من قلب الأحياء الشعبية والأرياف المهمشة في تونس تجارب مضيئة ونماذج ناجحة رغم كل الصعوبات

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-»القدس العربي»:  وسط العتمة التي تعيش فيها تونس جراء تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والصحية والتربوية والثقافية وغيرها بسبب طبقة سياسية من الهواة عجزت عن إيجاد المعادلة الكفيلة بالإقلاع بالبلد، تبرز نقاط مضيئة في أكثر من مكان بمختلف جهات الجمهورية. ويتعلق الأمر بمبادرات خاصة وفردية في الأحياء الفقيرة والمهمشة والأرياف لا علاقة للمؤسسات الرسمية للدولة بها، وهي التي غرقت في الرداءة ولم يعد يصدر عنها ما يسر التونسيين.
وتعددت هذه المبادرات وتنوعت، فمنها ما هو ثقافي تربوي، ومنها ترفيهي، وعلمي بحثي، ومنها صناعي وخدماتي، وجدت جميعا لتؤكد أن في تونس فئات اجتماعية حية اعتادت على الخلق والتحدي والإنجاز في غياب الدولة التي استقلت عن لعب عديد الأدوار. ولعل الجامع بين هذه المبادرات جميعا أن الشباب هو الذي فكر وابتدع وأنجز ونجح فيها محققا نتائج ملموسة على الميدان لفتت إليها الأنظار ودفعت بالكثيرين إلى النسج على منوالها.

مقهى ثقافي نسائي

من قلب حي هلال الشعبي الذي يتاخم وسط العاصمة التونسية أسست الناشطة المدنية درصاف اليعقوبي رئيسة جمعية المساندة الاجتماعية في الحيّ هلال المقهى الثقافي النسائي، وهو مقهى خاص للنساء يقدم نشاطات دعم وتوعية وتثقيف للمرأة في الأحياء الشعبية. عن بدايات تأسيس هذا المقهى تجيب درصاف اليعقوبي صاحبة المبادرة لـ «القدس العربي « بالقول: «بدأت الفكرة من منطلق من أن حي هلال هو حي شعبي ومهمش فلماذا لا يتوفر فيه فضاء ومساحة ترفيهية وثقافية خاصة بالنساء ندافع من خلالها عن حقوقهن وكذلك نقدم لهن من خلاله خدمات ترفيهية وتثقيفية مثل الدورات التكوينية والمطالعة من خلال الاستفادة من المكتبة الموجودة في المقهى وذلك ليتاح للمرأة في هذا الحي الاطلاع على آخر الكتب والإرتقاء بذواتهن؟».
أما عن تفاعل النساء فقالت محدثتنا: «هناك تفاعل كبير وإيجابي من الجميع وخاصة ان المقهى يقع في وسط الحي وقريب من المنازل وقد خصصناه للنساء ليس من منطلق التفرقة بين الرجال والنساء ولكن من منطلق ضرورة ان يكون للمرأة كيانها الخاص مثلما للرجال مقاهيهم الخاصة. فيكفي ان تجلس المرأة في ذلك المقهى لقراءة كتاب والاطلاع على ما يحصل لتتغير فكرتها عن المجتمع ويتكون لديها وعي جديد بأهمية الانفتاح والاطلاع حتى تعود إلى بيتها بشعور جديد وبطاقة مليئة بالايجابية. وهذا ينعكس إيجابا على علاقتها بأسرتها، مع أولادها وزوجها ويقلل من الضغط النفسي والاجتماعي بسبب ظروف الحياة الصعبة التي يواجهها أبناء وبنات تلك المناطق المهمشة».
