كارلوس غصن وفيليب رييس في «حان وقت الحقيقة ـ كارلوس غصن يتكلم» لن أستسلم لمشيئة خصومي وأشكر الداعمين لي

سمير ناصيف
حجم الخط
0

في منتصف أيار (مايو) 2021 ستأتي لجنة تحقيق فرنسية إلى لبنان للاستماع إلى ما يدلي به رجل الأعمال اللبناني ـ الفرنسي ـ البرازيلي الجنسية كارلوس غصن حول عملية اعتقاله في مطار ياباني في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 واستطاعته الفرار من الاعتقال في اليابان إلى لبنان في أواخر عام 2019 حيث يمكث حالياً وتحميه جنسيته اللبنانية والدعم الذي تلقاه ويتلقاه من عدد كبير من اللبنانيين، رسمياً وشعبياً، بسبب المعاملة السيئة التي تلقاها في السجون والمحاكم اليابانية وفي وسائل الإعلام اليابانية والعالمية خلال احتجازه كمتهم بجريمة مدنية ـ سياسية ـ تجارية في سجن ياباني لأشهر طويلة قبل فراره من البلد الذي مارسَ ضده سياسة قمعية قاسية ربما ترتبط (حسب الكتاب) بتاريخ اليابان في التعامل مع الشعوب الأخرى في الحروب منذ مجزرة «بيرل هاربور» ضد أمريكا في الحرب العالمية الثانية ومنذ التحالف الياباني مع نظام أدولف هتلر الألماني في تلك الحرب وتنكيلهما بالمعتقلين من قوات الحلفاء آنذاك، الذين عوملوا بقساوة ووحشية بالغتين. بعد المراجعة في العدد الأسبوعي لـ»القدس العربي» لكتاب «الهارب» في الأشهر الماضية، وتناولها موضوع اعتقال رجل الأعمال اللبناني كارلوس غصن، صدرَ مؤخراً كتاب لغصن نفسه بالاشتراك مع المراسل السابق لـ»وكالة الصحافة الفرنسية» في اليابان فيليب رييس بعنوان: «حانَ وقت الحقيقة» يفضح فيه الكاتبان عدداً من الافتراءات حول اعتقال غصن في طوكيو في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 لدى هبوطه في المطار الياباني بتهم معظمها مفبرك ومرتبط بقرارات محرفة اضطر إلى اتخاذها المؤلف (منقذ شركة نيسان اليابانية من الإفلاس في عام 1999) وحصل من خلالها على دعم من رجال أعمال خليجيين عرب زودوه بكفالات أمام مصارف يابانية لإنقاذه من الإفلاس ولإنقاذ شركته من خسارته كقائد ناجح لها لدى إنهيار شركة «ليمان» الأمريكية مالياً، التي تعامل معها وبعد أن جفت ممتلكاته النقدية نتيجة لإفلاس تلك الشركة. رجال الأعمال العرب الداعمون لغصن كانوا يردون الجميل له ولشركة نيسان اليابانية على مساهمتهما في إنجاح عملياتهم التجارية في الخليج وإزالة نهج مختلف وفاشل في العمل كانت تعتمده شركات خليجية تمتلك وكالات حصرية من شركة نيسان وقيادتها «التقليدية الكهلة» السابقة التي كانت تتحفز لإقصاء غصن من منصبه ولإذلاله ووضعه في السجن الانفرادي في اليابان من دون أي اعتبار لحقوق الإنسان وللشرائع الدولية في هذا المجال.


