شبح نتنياهو يطارد حكومة إسرائيل الجديدة في العواصم العربية

ابراهيم نوار
حجم الخط
0

أصبح فلسطينيو الداخل جزءا من التحالف الحاكم في إسرائيل، بتمثيلهم بنائب وزير في رئاسة مجلس الوزراء، ومنصبين في رئاسة لجان الكنيست أحدهما لجنة الشؤون الداخلية، عن طريق القائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس. وعلى الرغم من هذا التمثيل الهامشي، فإن المشاركة تفتح الباب لوضع استراتيجية «التعايش» موضع التنفيذ، وهي استراتيجية تقاومها «حماس» وتخشاها السلطة الوطنية الفلسطينية. وتقدم المشاركة مبررات لإقامة جسر اتصال سياسي عربي-إسرائيلي، من شأنه أن ينقل سياسات بعض الدول العربية تجاه إسرائيل من خانة «التحفظ» إلى خانة «الانفتاح». ومع ذلك فإن هذا الانفتاح سيكون محكوما بأربعة متغيرات، الأول هو مدى قوة واستقرار الحكومة الجديدة، والثاني هو العلاقات الخفية مع نتنياهو، والثالث هو طبيعة ادراك الحكومات العربية للعلاقة بين السلام والتطبيع، أما المتغير الرابع فإنه موقف الحكومة الجديدة من إيران ومن الضغوط الأمريكية المحتملة، وهو المتغير الذي يؤثر بشدة على الموقف السعودي.
ويسود اعتقاد قوي في العواصم العربية ولدى السلطة الوطنية الفلسطينية بأن حكومة بينيت-لابيد هي وجه آخر لحكومة نتنياهو، ولا تختلف عنها، وأنها حكومة قصيرة العمر، محكوم عليها بالنهاية السريعة، نظرا لأنها تعتمد على أغلبية صوت واحد فقط داخل الكنيست. ولذلك فإن الحكومات العربية المرتبطة بعلاقات مع إسرائيل ستكون شديدة الحذر في علاقاتها مع الحكومة الجديدة، بل إن بعض الحكومات مثل الإمارات قد تشارك في ضغوط غير مباشرة من أجل إسقاطها، وفتح الطريق من جديد أمام نتنياهو للعودة إلى الحكم.
واستطاع نتنياهو خلال السنوات الأخيرة أن يخترق قصور الحكم في كل العواصم العربية تقريبا، مستعينا برئيس الموساد السابق يوسي كوهين، وعشرات العملاء والمتطوعين المحليين، وأسس دبلوماسيته الخفية على علاقات عائلية وشخصية، وهو ما يلائم حكام بلدان الخليج على وجه الخصوص. وكانت اتفاقيات التطبيع الأخيرة هي أهم النتائج المعلنة لهذا الاختراق. ومع أن حكومة بينيت-لابيد تلقت العديد من برقيات التهنئة البروتوكولية من عواصم عربية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إغلاق قناة «العلاقات الخفية» مع نتنياهو الذي سيظل حاضرا في المشهد العربي-الإسرائيلي، باعتباره زعيم حزب ليكود أكبر الأحزاب الإسرائيلية تمثيلا في الكنيست.

العلاقات ومفهوم السلام

كان مفهوم نتنياهو عن السلام ينطلق من فرضية أن التطبيع هو الطريق إلى تسوية القضية الفلسطينية، وأنه سابق عليها. وفي ذلك وجد استجابة منقطعة النظير من دولة الإمارات، بدعم من إدارة دونالد ترامب. وربما تكون إسرائيل قد حصلت على بعض المزايا الاقتصادية من تطبيع العلاقات مع الإمارات، لكن تلك المزايا ضعيفة القيمة استراتيجيا، إذا ما قارناها بالأهمية الاستراتيجية للعلاقات مع مصر والأردن، اللتين ترتبطان ارتباطا عضويا بالقضية الفلسطينية. ولم تساعد «زفة» التطبيع مع أربع دول عربية نتنياهو على الفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومة. بل يمكن القول بدون مبالغة بأن الحكومة المصرية حرمت نتنياهو من تحقيق رصيد يدعمه انتخابيا، عندما اشترطت عليه إعلان مبادرة إيجابية تجاه الفلسطينيين تتضمن الالتزام بحل الدولتين، إذا كان يريد استقباله في القاهرة. وقد استمرت المفاوضات بشأن ترتيب تلك الزيارة لمدة تقترب من 7 أشهر من ايلول/سبتمبر 2020 إلى اذار/مارس 2021 ثم توقفت نهائيا، وخرج نتنياهو من الحكم. كذلك لم يقدم التطبيع مع الإمارات مزايا لإسرائيل في عدوانها على غزة في الشهر الماضي، كما أنه لم يحصن الإمارات من موجة الهجوم الشديد الذي تعرضت له بسبب تأييدها لإسرائيل. وعلى العكس من ذلك فإن ترتيب وقف إطلاق النار في غزة، بعد أحد عشر يوما من القصف المتبادل، لم يكن ليتحقق بدون دور مصر، بما أثبت للجميع من داخل المنطقة وخارجها بأن دورها ومكانتها لا يمكن تعويضهما بواسطة أطراف أخرى.
وحتى الآن تبدو علاقات التطبيع الجديدة مع إسرائيل بشكل عام منقطعة الصلة بضرورات تحقيق السلام الإسرائيلي-الفلسطيني. وعلى العكس من مصر والأردن، فإن الانفتاح السياسي العربي على إسرائيل غير مشروط بانفتاح إسرائيلي على الفلسطينيين. ومن أجل أن يصبح الانفتاح على إسرائيل واحدا من عوامل الضغط من أجل تحقيق السلام، فإنه يجب منع الحكومة الإسرائيلية من تحقيق مكاسب مجانية سواء على مستوى علاقتها بالفلسطينيين أو بالدول العربية، ورفض الانصياع إلى مبدأ السلام مقابل السلام، الذي بمقتضاه تحصل إسرائيل على مكاسب مجانية، بتوسيع نفوذها وراء الخط الأخضر، والتوسع على حساب الفلسطينيين في الضفة، وحصارهم في غزة، والتضييق عليهم داخل أراضي 1948.
ولم تتضح بعد سياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة تجاه إيران. ويجري في الوقت الراهن مراجعتها، لإقامة قدر كبير من الاتساق بينها وبين السياسة الأمريكية، وإزالة عناصر التوتر بين واشنطن وتل أبيب، بسبب احتمال عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي كان ترامب قد انسحب منه في ايار/مايو 2018. ومن المعروف ان نتنياهو كان أحد مهندسي هذا الانسحاب. ومن المتوقع أن تحافظ الحكومة الجديدة على مضمون موقف الحكومة السابقة من حيث رفض السماح لإيران بتطوير سلاح نووي، لكنها ستصبح أقل تشددا فيما يتعلق بعودة الولايات المتحدة للاتفاق، على أن تحصل في مقابل ذلك على مساعدات عسكرية ضخمة، وإقامة ترتيبات جديدة تكرس دورها في نظام الأمن الإقليمي. وما تزال المفاوضات جارية بين الطرفين لتحديد تفاصيل المساعدات و الترتيبات الجديدة.
وتعتبر دول الخليج العربية القريبة من إسرائيل والمعادية لإيران، أن أي تغيير في الموقف الإسرائيلي تجاه إيران، أو أي تنازلات تقدمها الولايات المتحدة في هذا الشأن هو ضرر يهدد أمنها القومي، ويجب العمل على منعها كلما أمكنها ذلك. ومن المرجح أن تستخدم هذه الدول قنوات الضغوط الخفية بالتنسيق مع نتنياهو وعدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي من الجمهوريين المتطرفين، من أجل عرقلة عودة واشنطن للاتفاق النووي.

مصر ودورها الإقليمي
أصبحت مصر شريكا اقتصاديا مهما لإسرائيل في المنطقة، من خلال تشابك البنية الأساسية لإنتاج ونقل وتصدير الغاز، والتنظيم المؤسسي الإقليمي لأمن الغاز في شرق المتوسط. كما أصبحت إسرائيل شريكا رئيسيا لمصر في ضمان أمن سيناء، وترتيبات التعاون المشتركة في البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، خصوصا في مواجهة محاولات التمدد التركي واحتواء التوتر في المنطقتين. وفوق كل ذلك فإن الدور المصري في توفير قناة للتهدئة في غزة، والحوار بين الفلسطينيين أنفسهم يمثل رصيدا سياسيا لا يمكن الاستغناء عنه أو استبداله. وقد برهنت أحداث الأسابيع الأخيرة على صحة ذلك. فمصر تلعب دورا متعدد الأبعاد والاتجاهات، لمصلحتها أولا، ولمصلحة الأطراف الأخرى في المنطقة، بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس. وإذا كانت قد قررت أخيرا تعليق الحوار الذي تقوده للتقريب بين الطرفين الفلسطينيين، فلا شك أن ذلك يمثل خسارة صافية لكل منهما في الظروف الحالية.
وفي الوقت الحالي تسير العلاقات بين الحكومة المصرية والحكومة الإسرائيلية الجديدة في اتجاه إيجابي، وذلك امتدادا لتطور ملحوظ خلال العامين الأخيرين. لكن هذا المسار يتوقف على مدى قيام إسرائيل بخطوات فعلية للانفتاح على الفلسطينيين في مجتمعاتهم الرئيسية الثلاثة، في داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية وفي غزة. ومع أنه ليس من المتوقع تحقيق انتقال درامي في الموقف الإسرائيلي من عملية السلام، فإن هناك فرصا كثيرة لبناء حقائق جديدة إنسانية واقتصادية واجتماعية يمكن الانطلاق منها فيما بعد لإعادة صياغة العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية. وتبدو مصر الآن مؤهلة للعب دور أكثر تأثيرا في مستقبل السلام الإسرائيلي-الفلسطيني، إذا هي أحسنت إقامة علاقات مع أطراف جديدة في الحركة الصهيونية العالمية تمثل التيارين الليبرالي والتقدمي بين اليهود، وكذلك الانفتاح على أعضاء الكونغرس والنواب الأمريكيين الداعمين لانهاء الاحتلال الإسرائيلي وتأكيد حل الدولتين مثل بيرني ساندرز وإليزابيث وارين في مجلس الشيوخ، ورشيدة طليب والهان عمر في مجلس النواب، الذين تجب دعوتهم لزيارة مصر والضفة الغربية وغزة وإسرائيل، وكذلك مع قيادات منظمات يهودية أمريكية تطالب بفرض قيود على المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وربطها بإنهاء الاحتلال والتقدم في السلام مع الفلسطينيين والكف عن انتهاك حقوقهم الأساسية، مثل منظمة «السلام الآن الأمريكية» وحركة «الشارع اليهودي».

الأردن واستقرار العرش

من المرجح أن تحاول الحكومة الإسرائيلية الجديدة إصلاح العلاقات المتدهورة مع الأردن، منذ منع الأمير الحسين بن عبد الله الثاني من العبور من جسر اللنبي إلى المسجد الأقصى، ثم منع نتنياهو من استخدام المجال الجوي الأردني للسفر إلى الإمارات، ثم حدوث تداعيات سلبية على مجمل العلاقات بين البلدين، وصلت إلى حد محاولة تقليل تدفق المياه من إسرائيل إلى الأردن.
وقد زادت الأمور تعقيدا بعد أن تناثرت أنباء عن تورط إسرائيل في مؤامرة داخلية للإطاحة بالملك عبد الله الثاني، شاركت فيها أيضا أطراف من الولايات المتحدة والمملكة السعودية. وقد ألقى الكاتب الأمريكي ديفيد اجناشيوس الضوء على أطراف هذه المؤامرة في مقال طويل له في صحيفة «واشنطن بوست» بتاريخ 11 من الشهر الحالي، مما يشير إلى أن الجدل حول تورط حكومة نتنياهو في السياسة الداخلية الأردنية سيترك أثره على العلاقات بين الأردن والحكومة الجديدة، على الرغم من أن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس قام بدور كبير في محاولة إصلاح ما لحق بالعلاقات من ضرر بسبب سياسة نتنياهو، وعلى الرغم من مواقف بينيت المتشددة بشأن ضم الكتل الاستيطانية في غور الأردن والضفة الغربية وما حول القدس، فإن الحكومة الأردنية ربما تحاول تخفيف حدة التوتر، من أجل توفير قدر أكبر من الاستقرار الداخلي، والتفرغ لمهمة تصفية آثار المؤامرة على العرش بعيدا عن أي تدخل خارجي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية