يتمثل مفهوم الضرورة في كونه ما وقع في الشعر ممّا لا يجوز في النثر؛ إذ هي الخروج على القاعدة النحوية والصرفية، فتمس قضايا الوزن وتسوية القافية، بما يناسب مقصد الشاعر، ولعل ابن السراج أول من قسم ضرورات الشعر وفق أسس تشكّل في الوزن وحذف وزيادة والتقديم والتأخير والإبدال في غير موضعه، ما يعني أن تشكلات الضرورة تساير ضوابط اللغة بالقدر الذي يناسب مقاصد الشاعر، لذلك فهي من أهم مقومات الجمال ومولدات الشعرية، وقد أدرك الفلاسفة المسلمون أنّ الخروج في لغة الشعر عن الأصل تحقق الإفهام وتحيل إلى ما وراء المعنى الظاهر، في إشارة تشكيل جمالي ووعي بالشعرية خارج ضوابط اللغة؛ لأنّها تشتمل على عكس انفعالات النّفس ومؤثراتها المرتبطة بالتجربة الشعرية، ولعل المتنبي في قوله معاتبا سيف الدولة:
واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ
وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ
قد وظّف البنية الصوتية بما يناسب دلالة أبعاده النفسية، غير أنّ النحاة لا يعنيهم هذا البعد، فحملوا الكلام على الخطأ من وجهين: أحدهما: أنه وصل المندوب وحرّك الهاء، وهي في الأصل تدخل في الوقف، وكونها ساكنة أبداً، وإذا ما وصلت أسقطت، وثانيهما: أنه أسقط الياء من المضاف إليه، وهو موضع لا تسقط فيه الياء، والأصل أن يقول: (واحر قلبياه) – على حد قولهم – والمتنبي الذي يرسم وجع القطيعة مع سيف الدولة ويمدّ صوته المعاتب عتاب المحب المكلوم، في قوله: (واحر قلباه) يبرز اتصال التشكيل اللغوي بذلك الإحساس الذي ينطوي على الموقف الانفعالي العام في القصيدة، فالهاء في (قلباه) يعكس اتساع مشاعر الحرقة والغضب عنده، وبالإفادة من صوت المدّ الجوفي في (الألف) يجعلنا ننظر إلى هذا التركيب الصوتي في ضوء تشكيله الحسّي، وما يرافقه من توتر عاطفي، الأمر الذي يدفعنا للقول: بأنّ تجاوز الشعراء الأعراف اللغوية يؤطره مرجع جمالي لا يعبر عن ضعف أو اضطرارا، بل صياغات أسلوبية يفضي إلى تجسيد شعرية المعنى بمستوى رفيع، وهذ ما دفع النقاد المعاصرين إلى إطلاق اسم (اللغة العليا على لغة الشعر)؛ إذ تشتمل على خصائص لا تبوح بها للنحوي الذي دأب على البحث في الخطأ والصواب، وتغييب الانفعال داخل القاعدة اللغوية، فلغة الشعر هي لغة الانفعال والتوتر عند الشاعر، ولذلك يلجأ الشاعر إلى أسلوبية الحذف ـ مثلاً – سعيا للمقصد الذي ينسجم مع تجربته الشعرية كقول عمر بن أبي ربيعة:
قَالُوا: تُحببُّها؟ قُلْتُ : بَهرا
عَدَدَ النَّجْمِ وَالحصَى والتُّرابِ
فأُخذ عليه حذف الهمزة، ولأنّ الاستفهام هو طلب علم بشيء لم يكن معلوما، فإنه يستفهم بالهمزة تصورا، فيثبت ما في النفس بما يستفهم عنه، ليفسح تصوّرات تمسّ اللغة الإبداعية التي لا يمكن أن تنفصل عن المؤثرات التي يحياها الشاعر.
وقد وجه الخليل (174هـ) لرؤية متقدمة في فهم خصائص لغة الشعر، إذ جعل لها خصوصية وتميّزاً في التشكيل الجمالي، مؤكدا على أنّ للشعراء أدواتهم الأسلوبية التي تحقق مقاصدهم، التي توجب التسليم لصحة الصياغة والنظم؛ لأنهم يستندون إلى وجه لغوي ينصرف نحو المعنى المقصود، ولذلك صار يُحتج بالشعراء لا عليهم، فهم يوظّفون مستويات اللغة زيادة على التداخل اللهجي، ما يعني النّظم في ضوء معطيات علمية أدركها بما تهيأ له من حسّ معرفي بالشعر التقى مع المعرفة العروضية والحسّ الموسيقي، الذي قسّم به الأوزان والقوافي الشعرية وأحاله إلى معالم الجمال اللغوي والانتظام الأسلوبي، وهو إجراء محكوم بقوانين خاصة تسمح به، وليس مما تضطرهم إليه القافية أو الوزن، فالضرورة عنده بناء يلامس كل ما يتعلق بالتركيب والدلالة الذي يُحمل على الاتساع، وقد ذكرت خديجة الحديثي رحمها الله، أن الضرورة لا تعني الإلجاء البتة، لأنّها نظام يوظف الأساليب تبعا للمقصد الدلالي، واستقامة الوزن وجمال الصورة الشعرية.
ومع تسليمنا بأهمية القاعدة النحوية، غير أن ذلك لا يمنع البحث في مقاصد الانحراف عن القاعدة، أو في ظلال الوظائف الجمالية التي تعكسها الضرورة، حتى نتخلّص من دائرة البحث في ثنائية التوافق والشذوذ النحوي، لاسيما أنّ أحد الشعراء لم يعِرِ لمقولات النحويين اهتماما كبيرا؛ لأنها شدت أوثقتهم إلى القاعدة وضيّقت عليهم، وعليه لا يمكن فهم الضرورة الشعرية بأنها مظهر معياري يؤسس لتجاوز قواعد النحاة، بل هو أنها وجه جمالي متطور في الاستعمال اللغوي، يحقق الشعرية ويستدعي التلقي بوعي شمولي غير جامد.
باحث من العراق