نزهة بين الكتب بصحبة «ملكة جمال أيسلندا»

حجم الخط
0

من النادر أن نُصادف كتاباً من أيسلندا بالعربية، فمن بين ركام الكتب التي تُترجم كل عام، صدرت قبل سنة رواية «عملية نابليون» للروائي أرنالدور أندريداسون عن دار الثقافة للنشر، هذه الرواية تعد نشازاً، حالة استثنائية، مع أنها من توقيع واحد من أشهر كتاب الروايات البوليسية، الذي طافت سمعته العالم بأسره، قبل أن يصل إلى العربية متأخراً، تلتها رواية «ضياء الصيف» ليون كالمان ستيفنسن عن دار المنى، روايتان اثنتان مع أننا نتحدث عن بلد سبق له أن نال نوبل للأدب قبل العرب، بفضل هالدور لاكسناس (1955) ففي أيسلندا، هذه الجزيرة/البلد، حيث تعداد السكان لا يتعدى ثلاثمئة ألف نسمة إلا بقليل، حيث أن عدد الكتّاب يحصى بالمئات، والترجمة من اللغات الأجنبية إلى الأيسلندية في تضاعف، يلح علينا السؤال عن علة غيابه عن القارئ العربي، لاسيما أن الكتّاب من هناك لا يكفون عن لفت النظر إلى أعمالهم، فقبل أربع سنوات صدرت رواية «ملكة جمال أيسلندا» للكاتبة أيدار آفا أولافسدوفيتر، لم تلبث أن تحولت إلى «بيست سيلر» في وطنها الأصلي، ثم ترجمت إلى 15 لغة، وصلت إلى الفرنسية، وبات من المتاح أن نُطالع هذا العمل، لكاتبة لا تخفي دهشتها من نجاحها في بلد لا تعترف لغته بكاتب أو شاعر إلا بصيغة المذكر، «أنا من بلد حيث الكتاب الرجال يفضلون كتاباً رجالاً مثلهم، هكذا جرت العادة» قالت في لقائنا معها.
في هذه الرواية يختصر القارئ زماناً طويلاً من التقليب والبحث عن الأدب الأيسلندي، فيجد نفسه إزاء بانوراما أدبية محلية موسعة، نصادف فتاة مرشحة أن تصير ملكة جمال بلدها، لكنها تفضل أن تصير ملكة كتابة، تستثمر في الكتابة بدل الاستثمار في غواية الجسد، «التاريخ يثبت أن الكتّاب الرجال كانوا دائماً يتبنون مواقف أكثر محافظة مقارنة بمواقف الكاتبات» تضيف أيدار آفا أولافسدوفيتر.

المرأة ـ البركان

الصورة النمطية التي نحملها في أذهاننا عن أيسلندا أنها بلد بارد، وذلك ما سوف نشعر به ويُرافقنا على طول رواية «ملكة جمال أيسلندا» التي تنطلق وقائعها من عام 1963، في ذلك العام لم يكن البلد يعج بأكثر من مئتي ألف من البشر، لم يكن أحد في العالم يعرف أين تقع أيسلندا، التي كانت تحرسها قاعدة عسكرية أمريكية، ولا يحوز على أكثر من طائرتين عابرتين للأطلسي، لكنه اشتهر بفضل حصوله على نوبل للأدب وشغف ناسه بالكتابة بلغتهم الأم العتيقة، وتستمر وقائع الرواية على طول عشرية الستينيات، حيث تستحوذ على السرد وعلى دور الراوي العليم شخصية هاكلا، فتاة في أوائل العشرينيات من العمر، اسمها مقتبس من اسم أحد البراكين الشهيرة هناك، تهجر بيتها العائلي في قرية فلاحية معزولة، تتجه إلى العاصمة ريكيافيك، محملة بآلتها الكاتبة، وتركب الحافلة متجهة إلى إحدى صديقاتها (إيسي) قصد إتمام ثلاث مخطوطات روائية، سوف تضيع مخطوطتان وتنجو الثالثة في النهاية، في الطريق سوف تتعرف على واحد من متعهدي حفلة اختيار ملكات الجمال، التي تقام كل سنة في الهواء الطلق، ويقترح عليها المشاركة في المسابقة، فتقضي هاكلا وقتها مشتتة بين مسايرة مشروعها في الكتابة أو تجريب حظها في لعبة الجمال، تميل إلى الخيار الأول متحملة إلحاح ذلك الرجل، الذي كلما صادفها ردد على مسمعها أنها تستحق لقب ملكة جمال أيسلندا.

