نال الترحيب والجوائز لجدارته «ستموت في العشرين» فيلم روائي سوداني
بيروت-»القدس العربي»: احتلّ الفيلم الروائي الأول للمخرج السوداني أمجد أبو العلا «ستموت في العشرين» مكانة مميزة في ذاكرة من شاهده. الفيلم الذي ولد بعد عزوف 20 سنة عن السينما في هذا البلد العربي الزاخر بالخيرات، قدّم صورة مشغولة باحتراف عن مجتمع للغيبات فيه فعلها المؤثر. فيلم غني بالقوة والعاطفة والحب وتغيير المصائر. وحضرت فيه صورة لحياة فردية موجودة دون شك، ومتخفية بستار يتراوح بين سميك جداً، أو شفاف جداً بحسب الناظر إليه.
«ستموت في العشرين» جال على المهرجانات وكسر قواعد البرمجة في أكثرها، مُددت أيام عرضه، وحصد جائزتين من الجمهور، وجائزة اسد المستقبل من مهرجان البندقية. وجائزة نجمة الجونة الذهبية من مصر. ورشحه السودان لتمثيله في الأوسكار.
هنا حوار مع المخرج أمجد أو العلا:
○ قدمت العديد من الأفلام الوثائقية فهل رغبتك بتقديم أول فيلم روائي طويل حفّزتك لإيجاد الموضوع أم العكس؟
• كنت في بحث عن مشروع لفيلم روائي طويل، والفكرة كانت حلُماً رافقني خلال الدراسة الجامعية. كنت دائم الحضور في مهرجان دبي السينمائي، ولسنوات سبع متتالية برمجت مهرجان السودان للسينما المستقلّة. وشاركت في لجان تحكيم لأفلام جاءت من دول تشبه السودان، حيث لا صناعة سينمائية. الغيرة رافقتني على مدى سنوات انخراطي في تلك المهمات.
○ إنها الغيرة الإيجابية؟
• بالتأكيد ودليل تلك الإيجابية إصراري على تقديم فيلم طويل مهما كانت الصعوبات. بدأت العمل على قصة «النوم عند قدمي الجبل» حين اخترتها من كتاب قصص قصيرة كان مرشحاً لبوكر وعنوانه «شوق الدرويش» للروائي السوداني حمّور زيادة. جذبتني تلك الحكاية ووجدت سأتمكن من خلالها من التعبير عن حياة الإنسان السوداني وعلاقته بالمجتمع من حوله. إنها حكاية «مُزمِّل» وتلك القرية التي آمنت بكاملها بنبوءته.
○ ما الهدف من اختراق الغيبيات التي تستقطب بشراً كثر في فيلمك الروائي الأول «ستموت في العشرين»؟
• الغيبيات جزء من حياة وعمل الفنانين. بمجرد وضع الرأس على الوسادة ليلاً تتراءى لنا الكثير من الغيبيات. وعندما نراها مؤثرة على حياة من حولنا في المجتمع، سيكون لنا دور بالكلام عنها. وعندما نصل إلى القرى بعيداً عن الخرطوم سنلمس مدى سيطرة المشايخ وأعمال السحر وفك السحر وغيرها من الغيبيات. لهذا شعرت بأن قصة حمّور زيادة تضع الإصبع على جرح نادراً ما تمّت معالجته. كان الموضوع مغرياً على صعيد السينما. فمن وجهة نظري الشخصية أرى السينما حدوتة.
○ خلال كتابة السيناريو والتصوير هل واجهت محاذير معينة؟ وهل من محطات قاربتها بدقة؟
• بداية اخترت السيناريو سوياً مع الكاتب الإماراتي يوسف ابراهيم، شريكي في الكتابة. النقاش الدائم بيننا كان عن مدى وضع أصابع الاتهام على الشيوخ أو على المجتمع. ففي الجزء الأول من الفيلم لم ينطق الشيخ بالنبوءة، إنما الدرويش ردد ذلك، وردد الناس بعده «يا حُرقة قلبك يا سكينة» بعد أن صدمها قول الدرويش. فعلياً الناس هم من صنعوا النبوءة والشيخ أمّن عليها. إذاً ورداً على السؤال نحن لسنا حيال محاذير، بل من وجهة نظري الوجه الإيجابي جداً للصوفية في السودان، جعل التديُن لطيفاً وغير مؤذٍ. وقفت الصوفية حائط صد بوجه السلفية المحدودة الحضور. اختبأ الشعب كثيراً خلف هذا الحائط فكبر حتى صار مسيطراً على الوجدان وباقي تفاصيل الحياة. لهذا برأي هناك حاجة ماسة لوقفة تضع حدوداً لذاك الجدار. فالصوفية تغلغلت في الأرواح لدرجة الإيمان بممارسات خاطئة.
○ بعد عرض الفيلم هل واجهتك انتقادات من جهات دينية، مع العلم أن المواجهة تستند أحياناً إلى عدم المشاهدة؟
• وهذا ما حدث بالتحديد. تسرّبت مشاهد من الفيلم بعد نيله العديد من الجوائز وهو إلى الآن لم يُعرض في السودان. تلك المشاهد تسببت بهياج الصوفيين والسلفيين. الصوفيون اعتقدوا أن الفيلم يدعم السلفيين، والسلفيين اعتقدوا أنه يهاجمهم. ولدى عرضه ومشاهدته بالكامل على نتيفلكس، سكت الجميع. ولدى فتح يوتيوب ستجدين فيديوهات قاسية من شيوخ سلفيين. فيما لجأ الصوفيون للهجوم عبر وسائط التواصل الاجتماعي. مشاهدة الفيلم ساهمت بهدوء الجميع.
○ ولماذا لم يُعرض الفيلم في السودان إلى الآن؟
• نال الفيلم موافقة الرقابة بكامله والحضور لمن هم فوق 18 سنة. وفي السودان صالتا سينما فقط في الخرطوم، وكان كل منها يبتدع حججاً. وعندما تمّ تذليل كافة العقبات والحجج واجهتنا جائحة كورونا والإقفال.
○ هل أخذت التهديدات التي وجّهت لك عبر وسائط التواصل بعين الاعتبار؟
• بل تهديدات تعدّت وسائط التواصل إلى صحيفة سودانية حيث نُشر خبر كاذب لمحررة فيها، مفاده أن «داعش» تهدد فريق الفيلم في حال عرضه في السودان. وبالتواصل مع رئيس التحرير لم يجد مصدراً للخبر، بل كان من محض خيال الصحافية. طلبنا تكذيب الخبر أو اللجوء للقضاء، فكان التكذيب في اليوم التالي.
○ لفتتني ثورتك اللطيفة «لم ننجح شفقة بالدولة الفقيرة..جوزينا بالجوائز بعد كل ما عانيناه». لماذا قلت هذا؟
• لأنها الحقيقة. لم يكن محقاً بالنسبة لي أننا نحصد الجوائز لأن الثورة في السودان اندلعت قبل أشهر من عرضه، وأنها ـ أي الجوائز ـ تُشكل دعماً للثورة. تأثرت بالثورة وأوقفت المونتاج لشهرين وعدت للسودان للمشاركة فيها طوال شهرين. وفي الوقت نفسه تهمني السينما، وكذلك احترم جهود عملنا لسنوات، وكذلك تفاصيل أخرى حصلت خلال العروض. ففي عروضنا ضمن مهرجان تورنتو كنا حيال ثلاثة عروض فقط. لكن راغبين بمشاهدة الفيلم تدفقوا عبر الطائرات من الولايات المتحدة، فكان عرض رابع على الهواء مباشرة لاستيعاب الجمهور. وفي اوسلو اضيف عرضان إلى الثلاثة المبرمجة للفيلم. وفي مهرجان الدوحة اضيف أسبوع عروض كامل للفيلم في المتحف الإسلامي بعد ثلاثة عروض ضمن المهرجان، ارضاء للجمهور السوداني. وفي الدوحة حصد الفيلم جائزة الجمهور، وكذلك في براغ. أثبت الفيلم نفسه بمنعزل عن فكرة الثورة السودانية، وهو لم يتناولها، رغم كوني أهديته رسمياً لشهداء الثورة. فانجاز المونتاج كان يتمّ وأرواحهم تتصاعد إلى السماء. إذاً الجهد الفني المبذول في الفيلم هو سبب تقديره حول العالم.
○ قال الأب لزوجته «أنت قوية أنا لا أقدر» وسافر. هل تقصّدت اظهار الرجل بهذه الصورة؟
• لنقل أني تقصّدت إظهار المرأة بهذه الصورة. هكذا هي المرأة السودانية وهكذا أرى قوتها. أراها في أمي وخالاتي وجاراتنا. أراها تمسك زمام الأمور بقوة، الإدارة لها وهذا مقبول من الرجل. قديماً ازدهرت أغاني الحماسة خلال خروج الرجال إلى الحرب. كانت النساء يغنين ويحرضن الرجال للخروج إلى الحرب وعدم العودة إلاّ بالانتصار. أشهر صور الثورة السودانية كانت للفتاة ذات الثوب الأبيض ترفع يدها وتخطب في آلاف الناس. أكتسبت لقب «الكنداكا» وهو كان لملكات الفراعنة السودانيات النوبيات 200 سنة ما قبل الميلاد، واللواتي حكمن في غياب الرجل. وبالمناسبة أنا حالياً بصدد مسلسل عن تلك الملكات. في «ستموت في العشرين» كنت بصدد الإشارة إلى شخصية سكينة التي امتلكت قوة سلبية، فهي سجنت ابنها، بخلاف قوة نعيمة التي اسندت مُزًمِّل إلى الحائط، وأدارت مقدرات العلاقة العاطفية بينهما.
