شريف مجدلاني في «بيروت 2020-يوميات حول الانهيار»: حزب الله أخطر الجهات بين الأحزاب التقليدية على لبنان

سمير ناصيف
حجم الخط
0

إحدى القضايا الفكرية الهامة التي حولها بعض التباين والاختلاف هي قضية دخول الأدباء والشعراء والروائيين من أصحاب النتاج المثمر في هذا القطاع إلى عالم السياسة وطرحهم للمواقف والاتهامات السياسية والأمنية الوجدانية في عالم يتطلب قدراً من الموضوعية والتحليل الهادئ والمتوازن في كثير من الأحيان، وخصوصاً لكون القضايا الأمنية والسياسية المعقدة ليست في مجملها مرتكزة على العواطف والأحاسيس الشخصية (السوداء أو البيضاء) بل هي في حيز اللون الرمادي الذي رأسماله الأساسي البحث الميداني في أحيان كثيرة والتحليل العقلاني الموثق والمرتكز إلى الوقائع والأحداث الماضية والحالية والتوقعات المستقبلية المتحفظة وغير المبالغ بها.
كبار الأدباء والروائيين وأرباب ذلك القطاع وكبار محلليه ونقاده قدموا أفكاراً سياسية قيمة ونوروا من خلال نتاجهم الفكري، قطاع السياسة في العالم وفي الشرق الأوسط وفي ما يتعلق بالقضايا العربية وخصوصاً القضيتين اللبنانية والفلسطينية، على شاكلة إدوارد سعيد وغسان كنفاني والياس خوري وأمين معلوف وغيرهم.
المشكلة الفكرية هي عندما قد يبالغ بعض أرباب ذلك القطاع في طرح المواقف العاطفية الجياشة بالوجدانية ويدمجونها بمواقف سياسية قد تُعتَبر متطرفة بنظر الآخرين وذلك قد يحدث عندما يتأثرون بأحداث مفجعة تناولتهم أو تناولت أوطانهم وأحدثت المآسي والأحزان لهم ولعائلاتهم والمقربين منهم.
هذا الأمر قد ينطبق على كتاب صدَرَ مؤخراً بالفرنسية للروائي اللبناني المبدع في حقله الأدبي، شريف مجدلاني بعنوان «بيروت 2020 ـ يوميات حول الانهيار».


مجدلاني، من دون شك، ضالع ومتمكن لغوياً وأدبياً في الثقافة الفرنسية، ربما إلى الدرجة التي تمكن فيها قبله الراحل إدوارد سعيد في الثقافة الانكلو ـ أمريكية، والاثنان ينتسبان إلى حضارة مشرقية أدبية منفتحة نحو العالم الآخر ككنفاني والياس خوري ومعلوف وغيرهم من كبار أقطاب عالم الأدب في منطقتنا.
القضية، بالنسبة إلى مجدلاني أن توجهاته الفرنكوفونية السياسية وسيلة إلى سياسات فرنسا عموماً، المؤثرة جداً في بعض المناطق اللبنانية، تشمل تحفظاً كبيراً إزاء كون لبنان في حالة مواجهة وحرب مع إسرائيل، وترى السلبية الأساسية في الانفتاح على إيران وحلفائها في العالم العربي وفي لبنان من مقاومي إسرائيل الميدانيين.
متأثراً بالتفجير التدميري الذي حدث في مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) الصيف الماضي، يشن مجدلاني في كتابه هجوماً إيديولوجياً عاطفياً ضد «حزب الله» اللبناني وضد حكومة تصريف الأعمال التي يترأسها الدكتور حسان دياب والتي تحظى بدعم رئيس الجمهورية ميشال عون ويحمّلهما المسؤولية الأكبر فيما حدث في مرفأ بيروت الصيف الماضي. ويتجنب الكاتب انتقاد النيوليبرالية السياسية والاقتصادية التي قادت لبنان في السنوات الثلاثين الماضية وأوصلته إلى وضعه المزري الحالي، وذلك بالتحالف مع قادة ميليشيات طائفية لعبت دوراً أساسياً في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) وفي تثبيت وتعزيز الطائفية وإعطاء الضوء الأخضر لقادتها الفاسدين ولممارساتهم الملتوية.
قادة ذلك المشروع السياسي ـ الاقتصادي الريعي غير الإنتاجي إنمائياً يتلطون وراء دول أجنبية طامحة في إعادة فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية الانتدابية على لبنان ومؤيدون ويدعمون مشروع الفرنكوفونية السياسية، الذي يشمل عملية نشر القوة الناعمة الفرنسية والأجنبية في لبنان والذي قد يشجع التطبيع مع إسرائيل الليكودية.
لبنان تحولَ في السنوات الثلاثين الأخيرة إلى شبه دولة مركانتيلية عقيمة سياسياً ومكبلة صناعياً وزراعياً ويتحكم بها مندوبون من أمريكا وفرنسا من المتعاطفين مع إسرائيل وحلفائهم من قادة الميليشيات الطائفية الذين تحولوا إلى زعماء طائفيين فاسدين استولوا على أموال الشعب اللبناني وقدرته على الإنتاج بالتعاون مع قادة مؤسسات تم تعيينهم من جانبهم وتمسكوا هم ببقائهم وبنهبهم طالما أداروا دفة البلد حماية لمصالحهم وساهموا في تحويل مليارات الدولارات من أموال الدولة والشعب إلى الخارج والإدعاء بان لبنان ومصارفه خالية من الأموال بالدولارات. ودعمهم في هذا الموقف «الجنائي» القادة الروحيين الدينيين الكبار للطوائف اللبنانية على اختلافها بحجة حماية طوائفهم وحقوقها.
النقد السياسي لمجدلاني يندرج في تركيزه على توجيه الاتهامات الجنائية غير الموثقة إلى جهة محددة على حساب جهات أخرى كالنيوليبرالية السياسية التي نهبت أموال الشعب اللبناني ومنعته من القدرة على الاستثمار والانفتاح نحو العالم اقتصادياً وسياسياً، وليس ضده شخصياً كأديب وكاتب محترم.
وتعتبر هذه الأيديولوجية «النيوليبرالية» ان النموذج المثالي السياسي والاقتصادي هي الدول الغربية كفرنسا وأمريكا وحليفاتهما من الدول العربية الخليجية الساعية إلى التطبيع مع إسرائيل لأهداف سياسية واقتصادية متجاهلة حقوق الفلسطينيين ومتضامنة مع مشاريع إسرائيل التوسعية غير العادلة والمتجاوزة للشرائع الدولية في المنطقة والعالم.
ضحايا هذه السياسات كانت الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا في لبنان، ولكن أكثر ما يقلق قادة المشروع الأجنبي هو «التعدي على السنية السياسية (كما يسمونها) من قبل الشيعية السياسية وداعميها وحلفائها وفي طليعتهم إيران». وهذا توجه محدود فكرياً وناتج عن مشاريع سياسية منحازة.
يقول شريف مجدلاني في الفصل التاسع والثلاثين من كتابه إن: «أخطر الجهات بين الأحزاب التقليدية على لبنان هو حزب الله، الحزب الوحيد المسلح بحجة الرغبة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، مع انه لم يعُدْ هناك وجود للإسرائيليين في جنوب لبنان منذ خمس عشرة سنة».
السؤال هنا: أين هو المضمون السياسي الموثق والموضوعي المستند إلى الأبحاث والوقائع التاريخية في طرح مثل هذا السؤال من جانب مجدلاني؟
الكاتب في طرحه مثل هذه الأسئلة يتجاوز ويتنطح على قضايا تتطلب معالجة أكثر دقة ويقوم بطرح تصريحات إيديولوجية مستندة إلى العواطف والحساسيات الشخصية بالنسبة إليه.
وقد يتساءل قراء كتابه عن دوافعه وأهدافه من إثارة المشاعر السلبية في حديثه عن «مسؤولية حزب الله اللبناني في نشر الفتنة وعدم الاستقرار في لبنان خدمةً لإيران وسوريا» (ص 86).