في هذه الرواية يختصر القارئ زماناً طويلاً من التقليب والبحث عن الأدب الأيسلندي، فيجد نفسه إزاء بانوراما أدبية محلية موسعة، نصادف فتاة مرشحة أن تصير ملكة جمال بلدها، لكنها تفضل أن تصير ملكة كتابة، تستثمر في الكتابة بدل الاستثمار في غواية الجسد.

تلتقي هاكلا بصديق قديم مثلي يدعى جون جون، هذه الشخصية سيكون له دور في الرواية، في فضح تشدد المجتمع الأيسلندي آنذاك، في تمسكه بتعاليم الانغلاق ورفض الآخر، ثم تلتقي شاعراً، ترتبط به في علاقة عاطفية قصيرة الأمد ظاهرياً، لكنها طويلة الأمد في حقيقتها، لأنها سوف تتنازل له لاحقاً عن مخطوطة روايتها كي ينشرها باسمه، في بلد لم يكن يولي اهتماماً للأدب إلا إذا كتبه رجل. لكن قبل أن تتم هاكلا مخطوطة روايتها تنشر غسيل بلدها، الذي شاعت فيه الذكورية والاستغلال واضطهاد كل من ينحاز إلى الاختلاف، فبينما كان مارتن لوثر كينغ يُرافع من أجل قضايا السود في أمريكا، وأخباره تصل إلى هناك، أقر بلدها منع الوافدين من ذوي البشرة السمراء، بل إن الجندي الوحيد الذي عمل في القاعدة العسكرية الأمريكية من ذوي البشرة السمراء مُنع عليه الخروج من حدود القاعدة، في هذا الجو من الضغط الاجتماعي، الذي لا يختلف أحياناً عما يعرفه أي مجتمع عربي اليوم، ترافع أيدار آفا أولافسدوفيتر من أجل التحرر، متخذة من الرواية سبيلاً لها، وتقول: «الرواية مختبر لاكتشاف الروح البشرية» تسعى الروائية إلى مداواة بلدها من أمراضه الداخلية، وتسير «ملكة جمال أيسلندا» في نشيد عالٍ في الدعوة إلى التخلص من دستور القمع والعنصرية، رغم أنها كتبت عن حقبة الستينيات، فإنها تسرد حالاً مشابهاً لما يعرفه العالم العربي: «كل ما نكتبه ينطلق من راهننا، ومما نعيشه. حين نرى تراجع حقوق المرأة في أكثر من بلد، ونعاين ما تتعرض له الأقليات، إضافة إلى عزلة المجتمعات (كما هو الحال في روايتي) انغلاق بلد على نفسه، نجد أننا بصدد موضوعات تتكرر في أكثر من مكان وفي أي وقت» تصرح.

بانوراما أدبية

أكثر ما يشدنا في هذه الرواية، عدا التوليفة التي صاغتها بها أيدار آفا أولافسدوفيتر، حيث أن فصولها جاءت أقرب ما تكون إلى متوالية قصصية، هو إصرارها في كل مرة على المرجعيات والإحالات الأدبية والثقافية، حيث لا نكاد نقرأ فصلاً من فصولها يخلو من اسم شاعر أو روائي أو فنان من أيسلندا، إضافة إلى كتّاب أجانب، حيث تنطلق الرواية من مشهد هاكلا وهي تُطالع «أوليس» لجيمس جويس، ثم تختتم بحديثها عن أندري جيد وتوماس مان، بينهما يجد القارئ نفسه في بحث عن الأسماء التي تتواتر، أسماء يصعب أحيانا نطقها نطقاً سليماً، عن كاتب أيسلندي هجر لغته الأم، وفضل الكتابة بالدنماركية بمساعدة محرر أدبي، عن شاعر البلد الأشهر الذي مات في الثالثة والعشرين من العمر، بعد أن دهسته سيارة، عن الكتب التي عثرت عليها هاكلا في مكتبة عامة، عن مغنين تستمع إليهم، عن الجنود الأمريكيين الذين يبيعون كتباً من بلدهم، كما نتعرف أيضاً على أسماء قرى ومدن وضواحي البلد، حيث تقودنا الرواية في رحلة طبوغرافية، إلى براكينه وجزره التي تطفو، وأخرى تندثر، في مسايرة رغبة هاكلا المحمومة في أن تصير كاتبة، وهي التي كانت موعودة بلقب ملكة جمال أيسلندا، وعن علاقتها بالكتابة ولماذا كتبت هذه الرواية، تقول المؤلفة: «أكتب من أجل أن أرتب فوضى هذا العالم وأمنحه معنى. أكتب كي أتكلم على لسان من حرموا من صوتهم».

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية