المتكررة التي تحقق لإثيوبيا أغراضها المعلنة في تحقيق احتياجاتها من الطاقة، دون إلحاق الضرر بمصر والسودان، ودون التحكم والهيمنة المنفردة على النهر.
مراجعة الاتفاقات
وتابع البيان: انطلاقا من حجم التهديد والخطر وبناء على خبرة سنوات طويلة من التفاوض، تدعو الحركة المدنية، الإدارة المصرية ومجلس النواب إلى مراجعة أي اتفاقيات أو تفاهمات أو أطر خاصة بهذه المفاوضات تتناقض مع الإطار المرجعي الذي يقره القانون الدولي الخاص بالإدارة المشتركة للنهر وضرورة احترام الاتفاقيات الدولية.
وزاد: الحركة المدنية الديمقراطية في هذا السياق، تؤكد على حرص الدولة والشعب المصري على أطيب العلاقات مع الشعب الإثيوبي وكل الشعوب الأفريقية التي جمعتنا بها أوثق الروابط وتؤكد على ضرورة أن يكون نهر النيل مجالا للتعاون بين كل شعوب حوض النيل ولمصلحتها جميعا، ومصر لا تعترض على ما يحقق التنمية للشعب الإثيوبي، واضعين في الاعتبار أن نهر النيل نهر دولي ولا يجب أن تحتكر أي دولة إدارته لصالحها فقط وتتجاهل مصالح الآخرين.
وأكد أن انفراد دولة بإدارة النيل الأزرق، أحد فروع نهر النيل، هو سابقة خطيرة في تاريخ إدارة الأنهار الدولية.
وتابع: كان الأمل أن تنجح المفاوضات التي جرت في إطار الاتحاد الأفريقي في أن تشكل إنجازا كبيرا للاتحاد وعلى قدرته على حل مشاكل أفريقية في إطار أفريقي ولكن تعنت الحكومة الإثيوبية وتراجعها عن اتفاقات سابقة مثل ما وصل إليه مكتب استشاري أو التعهد بعدم المضي إلى ملء بحيرة السد دون توافق الدول الأعضاء سبب ضربة للاتحاد الأفريقي وقدرته على التسوية السلمية لخلافات بين دول أفريقية تتحمل مسؤوليتها حكومة إثيوبيا.
وزاد البيان: ليس من الصحيح أن الاتفاقيات التي نظمت استخدام مياه النيل الأزرق بين دول مشاطئة هي اتفاقيات استعمارية، فقد وقعت حكومة إثيوبيا المستقلة على واحدة منها عام 1902 وتعهدت بعد ذلك أيضا في عام 1995 بعدم الإضرار بمصر، كما أن ما يثار عن الحصص العادلة يتجاهل أن إثيوبيا تعتمد على الأمطار، ولا تعاني من أزمة مياه، كما يتجاهل القبول المصري والسوداني الكامل بحق إثيوبيا في توليد الطاقة وهو الغرض الأساسي للسد، ولكن إثيوبيا حولت مصدر الطاقة إلى مخزن مياه وضاعفت سعة السد أكثر من ثلاثة أضعاف دون مبرر، لا لتوليد الطاقة أو تخزين المياه، في توجهات كاشفة لنوايا حكام أديس أبابا في التحكم في النهر ومحبسه، وإضعاف وتهميش وتقزيم دول المصب، بما يشبه إعلان حرب.
وتابع: نحنً ومع تأكيدنا المستمر على الرغبة في حل تفاوضي تسد إثيوبيا أفقه واحتمالاته نؤكد على حقنا المشروع في استخدام كل موارد القوة، بما في ذلك القوة العسكرية، للدفاع عن الحق في المياه والحياة، في إطار الحق الشرعي في الدفاع عن النفس، كما نؤكد رفضنا لتسعير المياه أو تغيير خريطة دول الحوض بضم أطراف جديدة.
وعبرت الحركة، في بيانها، عن أملها بأن يكون تضامن الشعوب الأفريقية وشعوب العالم معنا حافزا للحكومة الإثيوبية للمساهمة في الوصول إلى تسوية للخلاف الدائر حول السد وقواعد إدارته المشتركة وملئه وتشغيله وسلامته وأمانه في كل الأوقات على نحو مرض لأطراف المفاوضات الثلاثة، وإن تعدل الحكومةً الإثيوبية عن توجهاتها للهيمنة وإخضاع النهر لهيمنتها المنفردة.
وأكدت في بيانها، على أن خيارها هو دعم كل فرص متاحة للتعاون المصري الإثيوبي والأفريقي، وعلى وحدة الشعب المصري بكل تياراته في مواجهة التهديد لحقه في الحياة والمياه والسيادة.
تصعيد إثيوبي
وصعدت إثيوبيا من لهجتها ضد مصر في الوقت الذي لم يبق سوى شهرين على موسم الفيضان الذي أعلنت إثيوبيا تمسكها باستغلاله في الملء الثاني لخزان سد النهضة، في وقت تؤكد مصر أنها لن تتنازل عن قطرة واحدة من حصتها في مياه النيل، وتؤكد ضرورة التوصل لاتفاق ملزم لعملية ملء وتشغيل السد.
آخر تصعيد جاء على لسان وزير الخارجية الإثيوبي رضوان حسين، الذي وصف مطالب مصر بشأن سد النهضة بـ”غير العقلانية”.
وقال إن جميع مخاوف السودان تمت معالجتها، بينما مطالب مصر ليست “عقلانية” بشأن سد النهضة.
وأضاف أنه يجب على المجتمع الدولي أن يفهم أن جميع مخاوف السودان قد تمت معالجتها بشكل مناسب، بينما مصر استمرت في طرح مطالباتها غير العقلانية بحماية معاهدات الحقبة الاستعمارية.
ولفت خلال إطلاعه سفراء الدول الآسيوية في إثيوبيا على الأوضاع الحالية في البلاد إلى الأسباب الرئيسية التي قال إنها عرقلت المحادثات بسبب المزاعم غير العقلانية لمصر وتحركات السودان.
وتابع: إثيوبيا تأمل في أن تؤدي العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي إلى حل مربح للجانبين، يأخذ في الاعتبار رفض البلاد التوقيع على اتفاق يحرم الأجيال القادمة من حقوقها في التنمية.
ولا تزال إثيوبيا تعبر عن عزمها البدء في المرحلة الثانية من ملء خزان السد في موسم الأمطار، خلال شهري يوليو/ موز وأغسطس/ آب المقبلين، ما يهدد إمدادات المياه لمصر والسودان. وتتفاوض الدول الثلاث منذ 2011 للوصول إلى اتفاق حول ملء السد وتشغيله، لكنها رغم مرور هذه السنوات أخفقت في الوصول إلى اتفاق.
وتبني إثيوبيا السد على النيل الأزرق الذي ينضم إلى النيل الأبيض في السودان لتشكيل نهر النيل الذي يعبر مصر. وترى أنه ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية، في حين تعتبره مصر تهديدا حيويا لها، إذ تحصل على 90 ٪ من مياه الري والشرب من نهر النيل.