ويعتبر مجدلاني في كتابه أنه ومنذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019: «ادعى حزب الله بأنه يؤيد الإصلاحات في لبنان، وشجع مؤيديه على المشاركة في الانتفاضة ضد السلطة التي انطلقت آنذاك وسعت إلى تطوير النظام اللبناني، ولكنه أصبح أكثر جموداً في هذا المجال لاحقاً عندما أدرك بأن الانتفاضة قد تحقق أهدافها مما يهدد أهدافه الاستراتيجية وأهداف المحور الإيراني ـ السوري الذي يشكل هو جزءاً أساسياً منه» (ص 87).
أين الفحوى الأدبية والإنسانية في مثل هذه الاتهامات السياسية المنحازة؟ أكثر الجهات ترحب بآراء الأدباء والشعراء والروائيين في تطوير التلاحم والوعي الإنساني والاجتماعي، ولكن هل أصبح دور بعضهم متوجهاً بشكل واضح وسافر نحو التحريض والإثارة؟ وهل عيّن شريف مجدلاني نفسه مُنظراً سياسياً واستراتيجياً متذرعاً بامتلاك معلومات أمنية من مصادر سياسية «خاصة» يرتبط بها؟ وخصوصاً عندما يقول: «حزب الله ربما دفع حليفته حركة (أمل) إلى عملية مواجهة مع المنتفضين في انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) 2019 مما يشير إلى ان الحركتين الشيعتين حزب الله وأمل، كانتا تحتضنان قيادة رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون وحكومة رئيس الوزراء حسان دياب الفارغة المضمون وغير القادرة على اتخاذ القرارات الفاعلة». أين الأدب والفكر الإنساني المتوازن في مثل هذه المواقف السياسية الحادة من روائي وأديب؟ والكثير منها غير موثق.
ولا يتطرق مجدلاني إلى السؤال لماذا لم تكن حكومة حسان دياب قادرة على اتخاذ القرارات الفاعلة، ولا إلى هوية الجهة التي كانت تعرقل عملها ولا عما إذا كانت الحكومات السابقة في العقود الثلاثة الماضية في ظل النيوليبرالية السياسية أكثر فاعلية في اتخاذ القرارات المنصفة والعادلة بحق الطبقات الفقيرة والمتوسطة في لبنان التي نُهبت أموالها في السنوات القليلة الماضية.
يطرح مجدلاني ابتداء من الصفحة المئة والتاسعة في الكتاب تأملاته «الوجدانية» حول نتيجة الانفجار التدميري الذي تعرض له مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) من عام الألفين وعشرين.
وفي تلك الصفحات يعتبر الكاتب (ومن دون تحفظ) بأن مسؤولية ذلك الانفجار تقع على حزب الله اللبناني، وبدون تقديم أدلة على إدعاءاته، ومن خلال أدلة ظرفية مهدت لها وروجت إليها وسائل الاتصالات الإلكترونية والأبواق الإعلامية اللبنانية التلفزيونية الممولة من الخارج.
ولكن ومع الأخذ في الاعتبار الانتقادات الواردة هنا، فإنه لكل كاتب روائي أو سياسي أو أمني الحق في طرح مواقفه المتأثرة بالحوادث المفجعة وغيرها كالانفجار الوحشي الذي حدث في مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020.
كما ان بعض كبار السياسيين في العالم تحولوا في مرحلة ما من تاريخ نتاجهم إلى روائيين. وعكس ذلك صحيح أيضا. ونذكر على سبيل المثال وزير الخارجية البريطاني الأسبق دوغلاس هيرد ورئيس الجمهورية الأمريكي السابق بيل كلينتون وبعض كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين الذين كتبوا روايات حققت نجاحاً كبيراً كجون لوكاري وجيفري آرشر في بريطانيا. وهناك اختبارات مماثلة في الشرق الأوسط والعالم العربي والعالم.
إذن، فالمطلوب المزيد من الموضوعية من الجميع في تناول المواضيع والقضايا الأمنية الحساسة وليس فرض الرقابة والقمع الفكري على الكُتاب والروائيين المتأثرين بالأحداث المفجعة والمروعة، كما يستحسن عدم توجيه الاتهامات غير الموثقة جزافاً من جانب كل الأطراف المؤثرة إنسانياً واجتماعياً.

Charif MAJDALANI : « Beyrouth 2020 – Journal d’un effondrement »
Actes Sud, Paris
160 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية