القاهرة ـ «القدس العربي»: تباينت تصريحات مسؤولين إثيوبيين حول قدرة بلادهم على إتمام الملء الثاني لسد النهضة في شهري الفيضان في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب المقبلين، فيما شددت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي على أهمية الدور الكبير والمأمول من واشنطن في الضغط السياسي والدبلوماسي على أديس أبابا.
ففي الوقت الذي قال فيه وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي، إن بلاده لن تتمكن من تعلية الممر الأوسط لسد النهضة لارتفاع 595 مترا، ما يعني انخفاض حجم المياه المتوقع احتجازها، قال مسؤول إثيوبي كبير في مشروع بناء سد النهضة إن عملية الملء الثاني ستجري في موعدها كما هو مخطط.
الوزير الإثيوبي قال في تصريحاته الأخيرة، خلال مؤتمر بحثي في إحدى الجامعات الإثيوبية إنه «سيتم العمل على رفع الممر الأوسط إلى ارتفاع 573 متراً بدلاً من 595 متراً» موضحاً أن بلاده تسابق الزمن من أجل إنهاء بعض الأعمال الهندسية بالبوابات الـ13 للسد، قبل الملء الثاني في 22 يوليو/ تموز المقبل.
ووفق تصريحات الوزير الإثيوبي، فإن بلاده لن تتمكن سوى من حجز أربعة مليارات متر مكعب من المياه بدلا من 13 مليارا ونصف المليار التي كان من المفترض تخزينها خلال الفيضان.
إلا أن رئيس إحدى الشركات العاملة في تشييد السد، غيتانة كيبيد، قال في تصريحات صحافية، إن عملية الملء الثاني ستجري في موعدها كما هو مخطط.
وهاجم موقف مصر من سد النهضة، قائلا: المصريون يتصرفون كأن النيل يتدفق من بلدهم إلى إثيوبيا.
وزاد: طاستكمال المشروع التاريخي لسد النهضة الإثيوبي الكبير سيجعل هذا الجيل فخورا حيث وصل بناؤه الإجمالي الآن إلى أكثر من 80 ٪».
وأضاف: «ما يجعلني سعيدا في هذه اللحظة هو أن السد يقترب من الاكتمال. الآن واجبنا أن نكمله بالكامل لأطفالنا وللجيل القادم».
ولفت إلى أن الإثيوبيين يفتقرون إلى الاتجاه نحو الترويج المناسب لموارد البلاد الوفيرة لصالح شعبها» مضيفا: «بسبب نهجنا السلبي، تصرف المصريون كأن النيل يتدفق من مصر إلى إثيوبيا».
واعتبر أن سد النهضة بالنسبة للإثيوبيين هو رمز وعلامة على الاعتماد على الذات وقوة الوحدة، وهو أيضا بيان عن إلغاء جدران الاستحالة.
تعلية الممر الأوسط
خبراء مصريون في مجال الري أكدوا أن إثيوبيا فشلت في عملية تعلية الممر الأوسط لسد النهضة، تمهيداً للملء الثاني للسد هذا العام، وذكروا بأن ما يمكن أن تنجزه أديس أبابا قبل موسم الفيضان هو الوصول لطول 573 مترا فوق سطح البحر رغم أنه كان مخططا أن يصل ارتفاع الممر الأوسط إلى 595 متر.
محمد نصر علام وزير الري الأسبق، قال إن «التراجع الإثيوبي عن تعلية الجزء الأوسط من السد إلى منسوب 573 بدلا من 595 مترا فوق سطح البحر واستكمال الملء الثاني العام المقبل، ليس مفاجأة لأنه السبيل الوحيد لاحتمال تجنب المواجهة مع مصر والسودان».
وكتب على صفحته الرسمية على «فيسبوك»: «تكفي التعلية في رأيي لمنسوب 565 مترا على الأكثر وبما يضمن تشغيل التوربينات المنخفضة».
تفاصيل الفشل
أما عباس شراقي أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، فقد أفرد في منشور له على «فيسبوك» تفاصيل الفشل في عملية التعلية، مرفقاً صورا عبر الأقمار الصناعية لسد النهضة.
وكتب: «عقد مؤتمر علمي في جامعة أربا منش في إقليم الجنوب الإثيوبى، وأعلن وزير المياه والري الإثيوبي آخر تطورات سد النهضة. جار العمل في سباق مع الزمن للانتهاء من بعض الأعمال الهندسية في البوابات الثلاث عشرة قبل التخزين المقبل، وسيتم العمل على رفع الممر الأوسط إلى ارتفاع 573 مترا بدلا من 595 مترا، وسوف يتم الانتهاء من التخزين في يوليو المقبل».
السودان شدد على أهمية دور واشنطن في الضغط على أديس أبابا
وأضاف: «التخزين الجديد يصل إلى حوالى 4 مليارات متر مكعب يمكن تخزينها خلال الثلاثة أسابيع الأولى من يوليو كما حدث العام الماضي، ويمكن تشغيل أول توربينين في أغسطس».
وتابع قائلاً: «فشلت إثيوبيا في إتمام الإنشاءات الهندسية لتخزين 13.5 مليار متر مكعب، وسوف يتم تخزين 10 مليارات متر مكعب سنويا خلال السنوات المقبلة، وما كان مخططا ليتم هذا العام سوف يستكمل العام المقبل أي رفع الممر الأوسط إلى 595 مترا وتخزين حوالى 10 مليارات متر مكعب ليصل إجمالي التخزين العام المقبل الى 18.5 مليار متر مكعب».
ولفت إلى أن «الصور تظهر عدم زيادة المخزون الحالي من البحيرة الذي يبلغ 5 مليارات متر مكعب، وسوف تمر مياه الفيضان بعد الأسبوع الثالث من يوليو من أعلى الممر الأوسط، ويمكن للسودان تفريغ جزء الآن من سد الروصيرص الذي يحتوي على حوالى 5 مليارات متر مكعب بعد التأكد من محدودية التخزين هذا العام».
وأختتم قائلاً: «الفشل في التخزين الكامل لن يغير من موقف مصر والسودان الرافض بشدة لأي تخزين دون اتفاق حتى ولو كان مليار متر مكعب واحدا».
كذلك أفرد هاني رسلان، رئيس وحدة حوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، خلال منشور له على «فيسبوك» عدة نقاط حول وضع سد النهضة، وجاءت كالآتي «أجمعت التقديرات طبقا لصور الأقمار الصناعية أن التعلية التي تم إنجازها لتنفيذ الملء الثاني، بلغت حتى الآن 6 مترات فوق منسوب الملء الأول البالغ 560 مترا، والتعلية المطلوبة لإنجاز الملء الثاني هي رفع الممر الأوسط للسد 35 مترا أي من ارتفاع 560 مترا فوق مستوى سطح البحر إلى 595 مترا».
وتابع: «بهذا المعدل في إنجاز التعلية، وأخذا في الاعتبار الوقت المتبقي على موسم الفيضان، فإنه من الناحية الموضوعية لن تستطيع إثيوبيا رفع التعلية إلا إلى مستوى 572 مترا كما أعلن الوزير الاثيوبي، والظروف لا تسمح بأكثر من ذلك، لا سيما أن هناك مؤشرات أو بوادر أن الفيضان قد يحدث مبكرا هذا العام، وهذا التأخير قد يكون لأسباب تتصل بفشل فني أو إداري أو تمويلي، أو ربما يكون متفقا عليه سلفا».
وزاد: «ما نستنتجه أن هذا هو الواقع القائم، والقيادة المصرية لديها بطبيعة الحال مصادرها للمعلومات والمتابعة أولا بأول على مدار الساعة، ومن ثم فإن لها حساباتها وقرارها طبقا لموازنات دقيقة وقراءات متأنية لمعطيات المشهد التي أصبحت متغيرة ومتحولة بشكل متسارع في الأشهر الأخيرة، وما هو مؤكد أن إثيوبيا في حالة اضطراب وارتباك، وتغوص مع الوقت بشكل متزايد في أزمتها الداخلية التي وصلت إلى مرحلة التهديد العملي بالتفكك في حالة استمرت التفاعلات القائمة على النهج الحالي ذاته «.