يقول فيليب رييس في مقدمة الكتاب: «إن الممارسات التي ارتكبتها السلطة اليابانية تشبه ممارسات ارتكبتها الدولة السوفييتية بقيادة جوزف ستالين ضد أبنائها عندما قرروا معارضتها، كما تشبه الغزو الياباني لمضيق بيرل هاربور الأمريكي في عام 1941 كانون الأول (ديسمبر) إذ لم يتوقع غصن ان تواجهه السلطة اليابانية وأطرافها المنحازة الجنائية والعدلية بالتعاون مع قيادة شركة نيسان الكهلة في مثل هذا الهجوم القمعي النازي. فعندما وصل كارلوس غصن إلى مطار هانيدا الياباني في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 مطمئناً بانه في رحلة عادية للاجتماع مع رجال أعمال في العاصمة اليابانية ومفتخراً بانه أنقذ الشركة من الإفلاس، تم اعتقاله وكأنه مجرم عادي، وعومل بقساوة ووحشية في مكان اعتقاله وتم إذلاله لدفعه للاعتراف بجرائم لم يرتكبها». ويعتبر رييس ما قامت به السلطات اليابانية آنذاك (مدعومة من الخارج) إعلان حرب وجريمة ضد غصن وأمثاله من رجال الأعمال الناجحين في العالم من الذين ينتمون إلى أجناس ومجتمعات مختلفة لم تكن سلطات الدول العنصرية الغنية في العالم تحبذ توسع نفوذها وبالتالي الجريمة ضد غصن هي ضد الإنسانية جمعاء.
ويتساءل: «من نظمَ هذه العملية ومنْ أعطى الضوء الأخضر لها؟». الجواب، ربما يظهر في الصفحات الأخيرة من الكتاب عندما يتناول الكاتبان نجاح غصن في الهروب من اليابان في نهاية عام 2019 بمساعدة رجلّي أمن أمريكيين سابقين تم تسليمهما (مؤخراً) من القيادة الأمريكية الأمنية إلى القيادة اليابانية. فالقيادة اليابانية اعتبرت هروب غصن من اليابان إذلالاً لها. ففي ليلة (29/30) كانون الأول (ديسمبر) 2019 نجح غصن في الهروب من طوكيو والوصول إلى مطار لبنان، رغماً عن أنف القيادة اليابانية وحلفائها في العالم الغربي، وهذه القيادات الغربية ما زالت تحاول إرجاعه إلى اليابان. وكان أحد المحامين اللبنانيين المدافعين عن تجاوزات وممارسات ومواقف شركة (نيسان) اليابانية التي نظمت «المؤامرة» ضد كارلوس غصن، أعلن في مقابلة مع صحيفة عربية خليجية أن اليابان ستجمد أي مساعدات قد تقدمها لـ»صندوق النقد الدولي» المساهمة في دعم لبنان في أزمته الاقتصادية الحادة إذا لم تُسلم السلطات اللبنانية الرسمية موضوع رجل الأعمال غصن إلى القضاء الياباني (ص 460). علماً أن هذا المحامي نفى ما نُسب إليه في تلك الصحيفة، برغم انكشاف قوله المسجل حول هذا الموضوع. ويذكر بأن اليابان من كبار الداعمين الماليين لـ»صندوق النقد الدولي». إذن، فمشروع تحطيم وإقصاء غصن كان سياسياً دولياً قادته دول كانت واقعة تحت مظلة غربية (ربما مظلة أمريكية ـ إسرائيلية مستاءة من دور غصن القيادي في عالم التجارة والصناعة).
يقول الكتاب ان اليابان وضعت فيتو على تقديم مساعدات إلى لبنان عبر «صندوق النقد الدولي» إذا لم يتم تسليم كارلوس غصن إلى طوكيو. وتشير صفحاته إلى ان أي مساعدات إلى لبنان من «صندوق النقد الدولي» سيخضع لتصويت من مجلس إدارة النقد الدولي» ومن المتوقع أن تعارضه طوكيو. كما ان الولايات المتحدة تملك حق الفيتو (حق النقض) في هذا المجال وأنها تستخدم اعتبارات سياسية في اتخاذها قراراتها (ص 461). ويشار إلى أن الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب لم تكترث كثيراً لمصير كارلوس غصن وغضت الطرف عنه هي والإدارة الفرنسية الحالية المتأثرة بمواقف واشنطن، وكان بامكانهما ان تفعلا ما يمكن فعله عندما كان غصن في الاعتقال ولكنهما تجاهلتا الموضوع، كما وردَ في كتاب «الهارب» الصادر سابقاً. أمريكا كانت وما زالت المساهم الأول في «صندوق النقد الدولي» وهي تعتبر اليابان حليفاً وثيقاً لها اقتصادياً وسياسياً. إذن، (فكما يبدو) قضية توقيف وإذلال كارلوس غصن كانت قضية سياسية، غضت الولايات المتحدة وفرنسا الطرف عنها، وما زالت السلطات اليابانية تحاول استغلالها واستخدامها، وعندما عاد غصن إلى لبنان بمساعدة رجلي أمن أمريكيين سابقين في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019 واستقبله لبنان وعائلته بحفاوة، انزعجت اليابان، وإنزعج الذين كانوا وراء قرارات اليابان التعسفية إزاء غصن، وهم ما زالوا يحاولون استرداده إلى سجونهم وأحضانهم القمعية الوحشية التي يصفها الكتاب بالتفصيل خصوصاً في فصله الثاني حيث لم يُسمح لعائلة غصن بزيارته في السجن لأشهر بعد توقيفه، وبعدما اقتحمت جهات أمنية في لبنان وفرنسا والبرازيل الشقق التي يمتلكها غصن بحجة الحصول على أدلة ضده.
