في عالم الرواية اليوم، مَن يمكنه الدخول في مغامرة كتابة رواية طويلة، من نوع «البؤساء» لهيغو، و»البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، و»يوليسيس» لجيمس جويس، و»الثلاثية» لنجيب محفوظ، و»مدارات الشرق» لنبيل سليمان، و»حكايات الجزيرة الأربع» ليشار كمال؟
من يمكنه التفكير، مجرد التفكير ليس إلا، في رواية تستغرق منه زمناً مفتوحاً دون النظر في الساعة، ومكاناً مؤمَّناً عليه إلى حين؟
لقد اهتز كلٌّ من مفهوم الزمان والمكان. إن التنقل عبر الحدود، وظهور وسائط الاتصال الحديثة، وصعوبة الاعتزال للعالم، ونشدان العزلة للقراءة والكتابة… إن كل ذلك غيّر في بنية الكتابة نفسها!
الكتابة لا تتجاوب مع يد كاتبها، إلا بتوافر شروط زمانية- مكانية، حيث يمكن للسرد الحضور.
فإذا كان السرد تنقلاً بين أمكنة، ولو في مخيال روائيّه، أو ارتحالاً من مكان لآخر، وما يتطلبه من «زوادة» زمانية، فهو يكون نسجاً لفكرة متخيَّلة، لقوام نفسي مهيَّأ، النسج الذي يحوز مساحة من المكان ومدة زمانية. سوى أن المكان المعهود اليوم، وفي انقلابه على نفسه، وليس بنو جنس الروائي ببريئين من تفككه، وصحبته الزمان، مفارقه سلفه القريب في الأمس، على وقْع المتغيرات الصادمة، حيث البنيان النفسي عينه منقسم على بناه الجسدية- النفسية، والكاتب بين قرنيْ ثور هائج، لا ينفك يحرك رأسه مروحياً، إن جاز التعبير.
روائي الأمس القريب كان يخرج من بيته وهو في هدأة بال نسبياً، ويخطط للحظة العودة. لكنه اليوم مرغم إجمالاً، وفي منطقتنا خاصة، على الخروج من بيته، قبل أن يتداعى عليه، أو كونه يفقد فيه الأمان، فهو هارب من مكان إلى آخر، وهكذا. وليس له من تلك الساعات الطوال التي كان فيها هو نفسه قبل زمن وجيز، وسلفه قبله، يمضي ببساط ريح متخيله هنا وهناك دون منغصات. لقد غلب اللامكان المكان، والزمان نفسه انشطر، وتداعى على وقْع تداعيات توأمه المكان، إن جارينا كريستوف بوميان في «نظام الزمان». ليصبح السرد نفسه نادباً اسمه ومقامه وأرشيفه التليد.
مراعاة سلطة كل من المكان والزمان، تعني، وقبل كل شيء، ألا حيادية لهما، حيث يجري تحرّي وجوههما المختلفة، إذ يصعد البعد النفسي للزمان كثيراً، بالتوازي مع انكفاء النفس على نفسها، وتضيَّق المكان. كمثال حول ذلك، من يمكنه السير في شارع ما، في طريق ما، أو التحرك في حديقة ما، أو الوقوف في ساحة ما، دون أن يكون يقظاً من مفاجأة صادمة؟
طبعاً، يراعى هنا القارئ الذي يشكل المستهلك وربما الناظم النفسي والاعتباري للروائي، بمعنى ما. إذ كيف يمكن تصور من يعيش ارتجاجات محيطية، وأزمنة متقطعة، وأمكنة تتصادم، بتياراتها الرمزية، مع بعضها بعضاً، ويقبل على قراءة رواية مما ذكرنا؟
السرد شاهد مأساوي على مأساة من لازمه طويلاً، وهو في وضعية الذاهل عما يجري!
بالطريقة هذه، للحجم سلطته، جماليته، وحصافة معناه بالتأكيد.
ذلك يقع على عاتق السرد، ومن أي مورّثة فنية يكون كماً وكيفاً!
على وقْع الأخبار التي تفيض بالفجائع والمخاوف والمهددات المجهولة، وسؤال الإنسان عن نفسه بالذات، بعد جائحة كورونا، ولوائح الإرهاب المعلومة والمجهولة، كيف يمكن تصوّر من يركب حافلة وهو يقرأ «الحرب والسلام» لتولستوي، أو يضع « إلياذة» هوميروس أمامه، وبمتعة معتادة، وهي بضخامتها، وكله تركيز نظر عليها؟
ثمة نفاد رصيد لمفاهيم، وحلول مفاهيم جديدة، تحتّم على كل من الكاتب والروائي كمثال مؤثّر، وبالتوازي معها القارىء المنتج، ليس معايشتها فحسب، وإنما الظهور بمغاير لها أيضاً.
حتى على صعيد التعبير عن حالات نفسية وشواغلها، عن تلك الإمكانية المتاحة للروائي في أن يظهر متلفزاً، أو في محاضرة ما، وهو يسترسل في نسج علاقته بما يكتب دون توقف، بات ذلك نفسه في وضعية الموقوف، والمستدعى لأن يكون كائن اللحظة، والمكان الموجز، وما في ذلك، من تكثيف لغوي، في التعبير، وتنويع خطاب القول، وأخذ سلطة القارىء بعين الاعتبار.
تأخذ اللغة ذاتها حسابَها من متغيرات الحال، ظاهرةً معولمة بدورها، وما فيها من آفاق هابطة. لأن الذي كان يستدعيه الروائي من قوى خيالاته وتصوراته، وما يتداخل معها من رؤى جمالية، ومُثُل تستغرق صفحات الرواية بأساليب شتى، قد دخل في منحى مغاير. ثمة مفهوم قياماتي لما هو مثالي. إن مكاشفة الشيطان، وحتى الدخول المفيستوفيليسي في عقْد معين معه، من خلال الانكفاء على الذات، وتوصيف الشر بشكل غير معهود، ومديح الخراب ومن يتعهده، تعبيراً عن اعتراف ببؤس السائد.
لنتخذ ما أودعه خرائبياً نبيل سليمان في رواياته الأخيرة «تاريخ العيون المطفأة» والوهج الحارق في بنية العنوان، وبرهان شاوي في مجموعة متاهاته الروائية المرعبة، ومقابلتها بحلقات الرعب اليومية في العراق، ومثلهما شاكر نوري في جل رواياته مديحاً تهكمياً للخراب اليومي والذي يتسرب بإكسيره المسموم في الماء والهواء والشراب.
لعلنا على وقْع هذا الانفجار القيمي لما هو كوني، وبإمضاءة بشرية، نتلمس هذا الانهمام المركَّز بالمكان، وكيف أنه بات يشكل بؤرة توتر مؤرخ اللحظة بالذات، إشعاراً، بأن عودة سريعة إلى قراءة التاريخ من خلال المكان وقد فرض نفسه، ومن هنا كان تعبير «ذاكرة المكان» لبيير نورا الفرنسي، كما لو أنه يهيب بأهل مكانه الفرنسي أن يغيّروا اتجاه دفة البحث، قبل أن ينقلب بهم؟
هوذا الروائي نفسه، مؤرّخ، بمقاييسه الخاصة. حين يركّب من الأحداث عالمه المختلف، والذي يلوّح به لمن حوله، وفيه حضور لوعة الغياب، حرقة مرفقة بما هو طللي. ليكون هو، وليس هو في إهاب التحول من كائن إلى آخر.
دون ذلك كيف يمكن النظر في مفهوم الرواية وربطها بالمكان وتخلخله؟
إنها في مخاضها العسير، جهة العنوان، والمحتوى، والمساحة، وصيغ التعبير، والبطولة التي تمنَح لمن كانوا يذمُّون حتى الأمس القريب، على صعيد الشر المستفحل.
الرواية الشريرة ترميزاً هي الرواية التي تتعزز أكثر من سواها. لا بطولة لمن يقتدى به، كما كان معهودها. لا كيل مديح لشخصية تسمى بالبطلة، حيث أجيزَ لها ذلك طويلاً. البطولة متحوَّلة هنا، لأن القيمة متحوَّلة. والمقيم في الليل هو الذي يفوز بقصب السبق، والمسافات قصيرة، لأن الطرق التي تمتد لمسافات طويلة غير آمنة، وكذلك الخروج إلى البرّية، فثمة ما هو ملغوم!
ربما، في ضوء ذلك، يمكن قراءة ما تمخضت عنه أغلبية روايات الحدث السوري الرهيب، وما يصل الرواية ومناخاتها الخماسينية في المنطقة التي نعيش فيها، وأبعد!
كل ذلك، يشكل تحديات يواجهها الروائي، وتشغله أكثر، لحظة النظر إلى الآتي بالمقابل.
هل ستوضع الروايات التي شهدت حضوراً نجمياً لها ذات يوم، في غرف خاصة؟
إن الزمن المقطوع الذي تتطلبه قراءتها، وحتى مكاشفتها ومساءلتها، ينحّيها جانباً.
وقد تجد هناك من يهتم بها. ولا بد أنه يمثّل نسبة محدودة جداً، حين ينسلخ كلياً عما حوله، دون أي اعتبار لما يمكن أن يحصل له.
وفي الجانب الآخر، ربما كاتبٌ من مقام سليم بركات الذي عُهِد فيه ما لم يعهَد فيه من قبل، وهو يطرح لقارئه، أو من يكون قارئه، روايات ضخمة، مقارنة برواياته السابقة، بدءاً من «السماء شاغرة فوق أورشليم»، وليس انتهاء، كما يظهر بـ»نشوء المعادن: موسوعة الكمال بلا تحريف» حيث تجاوز عدد صفحات الأخيرة الـ 500 يمكنه التلويح باستثناء!
ذلك يستدعي قراءة سبرية لعالمه النفسي، للحياة التي اختارها في «بيته – العالم « وهو يستولد عوالم روائية من رحم خيالات، يخصبه جموح نفسي صادقه منذ عقود من الزمن.
هذه الحالة الروائية الخاصة لها موقعها، وحاجتها إلى مكاشفة قاعية، وكيفية الربط بين ما يتفكره في « بيته – العالم « وما يتدبره في «العالم – بيته « بنسيج يعرف سر حبكته وحده.
في كل ذلك، تكون الرواية انشقاقية، إنها من حيث الاسم، شاهدة على عصر لا تُعرف وجهته، وليس في مقدور أي ناقد وهو يعيش زلزالات واقعه بالمقابل، كتابة ما يفيد كثيراً في هذا المنحى، في عالم موسوم بالفوضى، عالم الانزياحات المتسارعة.
إن السرعات القصار، والأمكنة المنكفئة على نفسها، والإنسان الذي يشك في حقيقة ما يكونه مبنى ومعنى، وما في ذلك من خروج أكثر من جني ساخط من قمقمه، تمثّل أخطر اختبار من تنوعه تاريخياً، للرواية وكاتبها وقارئها، وللمستقبَل الذي أشكل عليه اسمُه هو الآخر!