مكتباتنا الافتراضية أم بتنا نحن الافتراضيين؟

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

الحديث عن المكتبة، بصفة التملك يصدمنا وينزع عنا كتّاباً، أي نشوة تملك شعورية هنا. لقد خضعت المكتبة لتحول زمني، لم يُبق فيها تلك المأثرة النوستالجية التي انعجنت طويلاً برغباتنا وتطلعاتنا وهواجسنا ورهاناتنا، حيث المكان والزمان ما عادا كما هما. وكان ذلك إيذاناً بالحِداد المباشر والمديد لتلك الرومانسية المغناة من الداخل، من خلال مكتبة تنتظرنا على ميعاد دائماً.
مكتباتنا التي ألفناها، لأنها تشكلت مع ما هو منشود، وضمن جهة بيتية، وفي وضعية نفسية، مثّلت هوية مباشرة لأي منا، تبعاً لموقعها ومحتواها. لقد كانت رهاننا على الكثير من الآتي، ودفعاً بالماضي لأن يزداد تفتحاً داخل ذاكرتنا، بمقدار ما كانت شهادة عيان على أننا، ومن خلالها نفلح في «إجازة» الكثير مما يؤكد تمايزنا الفعلي في تأكيد الذات، وفي سوية فعل ما.
كانت هناك كتب، كتب مشبعة بالحيوات، وما أنوعها من كتب، وما أميَزها، وهي في طريقة طباعتها، وهي في إبصارها للنور، وانتقالها من مكتبة البيع إلى مكتبة المتفاعل معها، بناء على سياسة ذوقية معينة، والفرح البكوري الذي يؤرخ لملامستها الأولى، ودهشة الملامسة هذه.
خضعت المكتبة في بنيتها، في مفهومها، في الخاصية الإشارية لها، إلى خلافها. إذ إن الكتاب المنتمي إليها دخل في منعطف ثقافي وسيميائي مختلف، وربما مغاير عن سابقه، كما لو أنه ليس هو البتة. لقد ظهر الكتاب الالكتروني، ظهر القرص المدمج، كما ظهر الكتاب الذي يظهر في عدة نسخ، وبطريقة تصويرية، وليس بالحروف النافرة، إشهاراً بهذه النقلة المفارقة لما سبق. لقد صار هناك وفرة في الكتب، إنما ندرة في الكتب التي تنمّي الشعور بالواقع والذات.
في سياق هذا المنجرف والمكتسَح التسوناميين (أهي مبالغة؟)، لم يعد المكان المعهود على حاله، ولا نظيره بالتوازي على حاله ومنواله، لم يعد لا البيت كما هو نفسه، لا المحيط بالبيت كما هو نفسه، إذ تغيّر مفهوم الإقامة في المكان الواحد، والزمان المرفَق، حيث يكون البيت بعنوانه، والجيران، والأصحاب، والحي…الخ، فأي رصيد اعتباري، وحماسي، واستئثاري، يمكن أن يمنَح للبيت، للمكتبة التي تعنينا، ونحن أكثر من وضعية تطواف قسرية؟
إنما ما بالنا، ونحن نلقي باللوم على المكتبة، كما لو أنها المعنية بما نعيشه من مآسي في المنقلب الزماني- المكاني؟
نحن لم نعد نحن، ونحن نعوم على ظهر تلة جيليدية لا تكف عن التأرجح في البحر المتلاطم، وليس لنا أي إمكان إقرار بما نكون عليه غداً، حيث ضعف اختيارنا بما حللنا فيه قبل ذلك.
نترك مكتباتنا خلفنا! الافتراضيون هم نحن مَن نكونهم. بينما مكتباتنا التي أودعنا فيها الكثير مما نرغب فيه، فهي مهددة بمفاجآت الزمان. وأكثر من ذلك. لن تعود لأي منا، في الحل والترحال الاضطراريين، مكتبة واحدة. نعم، هناك مكتبات متفاوتة الأحجام، وربما أقل الأقل، من خلال الخيار القسري للبدائل، وتأثير كل ذلك في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الجاري طبعاً. الكتب بالصورة هذه، تصبح سرديات المشهد الانقسامي الذي يتناثر داخلنا بين الفينة والأخرى.
