شهدت الكرة الاوروبية في الأيام الماضية حركة غير مسبوقة على صعيد رحيل المدربين عن أنديتهم، ان كان عبر الاستقالة أو الاقالة، ففي غضون 24 ساعة منذ يوم الاربعاء رحل أنتونيو كونتي عن تدريب الانتر بعدما قاده الى أول لقب في الدوري الايطالي منذ 2010، ولحقه زين الدين زيدان بالرحيل عن ريال مدريد، وبعدهما أعاد يوفنتوس تعيين مدربه السابق ماسيمو أليغري بعد اقالة أندريا بيرلو، في حين يفكر توتنهام باعادة تعيين مدربه السابق ماوريسيو بوتشيتينو، الذي يقود حالياً باريس سان جيرمان، لكن ما سر كل هذه الزوبعة في التغييرات؟
عندما أعلن فيرونا إقالة مدربه الكرواتي إيفان يوريتش يوم الجمعة الماضي، فأنه أصبح الفريق الثامن من العشرة الأوائل في ترتيب الدوري الايطالي الذي يتخلى عن مدربه في نهاية الموسم قبل أسبوع، وحدهما ميلان الوصيف وأتالانتا الثالث سيخوضان الموسم المقبل بمدربيهما ستيفانو بيولي وجانبييرو غاسبريني، فيما دخلت باقي الأندية في لعبة الكراسي الموسيقية المتكررة في هذا الوقت من العام، لكنها بلغت هذا الموسم وتيرة نادرة، حيث لحق يوريتش بأنتونيو كونتي (الإنتر البطل) وأندريا بيرلو (يوفنتوس) وجينارو غاتوزو (نابولي) وسيموني إينزاغي (لاتسيو) وباولو فونسيكا (روما) وروبرتو دي تسيربي (ساسوولو) وكلاوديو رانييري (سامبدوريا). حتى الفوز بالدوري الفرنسي بصورة مفاجئة لم يمنع مدرب ليل كريستوف غالتييه من الرحيل، ولا هانزي فليك بطل الدوري الألماني مع بايرن ميونيخ أيضا، بل لم يحظ المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو بفرصة خوض نهائي كأس المحترفين الانكليزية مع توتنهام قبل شهر، وأقيل من منصبه.
سر هذه التغييرات الكثيرة، هو تأثيرات وباء كورونا على الجميع، الذي أثر اقتصاديا ومادياً على كل الاندية الكروية، خصوصا الأندية الـ32 الكبرى في أوروبا وكبدها نحو 6.1 مليار يورو خسائر منذ فبراير/شباط 2020، بحسب تقارير هيئات مختصة. ففي ألمانيا قاد رحيل فليك عن البايرن الى سلسلة من الانتقالات، فرحل يوليان ناغلسمان عن لايبزيغ ليحل مكانه، وبدوره جاء مدرب سالزبورغ النمساوي جيسي مارش ليحل مكانه في لايبزيغ، والامر تكرر في اسبانيا وانكلترا وايطاليا وفرنسا، والسبب المباشر هو زيادة أعداد المشادات والاختلاف بين المدرب والادارة، على خطط تعزيز الفريق وقلة المال المتوافر لذلك، وغالبية هؤلاء المدربين رحلوا بدون حتى تأمين وظيفة أخرى قبل الاستقالة. والغريب ان غالبية الراحلين هم من الاسماء الكبيرة ومن أندية كبيرة، وأبرز مثال هانزي فليك الذي ظل على خلاف كبير مع صالح حميدزيتش المدير الكروي للبايرن على نوعية اللاعبين الذين جلبهم النادي في مطلع الموسم، ولا يتماشون مع رغباته. في حين قرر زيدان ترك الريال لأنه لم يشعر ان بامكان الادارة برئاسة فلورينتينو بيريز دعمه بصفقات من النوع الكبير، وتكرر الأمر في الانتر مع كونتي، الذي طلبت الادارة منه تقليص رواتب اللاعبين 20% وبيع نجم أو نجمين بصورة عاجلة لسد عجز ميزانية النادي، فرفض وفضل الرحيل. وبمنطق ادارات هذه الأندية سيكون أرخص تكلفة التخلص من المدرب عوض ضم نجمين او ثلاثة بأسعار كبيرة أو الاستمرار في دفع فاتورة رواتب عالية جداً.
سبب آخر لهذا الرحيل، هو شعور المدربين بالارهاق بعد موسم مضغوط بسبب تأخر انطلاقه بعد تأجيل وايقاف الموسم الماضي واعادة استئنافه متأخراً، وبات تلاحق الموسمين قاتلاً ذهنيا ومنهكاً بدنيا لبعض المدربين، حتى منهم من عانى من الاصابة بفيروس كورونا كزيدان، وآخرون فقدان أحبتهم، على غرار يورغن كلوب وبيب غوارديولا اللذين فقدا والدتيهما ولم يستطيعا توديعهما بسبب الاغلاق ومنع السفر.
البعض الآخر مثل مدرب ليل غالتييه، ربما راقب المشهد ورأى ان هناك الكثير من الوظائف الشاغرة عند الاندية الكبيرة، فما فائدة البقاء مع فريق يفكر دائما ببيع أفضل نجومه، ولن يستطيع البناء على هذا الانجاز. وحتى بوتشيتينو الذي لم يكمل ستة شهور مع باريس سان جيرمان بدأ يرسل اشارات عدم الرضا والرغبة في الرحيل، وهذا يعود لسبب تكتيكي، كون قدراته الحقيقية تتركز على بناء الفرق وأخذ الوقت الكافي قبل جني الثمار، وهو عكس ما يريده نادي العاصمة الفرنسية الذي يبحث دائما عن نتائج ايجابية مباشرة، ولهذا ارتبط اسم المدرب الارجنتنيني بالعودة مجددا الى توتنهام. في حين ارتبط اسم كونتي بتدريب ريال مدريد أو توتنهام، في حين يبدو الانتر حسم أمره بتعيين مدرب لاتسيو المنتهي عقده سيموني اينزاغي، ليبقى بيرلو وغالتييه ومدرب ولفرهامبتون نونو اسبيريتو سانتو يبحثون عن ناد جديد.
الزوبعة ستنتهي بعودة الهدوء، لكن الأهم بعد معالجة العجوزات المالية عند الاندية، وبعدما يأخذ المدربون قسطاً مستحقاً من الراحة، قبل بدء موسم ناري جديد.