أما بالنسبة إلى الدعم الذي قدمه رجال أعمال خليجيون لكارلوس غصن خلال محنة مالية تعرض لها بسبب إنهيار (مؤسسة ليمان الأمريكية) فيتبين من الكتاب أن رجلي الأعمال السعودي خالد الجفّالي والعُماني سهيل البهوان، اللذين تعامل معهما غصن لتوسيع وتنمية أعمال شركة نيسان اليابانية في الخليج وفرا له الكفالة المصرفية لكي لا يُفلس خلال أزمة شركة «ليمان» واعتبرها خصومه في شركة نيسان وهم العنصريون اليابانيون الحاقدون المنتمون إلى «شركة نيسان الكهلة» (حسب ما ورد في الكتاب) تجاوزاً لصلاحياته كرئيس ومدير أعمال الشركة وتحالفاتها مع رينو وميتسوبيشي. ولكن (حسب الكتاب) تبين لاحقاً بان العملية برمتها تندرج في مؤامرة نظموها ضد كارلوس غصن وأن مشروعهم انكشف. الكتاب مؤثراً إنسانياً، وخصوصاً في وصف تأثيره على إحدى بنات غصن عندما أتت إلى اليابان للتفاخر أمام خطيبها بنجاح والدها في أعماله ووجدت نفسها في حالة محرجة جداً أمامه عندما علمت بان والدها محتجزٌ في السجن. وقد اقتحمت مجموعات تابعة للأمن الياباني مكتب المحامي الراحل فادي جبران في لبنان (الصديق الوفي لكارلوس غصن منذ شبابهما ووكيله لفترة) ومارست ضغوطاً غير مقبولة ضد المسؤولة عن المكتب «أمل أبو جودة للاستيلاء على الوثائق ضد غصن من دون ضبط أو منع لذلك من السلطات اللبنانية» (ص 105).
كما اقتحمت السلطات القضائية والأمنية اليابانية مكتب المحامي الياباني هيروناكا في طوكيو (محامي غصن) في كانون الثاني (يناير) 2020 بعد فرار غصن من اليابان، في محاولة متجاوزة لقانون حماية المحامين في العالم من الاستيلاء على وثائقهم القانونية. وكل ذلك تتبعه حاليا محاولات لإعادة استجواب غصن بدلاً من استجواب الحكومة اليابانية وممارساتها القمعية المتجاوزة لحقوق الإنسان، منذ عهد دونالد ترامب المنزعج من نجاح غصن تجارياً واقتصادياً في تعزيز دور أوروبا في صناعة وتطوير وتعزيز الاستثمار في قطاع السيارات الأوروبي ـ الآسيوي على حساب دور أمريكا.
أما عهد الرئيس جوزف بايدن، فما زال في دوامة في كثير من الشؤون. وأكثر ما فعله حتى الساعة في قضية غصن أنه سلم العنصرين الأمنيين الأمريكيين اللذين ساعدا غصن على الهرب من «المحرقة اليابانية» وإعادته إلى سلطات طوكيو تحت حجة أفضلية مصالح أمريكا مع اليابان وعدم اغضاب السلطة اليابانية ومحاكمها العدلية.
إذا كانت حكومة اليابان وبدعم من المنطق الرأسمالي العالمي المتوحش الممارس من قبل الدول الرأسمالية الغنية ومن توابعها كـ»صندوق النقد الدولي» و»البنك الدولي» ستمارس الابتزاز لاسترجاع كارلوس غصن إلى اليابان وللاستمرار في عملية تدميره، فهناك قوى أخرى في العالم حالياً ستمنع حدوث ذلك بشتى الوسائل.
كارلوس غصن، ليس وحيداً في رفض مثل هذا الابتزاز ولكن أكثرية اللبنانيين والفرنسيين والبرازيليين الذين افتخروا بانجازاته كرئيس لشركة رينو ـ نيسان ـ ميتسوبيشي وكرجل أعمال من العالم الثالث صعد بفضل مواهبه وانجازاته إلى قيادة تلك المجموعة، وأنقذها من الإفلاس وجعلها قيادية في حقلها ولكنه يدفع ثمن ذلك لكونه ليس من الأصل الاثني والعنصري المطلوب ممكن يتحكمون بالعالم حالياً!
وهذا أمر سيصعب تمريره بسهولة.

Carlos Ghosn, Philippe Riès: «Le temps de la vérité«

Librarie Antoine, Beyrouth 2020

473 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية