إذا كان هناك من ضمير أسيء استعماله تاريخياً، وعلى مختلف الصعُد، وأريقَ مفهوماً، فهو «ضمير المتكلم المفرد». فيه يختفي الصوت تجنيساً بدايةً، وفيه يساق خارج منبته، ويتم التلاعب بحقيقته الاعتبارية، إذ يلتقي فيه الكبير والصغير، المتنفذ والمجرَّد من قواه، والأهم الأهم: التماهي الخادع المخدوع بين المذكَّر والمؤنث. إن تاريخه هو عنف الممثّل فيه وباسمه.
تُرى، من هذا الذي يتهجاه، وأين يتموقع اعتبارياً في الحال «أنا»؟ موهوب أو مشاع لأن يعوَّل عليه من جهة أي كان، وفي أي مكان وزمان، إنما ما السلطة المعبَّر عنها فيه ليظهر نفوذاً؟
في المفهوم الفرويدي، يشار إلى أن «أنا» أو ما أعطي له الاعتبار المفخَّم بالمعرفة «الأنا» يشكّل منطقة العواصف وجغرافية السراب الضالة والمضلَّلة، جامعة بين الجلاد والضحية! وفيه ما فيه ما ليس فيه، جهة المحمَّل به حقيقة ومجازاً كما يقال، إذ يُتلاعَب به على هوىً كثيراً!
«أنا» في حضوره، ماذا يحمُل؟ وهو في تهجئته إلام يرمي؟ وإن اُستنطِق فكيف يجيب؟
إنها الإحالة الكبرى على «شرف» الذات المعتدة بنفسها، والتي تحتفظ باستقلاليتها. سوى أن المخاتلة تباشِر عملها الفتنوي من هذه اللحظة/ النقطة: تمويهاً على المتكلم نفسه، وإعلان شأن!
وجرّاء هذه المكابدات والاعتراف الضمني بصعوبة تحميل هذا الضمير ما لا يُضمَر، يُستدعى ضمير المتكلم الجمعي، رغم أنه كثيراً ما يعرَّى بـ»أناه» من قبل ذوي النفوذ هنا وهناك.
يكون اللجوء إلى «هو» وما أصعب وأشقى مشاكسات الـ»هو» شعوراً بأن هناك ما لا يمكن النظر فيه ومكاشفته في تجليه غائباً، ومضيّه بعيداً عن النظر المحتسَب وملابساته بدوره.
ثمة تقدير تحوُّلي لدى المنتمين إلى عالم الأدب (الرواية خصوصاً)، التي تعتبَرُ متحفَ مؤثرات «الأنا» طوابقياً وآثارياً، بكيفية تعرية المجتمع بإماطة لثام الأنا، والاعتماد على المقدَّر الأكثر جدوى لزلزلة المزيف في المجتمع، وفي نطاق ما هو جندري خصوصاً.
ففي كل أنا ثمة سيرورة التفافات وصيرورات معاكسة لبنية المتشكّل من خلاله واقعاً!
حيث هذا الضمير الذي يشار إليه دون تنسيب جنساني، ما أن يُشدُّ إلى فعل أو اسم، حتى يتحدد موقعاً، لا يعود لقناع الحيادية المزعومة «أنا، لأي كان»، أي محل من إعراب معمَّم وطليق!
سوى أن ذلك لا ينهي المشكل بالتأكيد جرّاءالأقنعة المتراكمة تاريخياً وثقافياً، بمقدار ما يظهر الأزمنة والأمكنة والوجوه اللامرئية فيه، والقهقرى إلى ماوراء المدوَّن تاريخياً.
وثمة أمثلة قاعية ونحن مميَّزونا بالقاعي فينا، ومما هو محتسَب قاعياً إن من جهة الجذور المتشعبة للضمير المركَّب، وإن من جهة المستقى منه والمأمول، وما يزيد في نزف معناه.