○ لمُزَمِّل ونعيمة مشاهد مفرحة وجميلة وعفوية. هل فك الحب قيود الشاب المقرر أن يموت في العشرين فانطلق إلى الأمام دون النظر للخلف؟
• كانت نعيمة ترى أنها قادرة على انقاذ مُزَمِّل من خلال حبال الحب، وهي حبال الحياة. على الدوام كانت تخطط للمستقبل، البيت الكبير، والعيال الكُثر. دائماً كانت تتحدث بما يدفعه لرؤية ما هو خلف النبوءة. استوعب مُزَمِّل ما قالته نعيمة في اللحظات الأخيرة عندما صارت زوجة لغيره، بحكم التقاليد الشعبية وزواج الصالونات. وعندما لم يعد لنعيمة وجود في حياته بات متمسكاً بالطرف الآخر وهو المعلم سليمان، الذي كان يتحدث على الدوام عن الحياة، وفي النهاية فارق الحياة. عندها شعر مُزَمِّل بغدر وخيانة. ومباشرة راح إلى ست النسا التي كانت تملأ حياة سليمان. أراد تجربة الخطيئة التي حكى عنها سليمان، ومع المرأة التي أحبها.
○ إذاً لسليمان و»كراكيبه» دور في تحريك عجلة مُزَمِّل لدوس خزعبلات من يدّعون قراءة الغيب؟
• يمثل سليمان دور المثقف الذي يقول رأيه بصوت مرتفع، دون أي حساب لمن يقف أمامه. وجد في مُزَمِّل الخامة المناسبة، تحدث عن والده، وكيف ترك القرية. الكثير مما قاله سليمان علِق في رأس مُزَمِّل، وبالنهاية اختار الحياة حين ركض في الطريق المعاكس للقرية، وبدأ البحث عن المدينة. في اقل تقدير أن لسليمان أثر في قرار مُزَمِّل بالخروج. أما كيف سيتعامل مع حياة المدينة لاحقاً، فهذا ما يحتاج لفيلم آخر.
○ حالة سليمان وحياته الخاصة في منزله هل تقع في خانة الممكن والمقبول في السودان؟
• كافة الأمور متاحة ضمن مظلة «إذا بوليتم.. فاستتروا». وكما هو شائع في الوطن العربي تقديم وجه المدينة الفاضلة، فالأمر نفسه موجود في السودان. «ستموت في العشرين» هو الفيلم رقم سبعة في تاريخ السينما السودانية، وأثار جدلاً واسعاً على وسائط التواصل. منهم من يقول «هذا حاصل عندنا ولماذا إخفاء الوجوه في الرمال»؟ قد يكون الفيلم المنتظر بعد مرور 20 سنة على الفيلم السادس في السودان شكّل ضربة قوية على الرأس بسبب صوره الجريئة. يحتاج الواقع برأي إلى جرعات كبيرة بهذا القدر، وهذا ما قمت به. واحتمال المزيد وارد في المستقبل. فالسينما مرآة نقف أمامها ونتعرّى.
○ تزامن تصوير الفيلم ومونتاجه مع انتفاضة شعب السودان. عُرِض وحقق نجاحاً كبيراً. ما هو حال الانتفاضة وأنت من قال «الفن والفنانون» كانوا في قلبها؟
• صح. بدأت التصوير من شهر 12 إلى 4 حيث بدأ الأعتصام والتجمع في مكان واحد في الخرطوم أمام قيادة الجيش. كنت في القاهرة أنفذ المونتاج، توقفت وعدت للخرطوم مشاركاً في الاعتصام على مدى شهرين. في الاعتصام وجدت كافة الفريق الذي ساعدني في التصوير والديكور في السودان. بعضهم تعرّض للاعتقال، وأحدهم قُصّ شعره بعد أن كان طويلاً. من المؤكد تقاطعت مراحل الفيلم كافة مع الثورة في السودان.
○ ماذا علّمتك تجربتك الأولى في الفيلم الروائي الطويل؟
• تعلمت أننا نحقق الحلم البعيد مع بدء العمل به. درست الإخراج وبعد التخرج 18 سنة قدمت أول فيلم روائي. تعلمت من تجارب فلسطينية ولبنانية وتونسية أن الإنتاج المشترك هو الحل. من المؤكد أني استفدت كثيراً، فما قبل الفيلم ليس كما بعده. حالياً وقّعت مع شركة إدارة أعمال عالمية تدير أعمال جورج كلوني وبراد بيت وجميس كافرون وغيرهم. بدأت التحضير لسينما مختلفة، وبالطبع لن أنجر إلى سينما هوليوود وأنسى السودان. أسعى للموازنة. الآن أنتج فيلم «وداعاً جوليا» للمخرج السوداني محمد قردفان بهدف دعم صناعة السينما السودانية.