وأضاف: «أصبح مؤكدا أيضا أن إثيوبيا دولة عاصية وخارجة على القانون، وأنها تحولت إلى مصدر عدم استقرار وتهديد للأمن والسلام في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وشرق أفريقيا، وأن هذه الحقيقة أصبحت أحد المدخلات الأساسية في التعامل مع إثيوبيا، فالأمر ليس قاصرا على سياستها أو تحركاتها الخارجية بل إنها تتصرف بذات النهج في الداخل الإثيوبي، بمعنى أن هذه السمة (تهديد الاستقرار والأمن والسلام) هي سمة أصيلة وليست عابرة، وما هو مؤكد أيضا أن مصر قد قطعت شوطا طويلا وناجحا في تعرية الموقف الإثيوبي أمام أفريقيا والإقليم والعالم، وأثبتت أن مواقف إثيوبيا خارجة عن القانون والعقل والمنطق ولا يمكن التعاطف معها فضلا عن تأييدها، وأنجزت بكفاءة لافتة المهمة المعقدة المتصلة بتجهيز مسرح العمليات، إذا تطلب الأمر أي تحرك عسكري، وتجاوزت كل المراحل اللازمة لذلك وصولا إلى الجاهزية الكاملة».
واختتم: «هناك طبعا تداخلات كثيرة من أطراف عديدة، والغالبية منها غير معلنة ويتم التعامل معها في صمت ودون ضجيج. وما نخلص إليه أن مساحة القدرة لدى مصر قد اتسعت، ومن ثم فقد اتسعت مساحة المناورة أيضا في مواجهة تعدد السيناريوهات المطروحة».
شحّ مائي
في الموازاة أكد المتحدث باسم وزارة الري المصرية محمد غانم، أن على المواطنين إدراك حجم التحديات التي تواجهها البلاد في توفير المياه، وأن مصر تعاني الشح ولا تمتلك رفاهية إهدار المياه أو تلوثها.
وقال في تصريحات متلفزة: «موارد مصر المائية محدودة وتواجهها تحديات كبيرة وحقيقية وعلى رأسها الزيادة السكانية التي تلتهم كل ما أمامها، وإن الزيادة السكانية تتطلب مياها إضافية لاستخدامات الشرب، وتحقيق الأمان الغذائي عبر استصلاح أراض زراعية أكبر».
وتابع: «الزيادة السكانية تمثل تحديا كبيرا يجعل الوزارة تبحث عن طرق جديدة لتوفير الموارد المائية، وأن حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب».
ولفت إلى أن «حصة مصر تصل إلى 60 مليار متر مكعب بعد إضافة المياه الجوفية وبعض الأمطار، وأن الاحتياجات المطلوبة والمقدرة بـ114 مليارا تمثل ضعف الموارد المتاحة».
وشدد على أن «الدولة تحاول مواجهة هذا الشح المائي من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي واستخدام المياه الجوفية السطحية في الوادي والدلتا، فنحن أمام تحد حقيقي يحتاج الحفاظ على كل قطرة مياه».
وأكد وزير الموارد المائية والري محمد عبد العاطي، حرص بلاده على استكمال المفاوضات، مع تأكيد ثوابت مصر في حفظ حقوقها المائية وتحقيق المنفعة للجميع في أي اتفاق حول سد النهضة، والسعي للتوصل لاتفاق قانوني عادل وملزم للجميع يلبي طموحات جميع الدول في التنمية.
اتفاق ملزم
إلى ذلك، أكدت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي أن السودان يتطلع إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم حول الملء والتشغيل قبل الملء الثاني لسد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق. وشددت على أهمية الدور الكبير والمأمول من الولايات المتحدة في الضغط السياسي والدبلوماسي على إثيوبيا.
ونقلت وكالة السودان للأنباء (سونا) الأحد عنها القول إن الرؤية السودانية بشأن سد النهضة حظيت بتوافق وطني كبير بين مكونات الحكومة الانتقالية والشارع السوداني، وبتفهم إقليمي ودولي.
وقالت إن الخرطوم مستعدة للتفاوض من أجل حل القضية بوسائل سلمية وبرعاية الاتحاد الأفريقي، مجددة الترحيب بدور الشركاء الدوليين كضامنين ومسهلين، وذلك باستلهام التجارب العالمية والأفريقية في التعامل مع الأنهار العابرة للحدود لا سيما تجربتي نهري النيجر والسنغال، واللتين تؤكدان إمكانية التعاون في المنافع المشتركة من الأنهار.
وأضافت أن الولايات المتحدة لعبت دورا مهما في الوساطة، والتي حسمت المسائل الفنية والقانونية وأحرزت تقدما في مفاوضات واشنطن وتبقت نقاط قليلة تتعلق بالاتفاق القانوني حول الملء والتشغيل وبعض المسائل الفنية والقانونية القليلة، مشيرة إلى أن المفاجأة تمثلت في تراجع إثيوبيا عما اتفق عليه.