أما عن الإقبال على المقهى فتؤكد محدثتنا بأن هناك تفاعلا كبيرا من قبل كل الفئات العمرية والاجتماعية سواء العادية أو المثقفة، فهناك المرأة العاملة والمدرسة والطبيبة وكلهن سواسية في المقهى ويجلسن مع بعضهن لتبادل الآراء والأفكار. وتضيف «ان النساء مناضلات وأية امرأة عاملة من أجل أسرتها هي مناضلة وهي متساوية مع المحامية والدكتورة الجامعية وغيرها، وهذا ما يصبو إليه المقهى الثقافي أي تحقيق المساواة بين الجميع. وبعد مرور ستة أشهر على انطلاق المقهى الثقافي أؤكد بان التجربة ناجحة جدا وأخذت صدى كبيرا».

أنشطة متعددة
أما عن نشاطات المقهى فقالت: «لدينا أنشطة متعددة مثل دورات التكوين المهني والحرفي للنساء، على غرار تعلم صناعة الفخار التراثي التونسي وتطوير المهارات. وهناك مدربون نفسيون من مركز رعاية الأم والطفل يقدمون محاضرات عن علاقة الأم بالطفل». وتوضح «لهذه الدورات التدريبية أهمية خاصة بالنظر إلى ان جلّ المشاكل في الأحياء الشعبية تتعلق بالانحراف، ونحن دورنا يتمثل بالأساس في إبعاد الأطفال والناشئة عن مناخ الانحرافات بأشكالها المتعددة مثل المخدرات والجريمة وغيرها. لذلك يجب أن نهيئ الأم التي هي مدرسة تربي الأجيال، عندها نساهم في تطوير عقليتها ونقوم بتوعيتها بالظروف والأسباب التي تؤدي بالطفل إلى الانحراف وكيفية تعاملها مع طفلها لتفادي المشاكل، نكون هنا قد ساهمنا في إبعاد الأطفال عن خطر الانحراف. وقد قمنا بعديد الندوات التوعوية عن مخاطر الانقطاع الدراسي وهي ظاهرة متفشية جدا في الأحياء الشعبية، سواء في حي هلال وغيره. فالأم يجب ان تسهر وتجتهد لتوفر كل الظروف لدراسة أبنائها من خلال التكوين وغيره لكي لا تترك أطفالها فريسة لمتاهات الشارع».
وأكدت محدثتنا بأن نشاطات المقهى تتمّ بمبادرة فردية وبدون أي دعم حكومي وبدعم من زوجها. وعلاوة على نشاطات المقهى الثقافي فإن الناشطة المدنية درصاف أيضا مشرفة على نادي المواطنة في المعهد العربي لحقوق الإنسان وهو جزء من المقهى الثقافي وتوضح بالقول: «تأسس نادي المواطنة منذ ثلاث سنوات وهو ملاصق لمبنى المعهد العربي لحقوق الإنسان وبمبادرة خاصة من رئيس المعهد عبد الباسط بن حسن وهو يتكفل بالأطفال من منطقة حي هلال والأحياء المتاخمة له باعتبار ان هذه الأحياء تفتقر إلى نوادي الثقافة والشباب ولا تتوفر على فضاء ينمي فيه الطفل طاقته ومواهبه المدفونة.
ونحن اليوم نتكفل بـ 200 طفل وطفلة نقدم لهم نشاطات ثقافية وترفيهية هادفة متعددة مثل البراعة اليدوية والرسم والمطالعة والمسرح. واليوم أصبح لهؤلاء الأطفال برنامج إذاعي خاص بهم يتحدثون فيه عن حقوقهم وعن مطالبهم في إذاعة السيدة اف ام، وهي أول إذاعة حقوقية في العالم العربي. ورغم تفشي وباء كورونا وما فرضه من حجر صحي وتأثيره السلبي على الأنشطة الثقافية، إلا أننا لا نزال مستمرين لان هناك طلبا كبيرا على الالتحاق بالنادي».