تُرى أي شعور «أنوي» منضبط كان يتملك جسد كاتبات من مثل أحلام مستغانمي، علوية صبح، فضيلة الفاروق، وسلوى النعيمي…الخ، وهن (لاحظوا ماذا يفعل هذا الضمير بـ»أنا» كل منهن، عبر مدخل محرج لنون النسوة وصقالتها المرئية!) سابحات قاعٍ عالقات؟
أي نوع معتبَر من «أنا» كان يعوَّل عليه استضافة أو تسخيراً أو تدبيراً دلالياً من جهة مستغانمي في روايتها «ذاكرة الجسد»؟ جسد من، وأي نوع، وتبعاً لأي تسويق قيمي، جمالي مطروح في «سوق التعاطيات الجنسانية»؟ كيف لجسد أن يستحيل ذاكرة، والذاكرة ماضية أو تقع في الخلف، والجدير بحمْل تمثيلها الاسمي هو «هي» وإشكاليته؟ أيّ أنا كانت مستغانمي تعيش مناخاته، أغواره، مستجداته (لاحظوا أنني أستخدم الدال على المذكَّر هنا)؟ كيف ينقسم الجسد بعائده الإنسي- الأنسي بين نكرة ومعرفة، مذكَّر ومؤنث، مشهَّر بغلمنة وشبق، ومعبَّر بتذويقات جمالية فاض فيها السرد إلى درجة الانطفاء في الشعري حيث يتوارى السرد فعلياً؟
أليس من تمثيل جنساني لتفجير اجتماعي يتعدى حدود بلدها الجزائر وتعرية المرعب في أناه؟
بالتوازي، وربما في تنافسة مقدَّرة، كيف قاربت علوية صبح روايات من مثل «مريم الحكايا» – «دنيا»- «اسمه الغرام»، لا أكثره زخماً وتخمة مما هو جنسي يجعل باطن الجسد ظاهرة لمساءلة بنيته الثقافية بمعوّل فني- رمزي، والأقرب»اسمه الغرام» واشتعالات «أنا» وأصوات النساء وتداعيات أجسادهن وما يخص النار التي تشتعل في غابات المغيَّب داخل وعيهن مجتمعياً.
لكأن لحظة البدء المفترضة بـ»أنا»، بصوت مرقق نسوياً، تأميم للاختلاف، وتفجير للمسكوت البغيض في أحادية هذا الضمير، وبلوى الاستفحال الذكوري ميمنة وميسرة!
هذا ما يمكن تبيُّنه وقراءة ما لا يحاط به خارج هامش المتصور روائياً لدى فضيلة الفاروق (الجزائرية الأخرى)، والتي وجدت متنفساً لها في بيروت الجامعة بين بحر يمتد بعيداً بمرماه وجبل يصعد إلى ما هو أولمبي وإفساح في المجال لأنا يمثّلها عن قرب حال مواطنتها مستغانمي، ومن خلال رواية ضليعة في الإثم بعرف الذكورة «اكتشاف الشهوة»، وعبر «أنا» يسوق لغتها، كما تسوق لغتها ضميراً موزعاً بين الساردة والمسرود واستطلاعاتها ذات الشأن عبرها، حين يُزج بالضمير في أكثر من مشهد كرنفالي يصدم فقيه الجسد الذكوري!
في الشهوة المحرَّرة روائياً من أي تبعية أو وصاية، تتقدم بالرواية عنواناً يترجم بعضاً مما هو منتسب إلى جسد الروائية بالذات، حيث يتسع حدوداً، ويعلو بهمومه وينخفض مأساة.
هذا ما يمكن النظر فيه بالمقابل لدى السورية سلوى النعيمي، وفيما لا يتطلب برهاناً، إنما هو إعلان خطي غير معتاد في الآن عينه عما ينتظر الجسد اللامسمى جهة، أو نسب اجتماع، أي «برهان العسل»، حيث يلوَّح بالمحمول الجنسي كثيراً، ويتم الضغط مضاعفاً على النظر للتدقيق ومساءلة المحفوظ والمحصَّن عالياً من خلال «الدال الجنسي: الوديعة الذكورية»، فيما يتناثر في الحقل المفلوح للرواية، والعناوين التي تسمّي «أهلها الذكور فقهياً» على مستوى المتعة ومرجعية المتعة، والأصوات التي تتداخل فيها، ومن يكون المطعوم والملغوم قيمةً!
في وسع «برهان العسل» كمثال حي، حيث تكون روائيتها رحالة مكان ما أقصاه عن المكان الذي خرجت منه، وهي في وضعية الممانعة والحظر من الحديث عن «عسل» رمزي، إنما يشهَد به جنسانياً، وبتوجيه ذكوري، وبرهانه ومن يحرّكه ويجمده أو يتكتم عليه ويصرح به، حتى جهة التلميح، في بلد لا يحتاج إلى تأكيد «برهان» الموت الزؤام الذي يلتهمه كارثياً، كما لو أن مغزى العنوان يستعار ويُستدار مستشرفاً على ما جاء بعد زمن ولادة الرواية.
هذا «الأنا» أو الأنا تحريراً من ربقة الفارزتين يفيد النحوي واللغوي واللساني والناقد ومفكر ما بعد الحداثة والعولمة وما بعد الكولونيالية وثقافتها، انطلاقاً من رصيده الوافر والمتجدد، لأن ليس هناك ما هو أوفى منه في المطالعة المباشرة لمنحى المنطوق باسمه، ولا أعمى منه، في الجانب الآخر، حين يؤخَذ به، كما لو أنه مدرَج في دائرة الضوء ومدرَك بتاريخه الذي يقرَأ أفقياً – حصرياً.
في مقدور المعزّز بفضيلة الثقافة المنفتحة على رحابة مفهومها، أن يقتفي أثر هذا الضمير الرهيب والمخيف والعجيب والغريب، وكيف يجعل المفرد جمعاً يُتستر عليه، وغائباً لأن له مهمة لا يراد لها انكشافاً، وكيف يبقى الجمع بمردوده السلطوي، جهة الذين يختارون الكلمات الأكثر تنويماً لمن حولهم، شاهداً مرجعاً لفك الارتباط بين مطلعه وحقيقة المتضمَّن فيه.
وفي مقدور هذا الضمير، ضمير أنا المتكلم، أن يمضي بقارئه إلى داخل أي كان، ويتلمس فيه تفريقاً وحشداً للدلالات ومفارقات التسميات لأجناس وأنواع من أمم وشعوب في التعبيرعما هو قيمي، اجتماعي، سياسي وأدبي.
أن يعيش أحدهم متعةً لا تتاح لأي كان، في فصل المقال ما بين الغرب والشرق من اتصال، وأي نسَب جمالي يتحدد لكل منهما، وتحديداً في عالم اليوم، حيث إن الجغرافيتين تمازجتا جهة المنتمين إليهم، خصوصاً، وكما هو معروف، من يهربون من عنف «أنا» مميت واقعاً، شرقياً، ويلوذ بـ»أنا» آخر ملطَّف، ومغر للإقامة في دنياه، رغم أنه هو نفسه لا يخفي عنفاً يتناسب ومقامه القاري، أو قل: الثقافي والسياسي.
ولا بد أن الذين وجدوا في تسمية ضمير أنا المتكلم فرصتهم، وفي دائرة النسوية خصوصاً، كان ذلك من خلال هذا المطروح باسمه، وعبر جسد أُبحر فيه، ونقّب في خلاياه وأوردته وفصّيه الدماغيين، ومعترك الشهوة ومآلاتها. هذه المتعة تكون من نوع أكالي (كانيبالي)، فليس صانع «أنا» إلا صنيعه وأسيره في العمق.
أعطوني ضمير متكلم مفرد دقيقاً، أعطِكم ضمير متكلم جمْعٍ سوياً!