الأيام المقبلة كفيلة بتحديد وجهة الحريري والأوراق التي سيستخدمها في المبارزة المفتوحة مع العهد الذي يتعرّض يوماً بعد يوم لخسارة أوراق قوته في الشارع المسيحي.
بيروت-»القدس العربي»: لم يشكّل انهيار الهدنة الإعلامية بين الرئيس المكلّف سعد الحريري وكل من رئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر، مفاجأة لكثير من مواكبي عملية تأليف الحكومة بل شكّلت في نظرهم نتيجة حتمية للمناورات والتسريبات التي بدأت بعد محادثات رئيس التيار العوني النائب جبران باسيل مع الخليلين في منزله في البيّاضة بحضور مسؤول الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، وحاولت تصوير العقدة في بيت الوسط ورمي الكرة في ملعب الحريري علماً أن الرئيس المكلّف قدّم ما يستطيع من تسهيلات بموافقته على توسيع التشكيلة الحكومية من 18 إلى 24 وزيراً وعلى تعديل في توزيع الحقائب.
أما المعاونان السياسيان لكل من رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فلم يتوصلا مع باسيل إلى تفاهم نهائي حول آلية تسمية الوزيرين المسيحيين الإضافيين في حكومة من 24 ولم يأخذا منه تعهّداً حول منح الحكومة الثقة في مجلس النواب من قبل «تكتل لبنان القوي» الذي سيكون ممثلاً ولو مواربة بـ 3 وزراء مسيحيين إلى جانب 3 وزراء آخرين محسوبين على رئيس الجمهورية ميشال عون، وأي مشاركة لرئيس الجمهورية أو للتيار العوني مباشرة أو مداورة في تسمية وزير مسيحي إضافي تعني حصولهما على الثلث المعطّل في الحكومة إلى جانب كل من الوزير الأرمني المحسوب على الطاشناق والوزير الدرزي المحسوب على النائب طلال ارسلان، وهذا ما يرفضه الرئيس الحريري الذي وافق على مبادرة بري على أساس توزيعة 8-8-8 لكل فريق. أما اشتراط رفض التسمية من قبل الحريري للوزيرين والإصرار على المشاركة في التسمية فتعني حصول فريق العهد على 8 وزراء زائداً واحد. ولا يستوي الكلام حالياً عن عدم حق الحريري في تسمية الوزراء المسيحيين وهو الذي كان سمّى في إحدى حكومات العهد وزيرين أحدهما ماروني هو غطاس خوري والثاني أورثوذكسي وهي الوزيرة فيوليت خيرالله الصفدي.
وهكذا تتلاشى الآمال بإمكانية إحداث خرق في الحائط الحكومي المسدود بعدما أبدى الحريري كل تجاوب مع مبادرة بري، ويعود الحديث عن الخيارات التي ستكون مطروحة أمام الرئيس المكلّف ومن بينها خيار الاستمرار بالتكليف نزولاً عند رغبة صديقه رئيس مجلس النواب أو خيار الاعتذار بعدما تبيّن له أن فريق العهد لم يبدّل سياسته بل يراهن على مزيد من التنازلات السياسية من قبل الحريري الذي لن يقبل التفريط بصلاحياته كرئيس مكلّف بتأليف الحكومة ولا بالأسس التي وضعها للتشكيل، ولن يقبل بتكريس «بدعة التفاوض» مع رئيس تيار سياسي نيابة عن رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة خارج الدوائر الرسمية وخصوصاً قصر بعبدا، موضحاً أنه لم يكلّف أحداً بتأليف الحكومة وأن الاجتماعات السياسية التي حصلت في البيّاضة أو غيرها لا تعدو كونها مشاورات سياسية بين فرقاء.
وخلافاً لما يسوّقه البعض عن قلق الحريري على مستقبله السياسي في حال الاعتذار عن عدم التأليف، فإن أجواء بيت الوسط لا يساورها مثل هذا القلق ولا تربط مستقبل الحريري بترؤسه للحكومة من عدمه، وتبدو مطمئنة إلى مؤشرات الشعبية خلافاً لحال التيار العوني الذي حصد العديد من المقاعد النيابية بالتحالف مع «تيار المستقبل» في مناطق الشمال وزحلة وبيروت، وهذا لن يتكرّر في الاستحقاق الانتخابي المقبل، ما يعني أن الأكثرية النيابية الحالية في البرلمان مرشّحة للتغيير من فريق الممانعة إلى الفريق السيادي، وهذا ما يفسّر الاعتراض الشديد من قبل الأمين العام لحزب الله على إجراء انتخابات نيابية مبكّرة وعلى رفض تلويح التيار العوني بتقديم استقالات نوابه لنزع التكليف من يد الحريري، بل تفضيله بقاء الستاتيكو الحالي حتى ايار/مايو المقبل حيث تتضّح صورة المفاوضات الأمريكية الإيرانية وصورة الاستحقاقات الإقليمية.
وقد جاءت اطلالة نصرالله الأخيرة لتعزّز المخاوف لدى بكركي وأطراف مسيحية من وجود نيّة لتأجيل الانتخابات النيابية والاستمرار بالفراغ الحكومي بهدف التمديد للمجلس النيابي الحالي وفرض أمر واقع بالتمديد لرئيس الجمهورية أو إحداث فراغ رئاسي يأخذ البلاد إلى مؤتمر تأسيسي يجري في خلاله الانقلاب على اتفاق الطائف وعلى توزيع الصلاحيات والإطاحة بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين لصالح المثالثة.
في ضوء كل ما تقدّم، كيف سيردّ الحريري على محاولات استفزازه والطعن بحقّه الدستوري بتسمية وزراء مسيحيين من خارج حصة رئيس الجمهورية؟
لقد اختار الحريري الذي يتمتّع بغطاء دار الفتوى المشاركة في اجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لوضع رئيسه والأعضاء في صورة الاجتماعات التي عقدها مع رئيس الجمهورية وتقديمه تشكيلة اليه من 18 وزيراً ثم تجاوبه مع مبادرة بري وعرضه تشكيلة من 24 وزيراً. وتبدو الأيام المقبلة كفيلة بتحديد وجهة الحريري والأوراق التي سيستخدمها في المبارزة المفتوحة مع العهد الذي يتعرّض يوماً بعد يوم لخسارة أوراق قوته في الشارع المسيحي، والذي فقد نظرية «الرئيس القوي» منذ ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر وثبت أنه مستقوٍ فقط بحزب الله. وقد جاءت إطلالة الأمين العام لحزب الله الأخيرة لتؤكد هذا الأمر ولتفرغ نظرية «الرئيس القوي» من مضمونها بعدما أكد نصرالله هيمنته على الدولة اللبنانية وإمساكه بأوراقها من دون أن يخرج أي مسؤول رسمي لا على مستوى الرئاسة ولا على مستوى الحكومة ليردّ عليه باستثناء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وبعض قيادي 14 آذار كالنائب المستقيل نديم الجميّل والنائب السابق فارس سعيد.