تحديات وصعوبات

وعن أهم التحديات والصعوبات التي تواجه المرأة والأطفال والشباب في الأحياء الشعبية فتوضح محدثتنا: «مشاكل الفقر هي الطاغية على هذه الأحياء الشعبية وهي التي تدفع بالأطفال إلى الانحراف. وأؤكد على انه ليس هناك طفل يولد سيئا بل الظروف الاجتماعية التي ينشأ فيها هي التي تجعل منه مواطنا صالحا أو سيئا. وحي هلال يفتقر إلى أبسط الأنشطة الترفيهية وللأسف لديه سمعة سيئة طاغية عليه وهذا ما يجعل أبناءه يلاقون صعوبة في الاندماج سواء في العمل أو غيره بسبب النظرة السلبية إليهم، وهي نظرة خاطئة لان هذا الحي هو تجمع سكاني عادي مثل كل الأحياء التونسية وفيه المواطنون الصالحون والإيجابيون وفيه السيئون وهذا موجود في كل مكان.
يوجد في هذا الحي المناضلون الذين يعملون لتأمين قوت يومهم بشرف وكرامة. وقد قمنا بعمل جبار بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان لتغيير الصورة السلبية إزاء هذا الحي. وبدأت بالفعل الفكرة تتغير بسبب جهود المتدخلين سواء جمعية المساندة الاجتماعية أو المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي يقع مقره في مدخل هذا الحي الشعبي».
ولفتت إلى انه إلى جانب المقهى الثقافي فإن هناك نشاطات أخرى تقدم لأبناء حي هلال من خلال جمعية المساندة الاجتماعية التي تأسست في 2013 وهي جمعية اجتماعية تًعنى بالعائلات المعوزة وتتكفل بجميع الحالات الصعبة مثل ذوي الاحتياجات الخاصة أو النساء أصحاب الوضعيات الصعبة والمطلقات والأرامل وذوي الدخل المحدود وكبار السن. حيث تقدم الجمعية على مدار السنة أنشطة متعددة مثل موائد الإفطار في شهر رمضان وبمبادرات فردية».
وتضيف اليعقوبي: «نحن نحاول أيضا تأمين العودة المدرسية لأبناء الحي من خلال تقديم الدعم للعائلات المعوزة وتوفير الأدوات الدراسية للحد من الانقطاع الدراسي. فنحن جمعية تتكلم باسم حي هلال وتحاول إيصال أصوات أبنائه وهنا أركز على دور النساء اللواتي قمنّ بعمل جبار. وكمواطنة تونسية أساعد الدولة في مهامها وفي تقديم الدعم لمواطنيها في الأحياء المهمشة ولكن بالمقابل الدولة لا تدعمنا بل بالعكس تثقل كاهلنا بأداءات وضرائب رغم أنه ليس لدينا أي موارد.
نحن جمعية خيرية ونعمل بتمويلات فردية من أبناء وبنات الحي لمدة عشر سنوات دون انقطاع ونحاول ان نحل مشاكل الحي. وسلاحنا الوحيد هو الإرادة والايمان لكي نصنع من الضعف قوة ونتقدم. ولن نستسلم ولن نقف وسنظل نحاول النهوض بالحي وبكل الأحياء الشعبية ببلادنا يدا بيد وكلنا إيمان بان بلدنا سيصبح أفضل بسواعد أبنائه وبناته ونسائه ورجاله، ورغم كل الأزمات الصعبة سننتصر بالتأكيد».
تحدي الإرهاب
ومن أهم المبادرات الخاصة التي أثرت كثيرا في محيطها إلى حد كبير المركز الثقافي بجبل سمامة من ولاية القصرين بالوسط الغربي للبلاد التونسية والتي تضم جبالا أخرى على غرار جبل الشعانبي وجبل مغيلة وغيرها. وقد تحولت هذه المنطقة في العشرية الأخيرة إلى بؤرة للإرهاب استقرت فيها الجماعات التكفيرية وجعلتها قاعدة تنطلق منها لإنجاز عملياتها التي تستهدف أمن تونس، وحتى جارتها الجزائر باعتبار أن المنطقة حدودية والإرهابيون ينسقون فيما بينهم في كلا البلدين.
لكن أصحاب هذه المبادرة كان لهم رأي مخالف وأرادوا أن يرجعوا إلى جبل سمامة هيبته وارتباطه بكل ماهو نبيل في الماضي المليء بالبطولات، حيث كانت هذه المنطقة الريفية الجبلية النائية منطلقا للثورة التونسية المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي. فمن تلك الربوع الخضراء التي يقطنها أناس طيبون، أطلق المناضل التونسي الأزهر الشرايطي الملقب بأسد جبل عرباطة أول رصاصة في تلك الثورة التي توجت باستقلال تونس ورحيل الفرنسيين عنها.
وبما أن الدولة التونسية لم تهتم ماضيا وحاضرا بتلك الربوع فقد أنشأ ابنها عدنان الهلالي بدعم من بعض الخيرين مركزا ثقافيا أشع على سكان المنطقة وانتشل أبناءها من خطر الالتحاق بالتنظيمات التكفيرية وذلك من خلال مختلف الأنشطة التي وفرها في هذا المركز النموذجي. فقد بات بإمكان سكان ريف جبل سمامة الإقبال بنهم لمطالعة الكتب التي توفرها مكتبة المركز وممارسة هوايات عديدة على غرار الرسم والبراعة اليدوية ورياضة كرة السلة وغيرها. وبات بإمكانهم أيضا حضور العروض المسرحية والسينمائية والغنائية الملتزمة مع إمكانية الإنخراط في مختلف النوادي. كما مكن المركز أبناء سمامة من الالتقاء بشخصيات تونسية وأجنبية هامة سياسية وثقافية وغيرها زارت المركز بمناسبة نشاط ما أو للتعرف عليه عن كثب بعد أن ذاع صيته.
ولم ينس المركز غرس حب فلسطين في أبناء المنطقة من خلال الأنشطة التي ينجزها تضامنا مع القضية على غرار إحياء ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمود درويش في هضبة أقيم عليها المركز وسميت باسمه. في تلك المناسبات يلتقي بعض أفراد الجالية الفلسطينية ومثقفوها بأبناء جبل سمامة متحدين رصاص وألغام الجماعات التكفيرية وتقام أمسية شعرية وفنية تلقى فيها قصائد محمود درويش وشعراء آخرين وتنشد فيها أغان فلسطينية وأخرى لمارسيل خليفة وغيره وذلك في مسرح الهواء الطلق الصغير الذي تهب عليه نسائم الجبل تحت حراسة عناصر الجيش التونسي وقوات الحرس الوطني.
لقد تحدى الهلالي، الذي لا يمارس أي نشاط سياسي ولا رغبة له بالمناصب الزائلة، الإرهاب في عقر داره بالثقافة وبغرس حب الوطن والحماس للقضايا العادلة في صفوف أبناء جهته، في تلك الجبال المنسية التي تجاهلتها دولة الاستقلال وتواصل تهميشها بعد الثورة ولم تنل إلا الوعود الكاذبة. وتحول المركز الثقافي جبل سمامة الذي أنشئ على قطعة أرض تمتلكها عائلة الهلالي إلى مؤسسة تربوية بكل ما للكلمة من معنى لا تقل أهمية عن المدرسة في مجال تنشئة الأجيال التنشئة السليمة.
وبعيدا عن القطاع العام وفي غفلة من الدولة أيضا طور القطاع الخاص السيارة التونسية واليسكار وصنع ماركتها الثانية وشاحنتها وهي مسجلة بإسم تونس بالسجل العالمي للسيارات رغم أن الدولة التونسية لم تشجع يوما سيارتها الوطنية وتواصل استيراد السيارات من مختلف بلدان العالم، فيما تمكنت واليسكار التونسية من الولوج إلى أسواق أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وبدأت تشق طريقها بثبات في السوق المحلية. وتتخذ واليسكار مقرها في حي فقير بالعاصمة غير بعيد عن منطقة الكبارية وحي ابن سينا ولم تتوجه إلى المناطق الصناعية النائية بل كانت بامتياز سيارة التونسيين ومن قلب أحيائهم الشعبية النابضة بالحياة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية