القاهرة ـ «القدس العربي»: دافع مفتي مصر السابق، علي جمعة، أمس الثلاثاء، عن العثمانيين، معتبرا أنهم وقفوا طوال مدة حكمهم أمام أطماع اليهود ومحاولاتهم المتكررة للهجرة إلى القدس، على الرغم من تعاطفهم مع اليهود الناجين من المذابح الإسبانية.
وكتب على صفحته الرسمية على «فيسبوك»: العثمانيون فتحوا لهم البلاد كلها على الرحب والسعة عدا مكة والمدينة المنورة والقدس الشريف، فإن ذلك لم يرق لهم فبدأت أحلامهم وأطماعهم نحو القدس الشريف وفلسطين، وظهرت أول دعوة لذلك عام 1665 على يد يهودي تركي اسمه شبتاي تاسفي، الذي بدأ بجمع اليهود وتنظيمهم وتنبيههم إلى الهجرة نحو فلسطين.
وأضاف: ظلت هذه الحركة سرية، ثم أعلنت، فخرج المئات من أتباعه في مظاهرات صاخبة، عندها أمر السلطان بالقضاء على هذه الحركة، فما كان من شبتاي إلا أن أمر أتباعه بالتظاهر بالإسلام والعمل بسرية لتحقيق أهدافهم الخبيثة، وعرفوا باسم يهود الدونمه، ومع مرور الزمن وصلت أعداد منهم إلى مناصب رفيعة في الدولة والجيش هيأت لهم ما كانوا يطمحون إليه، خاصة في عهد الضعف الذي مر على الدولة العثمانية مع تكالب الطامعين في أراضيها.
وزاد: في عهد محمد علي باشا، والي مصر، الذي أعلن انفصاله عن الحكم العثماني واستيلاءه على مدينة القدس وبلاد الشام في عام 1831 تحسنت أوضاع الطوائف اليهودية في فلسطين، فقد أعفاهم من الضرائب والمغارم التي كان الباشا العثماني يفرضها على زعمائهم، وأصبح لهم تمثيل في المجالس المحلية الجديدة، كما سمح لليهود بترميم معبدهم في بيت المقدس بشرط ألا يزيدوا شيئا على المباني القديمة وعدم تبليط ما حول حائط البراق، وإن كان قد سمح لهم بزيارته والصلاة فيه والبكاء على سقوط الهيكل وخرابه دون أن يترتب على ذلك أي حق قانوني، وفي مقابل مبلغ من المال يدفع سنويا لوكيل الأوقاف، نظرا لأن الرصيف القائم أمام الحائط تعود ملكيته للأوقاف منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، وما لبثت أن اصطدمت المطالب اليهودية بالموقف الحاسم للسلطة العثمانية بعد أن آل إليها حكم بلاد الشام، وهو ما دعا اليهود حول العالم إلى العمل ضد الدولة العثمانية.
وأضاف: قامت الدولة العثمانية بعد ذلك بفصل شؤون القدس عن ولاية الشام وارتباطها مباشرة بوزارة الداخلية في إسطنبول، وظهرت في هذه الأوقات المستعمرات، وإزاء هذه المشكلة وخوف الدولة العثمانية من وقوع مدينة القدس تحت سيطرة اليهود قاموا بوضع حد للهجرة اليهودية، وصدرت قوانين خاصة بالقدس والهجرة اليهودية من قبل الباب العالي عام 1882 وكان مضمونها ألا يسمح لليهودي بالدخول إلى فلسطين إلا في حالة واحدة هي الحج والزيارة المقدسة ولمدة أقصاها ثلاثة أشهر، على أن يحجز جواز سفر الزائر، ويودع في مراكز الشرطة حيث يتم استبدال الجواز الأحمر به مؤقتا، ولكن اليهود اخترقوا هذه القوانين بمساعدة قناصل الدول الأوروبية وصار عدد اليهود يزداد يوما بعد يوم، ما أحدث صدامات بين الفلسطينيين واليهود عام 1886 ودفعت هذه الصدامات الدولة إلى اتخاذ إجراءات جديدة، إذ طلبت من متصرف القدس إجراء اتصالات مع قناصل الدول الأجنبية لإبلاغهم استياء السلطان والسلطات العثمانية لعدم قيام القنصليات الأجنبية في القدس بخطوات من جانبها لتسهيل إخراج رعاياها من اليهود الذين انتهت مدة إقامتهم.
وحسب مفتي مصر السابق، ضغط اليهود بشتى الطرق، حيث قام هرتزل، رئيس الجمعية الصهيونية، بلقاء السلطان عبد الحميد بهدف إقناعه بالسماح بالهجرة اليهودية إلى القدس نظير مبالغ طائلة يدفعها اليهود للسلطان وللدولة، إلا أن محاولات هرتزل لم تنجح، ما دفع اليهود بعد هذا الموقف إلى العمل على إسقاط دولة الخلافة حتى يتسنى لهم التدفق على فلسطين، وانتقلت المعركة بعد ذلك بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية التي تبنت مواقف اليهود.
وأوضح أنه بسبب هيمنة اليهود على معظم الدول الأجنبية التي وقفت معهم وشجعتهم على الهجرة حاول العرب حث الحكومة العثمانية على تطبيق القوانين بشكل فعال، إلا أن هذه المطالب لم تر النور، وذلك بسبب خلع السلطان عبد الحميد عام 1908، الرجل الذي وقف سدا منيعا في وجه الأطماع اليهودية، وهو الحدث الذي أدخل السرور والفرح على اليهود في ذلك الوقت، وصارت الهجرات اليهودية تتدفق على القدس وغيرها من فلسطين، وهو ما احتاط له عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهدته وقدر الله تعالى أن يبتلي به المسلمون.
واختتم مفتي مصر السابق: أنا على يقين بأنه تعالى سيعيد إلى المسلمين نهضتهم ويبعث من جديد هذه العهدة العمرية لتكون نبراسا لنا حينما يعود لنا قدسنا الشريف بما يحمل من حب ووئام وأمن وسلام للعالم كله.
ويأتي دفاع مفتي مصر السابق عن العثمانيين تزامنا مع انفراجة في العلاقات المصرية التركية المتوترة منذ عام 2013.
وشهدت الشهور الماضية لقاءات بين مسؤولين مصريين وأتراك لتطبيع العلاقات بين البلدين، كان آخرها لقاء على مستوى نواب وزراء خارجية البلدين في شهر مايو/ أيار الجاري في القاهرة.