تُرى، لو أن بورخيس كان حياً إلى الآن، كيف كان سيتحدث عن المكتبة، وهو الذي أمضى فيها قارئاً ومسؤولاً، وله معها ربما الكثير من وشائج القربى، حيث مثّله بصيرته ومحفّزته على الحياة. كان يستشعر المكتبة متاهة، ليعيش حالات خلق متواصلة، وليس ليضيع، مأخوذاً بثبوتيات المكتبة التي عنت له الكثير. عالم المكتبة اليوم يستشرف متاهة الكاتب، كثيراً، بما هو فيه وعليه من انقسام داخلي. كيف لمتاهة الروح أن تعين على التحرك في متاهة المكتبة وسبِر فراغاتها وجهاتها؟
أولم يتخيل بورخيس هذا، الفردوس على شكل مكتبة؟ كان ذلك إخلاصه للمكتبة بالذات، ولادته المتصاعدة فيها، قابليته لأن يصعد عبرها إلى حيث يهبه فضاء مخياله بما عين له رأت، ولا أذن له سمعت، ولا قلب له نبض، ولهذا أبدع. طبعاً، لا أكثر من ضحايا المكتبة، بالطريقة هذه، بالنسبة إلى الذين ترجموا أنفسهم تعريفياً من خلالها من الكتّاب، ضحايا ليس في مقدورهم التشكّي باستمرار، لأنهم أنفسهم في واجهة المساءلة عما جرى. وليس من حيلة لاستعادة التوازن.
تصبح المكتبة فاصلاً حتمياً وبالغ الصدمة بين أمس كان الكاتب يتنفس من خلالها، وهو يستقبل نظراءه، أصحاباً له، كان يغفو وسط الكتب، أو يغمض عينيه، حيث تنسحب المكتبة بكامل قيافتها إلى داخلها تمارس إغفاءتها الوادعة معه، وراهن يعرضه لصراع لا فكاك له منه. ثمة أكثر من حبل مشيمي يبقيه مع أمسه المتبلبل، وحاضره الغارق في المجهول.
تتحول المعرفة عينها، والتي تُستقى من الكتب، وعن طريق المكتبة (في السوق، في الجامعة، في البيت) كما لو أنها ملتقطة من اللامكان. فاليد التي أدمنت «سحب» الكتاب لاشعورياً مع الزمن، ومن رف لمكتبة الكاتب، هي ذاتها تعيش غربة الفراغ الحاصل، وثقل التحرك. اليد ليست مجرد عضو طرفي للجسد. إنها بارومتر وجداني مفجّر دلالاتي.
الذين وجدوا أنفسهم في نطاق الكتاب الإلكتروني، وصحبة الأقراص المدمجة، والذين يعدِمون علاقات مع المكتبة التي قدّمت هنا بداية، ليس لديهم أي مشكلة مع المكان، لأنهم في مسمى لامكاني، وليس من كتاب متجذر في المكان، بخصوص جهة تمثّلها المكتبة في البيت، هناك ما هو عائم كثيراً. إنها سباحة في الزمن على مدار الساعة كثيراً.
هذا يؤدي إلى انقسامات في وعي العالم، في النظرة إلى الأمور، في كيفية التعامل مع المستجدات، وما يترتب على كل ذلك من اختلافات تباعد أكثر مما تقارب بين أفراد ربما ينتمون إلى العائلة الواحدة نفسها. في الوقت الذي يشار إلى أن هذه العائلة لم تعد تلك التقليدية، وهي معروفة بإقامتها الأسرية في المكان الواحد. لقد تذررت كثيراً!
إن يقيننا بأنفسنا، وفي عمر متقدم، ومنذ مستهل هذا القرن العاصف بقوة نوعية غير مسبوقة، أقرب إلى الشك البودرياردي، الشك فيما أننا نحن، فيما نقوم به، ولسنا نحن، في هول ما يحدث في أوساطنا، على وقْع التقنيات ومن ثم وسائط الاتصال التي لا تكف عن الاستمرار في نسف المكان الواحد، في منتثرات عضوية معولمة!
يتعرض الباحث المغربي محمد آيت حنا، من خلال كتاب جميل له، من حيث الفكرة، أي «مكتباتهم» طبعة دار توبقال، الدار البيضاء، ط2، 2018، إلى ما تعنيه المكتبة في عالم اليوم، والمصير البائس للكتاب الورقي، ليمارس فلسفة للكتاب لها ميزة باشلارية، جهة التعابير الذوقية وإطلالاتها الشاعرية. وتعبير (قضية المكتبة، ص11) منذ الصفحة الأولى، ليس اعتباطياً، إنما يفصح عن هم وجودي، عن مخاوف من أن هناك خللاً بنيوياً في صلة أي منا بالكتاب، بالمكتبة.
يتعقب آيت حنا خيوط لعبة المكتبة، من خلال نماذج لها حضورها الاعتباري، وفي مجالات مختلفة، إنما في مكاشفة معنى المكتبة لكل نموذج، كما في الحديث عن «مكتبة بنيامين» وقوله (كان فالتر بنيامين أحد القلائل الذين فهموا المكتبة لا كفضاء لحفظ الكتب وإنما كسيرة لا نكاد نستبين بدايتها…) ص22.
هناك ما يمضي به إلى البعيد الموغل في الزمن، واستناداً إلى توثب خيالي، حال «مكتبة أفلاطون» وكيفية تصويرها (ليس للمكتبة أي نسخة ولا أصل، فهي ليست ملحقاً بالعالم أو تجلياً من تجلياته، وإنما هي عالم المُثل نفسه) ص124.
هذا الإجراء يضعنا في سياق آخر، سياق تنظيمي وانضباطي للمكان إلى حد ما. وقد آثرت التنويه إلى بدعة عنوان كهذا، حيث نشهد انفجار العناوين بدلالاتها اليوم، تعبيراً عن أن هناك ما لا يدخل في سياق يصل ما بين مبتدأ وخبره، أو مفتتح قول ومختتمه، لأننا نشهد طغيان اللاسياقية كثيراً، وهي التي تعلِمنا بما آل إليه أمرنا افتراضياً. بما حل بمكتباتنا التي لم تعد تقابلنا، أو تجاورنا، أو تجد فينا ما يبقينا طوع ألفتها وحميمية الاستمرارية.
ربما استحالت مكتباتنا، مكتبات الكثير في الأوضاع التي نعيشها ومنذ سنوات أكثر من أثر بعد عين، وقد أتت عليها عوادي لها دمغتها في نسف المكان بكل ما فيه، و»إبادة» أصول المكتبة تحت وطأة شعارات تتمثل لها مكتبات مفتوحة، متنوعة بكتبها، مثيرة للفتن، للكفر، والبِدَع، وما يتطلبه كل ذلك من عنف صراطي مروع.
كوننا افتراضيين يشكّل نبوءة غدوية كاسحة، تعجّل فينا حركة الزمن، رغبة في مهبط معين، مهبط نفسي، وقد طفح كيل المرارة، والإحباط الزمني الذي هو نتاجنا وخرّاجنا إن جاز التعبير، وفي محاولة لملمة جسد تقاسمته جهات وأنواء وهواجس، تكون إشعاراً ما ملوَّحاً به تقديرياً، بأنه ربما يمكّننا من إيجاد خيط ولو رفيغ، وواهن، بمكتباتنا التي مكَّنتنا ذات يوم بتطويب زمن يسهم معنا في إحداث تغيير يستحق مصادقة التاريخ عليه، وإدراكنا أننا لازلنا نحيا ونستحق الحياة، ولو مع صورة مصغرة لمكتبة تؤاسينا، لنكون أقل افتراضية في المحصّلة المرتجاة!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية