أي دور للإعلام والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع التونسي؟

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-»القدس العربي»:  شكّل موضوع احترام حقوق الإنسان وترسيخه كثقافة هامة في المجتمع أولوية من أولويات الديمقراطية الناشئة في تونس مع كل ما يطرحه ذلك من تحديات ورهانات عديدة سياسية وقانونية ودستورية ومجتمعية وغيرها. ورغم ان الدستور يضمن احترام حقوق الإنسان والحريات العامة إلا ان التطبيق على أرض الواقع يتعرض لصعوبات عديدة. وقد تم تأسيس وإطلاق عديد المنظمات والجمعيات التي تعنى بحقوق الإنسان في تونس منذ الثورة من بينها 13 جمعية متخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان منها «الرابطة التونسية للمواطنة» و»مركز تونس لحرية الصحافة» و»الجمعية التونسية لتنمية ثقافة حقوق الإنسان» و»المجتمع الدولي لحقوق الإنسان» وغيرها.

ويلعب الإعلام والمنتمون إليه والمتداخلون فيه وحتى ضيوفه بمختلف المنابر دورا بارزا وشديد الأهمية في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات لدى عموم الناس، فهو، أي الإعلام، منبر المظلومين الذي يتم من خلاله عرض الأفكار بالطرق المبسطة وفضح الانتهاكات والممارسات السيئة المتعلقة بحقوق الإنسان. وبالتالي فهو سلطة رابعة بكل ما للكلمة من معنى تمتلك من أساليب الردع الشيء الكثير، حتى بات المتورطون في الانتهاكات يخشون التجاء الضحايا إلى الإعلام خشيتهم من ذهاب هؤلاء إلى المحاكم لتتبع المعتدين.
لقد حقق الإعلام ثورة حقيقية في هذا المجال، وخصوصا في السنوات الأخيرة، وساهم بشكل فعال وناجع ولافت للانتباه، في الحد من ظاهرة الإفلات من العقاب حيث باتت الملفات الحوارية والبرامج بمختلف أنواعها والتي تسلط الضوء على حصول انتهاكات لحقوق الإنسان، سببا في تحريك النيابة العمومية لإثارة التتبع ضد المعتدين. وقد حصل ذلك في مناسبات عديدة والأمثلة كثيرة في هذا المجال خصوصا في السنوات الأخيرة بعد التطور الكبير الذي شهدته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي باتت بدورها وسيلة لترسيخ لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان لدى الناشئة وكبار السن.
لكن هذا الدور الهام للإعلام يبقى عرضيا وغير ممنهج ومخطط له سلفا سواء من قبل الحكومات أو الأفراد أو منظمات المجتمع المدني، وقد كان من الأفضل لو وضعت الخطوط والبرامج للعمل على مستويين، المستوى الأول هو إنجاز البرامج التعليمية والتثقيفية التي تساهم في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان خصوصا لدى الناشئة، والمستوى الثاني يتعلق بفضح الانتهاكات الحاصلة لحقوق الإنسان في مختلف المنابر الإعلامية. ويمكن في هذا الإطار إبرام شراكات بين نقابات الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني التي تعنى بحقوق الإنسان بالإضافة إلى مختلف وسائل الإعلام سواء المكتوبة أو المسموعة أو المرئية.

المجتمع المدني

وبالتالي فالإعلام لا يلعب هذا الدور النبيل من خلال جرائده وإذاعاته وقنواته التلفزيونية فقط، بل من خلال جمعياته ومنظماته، وفي هذا السياق تنشط عديد المنظمات سواء الدولية أو المحلية التي تعنى بتعزيز وترسيخ حقوق الإنسان في عديد الدول العربية ومن بينها تونس. وتعد منظمة «صحافيون من أجل حقوق الإنسان» الدولية، ومقرها كندا، أحد أهم هذه المنظمات التي أطلقت منذ سنوات عديد البرامج وورشات التدريب في العالم العربي والشرق الأوسط وأفريقيا من أجل تطوير وسائل الإعلام وخدمة قضايا حقوق الإنسان، وتتواجد في أكثر من سبعٍ وعشرين دولة وتهتم بتغطية قضايا حقوق الإنسان بشكلٍ موضوعي وأخلاقي.
وقد قدمت المنظمة دورات تدريبية وبرامج عمل طويلة ومتوسطة المدى تعمل على تعزيز ونشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع التونسي من خلال دور الإعلام بمختلف أشكاله سواء المكتوب أو المرئي أو المسموع. وكذلك عملت المنظمة من خلال مكاتبها وفروعها في عديد الدول ومنها تونس على تعزيز وحثّ الصحافيين على تناول قضايا حقوق الإنسان في مختلف منابرهم من خلال رصد جوائز تحفيزية للتقارير التي تعالج قضية متصلة بحقوق الإنسان بشكل معمق ودقيق، ويتضمن أدوات ومصادر إبداعية حديثة، مثل: تحليل البيانات، وغيرها. وتهدف هذه الجوائز إلى تشجيع الصحافيين على الارتقاء بمستوى وجودة تغطية القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، والمساهمة في التأثير الإيجابي على المجتمع، ودعم الحوار العام حول قضايا حقوق الإنسان في المجتمعات العربية وغيرها .
وقد أطلقت هذه المنظمة مؤخرا في تونس برنامجا مدته أربع سنوات تحت عنوان «عالم كندا صوت النساء والفتيات « وهو – بحسب منسقة المشروع عهد جمعاوي- يستهدف وسائل الإعلام والمجتمع المدني ومنظمات حقوق المرأة والمؤسسات الأكاديمية وصناع القرار وغيرهم من أصحاب المصلحة الرئيسيين المدافعين عن حقوق الإنسان: وتضيف محدثتنا: «يهدف المشروع إلى تطوير قطاع الإعلام وتعزيز الشراكات بين الحلفاء الرئيسيين نحو هدف تعزيز حقوق الإنسان للنساء والفتيات من خلال تطوير وسائل الإعلام». كما يهدف إلى تعزيز المساواة بين الجنسين من خلال التقارير المراعية للاعتبارات الجندرية والسياسات القائمة على التناصف والمساواة بين الجنسين في الشأن العام. ومن خلال اشراك أصحاب المصلحة الرئيسيين في مجال حقوق الإنسان خاصة النساء والفتيات لتسجيل معالجة الحواجز المؤسسية وتعد تونس من الدول التي بدأت فيه منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان تنفيذ مشروعها الحقوقي فيه إضافة إلى دول أخرى في الشرق الأوسط.

إشكالات وتحديات

الصحافية منية العرفاوي في جريدة «الصباح» التونسية تؤكد في حديثها لـ»القدس العربي» أن للإعلام ومعه منظمات المجتمع المدني دور في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحمايتها وفي نشر الوعي بضرورة تعزيز هذه الثقافة في تونس. وتضيف بالقول: «لقد حاول جزء من الإعلام وجزء من المجتمع المدني كذلك تكريس هذه الثقافة وتعزيزها خاصة في الفضاء العام، وذلك من خلال الوقوف والتصدي لكل الانتهاكات والاعتداءات التي طالت سواء مواطنين عاديين أو نشطاء أو سياسيين، وأي انتهاك يحصل يتم التشهير به والتصدي له وتصدر بيانات في الغرض من منظمات المجتمع المدني ويتناوله الإعلام كقضية مهمة». وتردف: «لكن في الحقيقة إذا كنا سنتحدث عن تحسن على المستوى الحقوقي وحماية الحريات العامة والخاصة، نجد أن هناك تحسنا بعد الثورة خاصة مع صياغة الدستور الجديد في الجمهورية الثانية الذي نصّ صراحة على عدة حقوق وحمى الحريات العمة والخاصة ولكن بقي نفس الأشكال على مستوى التطبيق».
وتضيف: «لدينا اليوم الكثير من الحقوق المنصوص عليها في الدستور وكثير من الحريات العامة والخاصة التي يضمنها الدستور لكن هذا التنصيص لم يحم الحقوق والحريات ما دامت اليوم جهات تتعمد الاعتداء على الحقوق والحريات وعلى الصحافيين والنشطاء. رأينا كيف ان وزارة الداخلية تصّنف اليوم من أبرز جهات الاعتداء وانتهاك الحريات وحقوق الإنسان وتمعن في تنفيذ هذه السياسات المعادية للحقوق والحريات وآخرها سحل الطفل بسيدي حسين وما أثاره الفيديو المنشور من استياء كبير لدى الرأي العام.
ومع كل واقعة في الحقيقة يقترفها الأمن التونسي الذي يسوق له على انه أمن جمهوري ويسوق الدستور بان الأمن التونسي هو أمن جمهوري، ولكن هذا الأمن لا نراه اليوم أمنا جمهوريا بل أمنا يمارس العنف على المواطنين العزل ويلاحق الصحافيين والنشطاء وينتهك الحريات والحقوق دون رادع للأسف». وتعتبر محدثتنا بأن «دور القضاء ما زال متحتشما في التصدي لهذه الانتهاكات والاعتداءات».
وفيما يتعلق بتطرق الإعلام لمفاهيم تتعلق بتثبيت حقوق الإنسان في المجتمع التونسي تجيب: «في الحقيقة لا بد من الاعتراف أن دور الإعلام لا يزال إلى اليوم محتشما في الوعي بثقافة حقوق الإنسان ككل، ونرى على منابر إعلامية انتهاكا لهذه الحقوق باستعمال ألفاظ معادية لمنظومة الحقوق والحريات، وتكريس مفاهيم في حد ذاتها تعتبر انتهاكا لهذه الحريات وبالسماح أحيانا لخطابات تنتهك هذه الحريات. اليوم على الهياكل النقابية ان تعي خطورة ان يكون لنا قطاع إعلامي لا يحترم ولا يلتزم بشكل مبدئي ولا يقبل النقاش أو الاستثناء بقضايا حقوق الإنسان». وتضيف: «ولا بد ان تعمل الهياكل المهنية على تعزيز ثقافة حقوق الإنسان لدى الصحافيين لذلك لا بد للمؤسسات العمومية الإعلامية ان ترسخ هذه الثقافة وتعززها لدى صحافييها لنصل في النهاية إلى صحافة ذات مضامين هادفة وتحترم حقوق الإنسان حتى تتمكن من الدفاع عنها بشكل يليق بالدفاع عن حقوق الإنسان».

صحافة الحقوق والحلول

لقد انضمت مؤخرا للمشهد الإعلامي التونسي والعربي إذاعة خاصة تعنى بحقوق الإنسان في العالم العربي بإشراف المعهد العربي لحقوق الإنسان، هي إذاعة «السيدة أف أم» ومقرها تونس وتحمل رسالة واضحة وهي تعزيز ونشر ثقافة حقوق الإنسان في العالم العربي من خلال تسليط الضوء على القضايا والملفات الإنسانية والحقوقية الشائكة والمتنوعة سواء قضايا الحريات الاجتماعية أو الاقتصادية والحق في الصحة والطبابة والتعليم والمساواة والقضاء على مختلف أشكال التمييز ضد المرأة وحرية الرأي والتعبير وحماية الطفولة وقضايا اللجوء وغيرها. الصحافية نجوى الهمامي والأستاذة في معهد الصحافة وعلوم الأخبار في تونس والمسؤولة في إذاعة «السيدة أف أم» أكدت في حديثها لـ «القدس العربي» أن للإعلام دورا رئيسيا في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان وتنمية الوعي بها، فله مسؤولية التعريف بالحقوق الإنسانية، وإشاعة ثقافة احترامها والتمسك بها. وأيضا هو مسؤول عن طرح المواضيع المطالبة بالحقوق المنتقصة، ومسؤولية مهمة جدا وهي التنبيه إلى عدم التعسف في استخدام الحق، إضافةً إلى مسؤولية التربية على احترام الحقوق الإنسانية.
وحسب محدثتنا «فلا يكفي طرح الموضوع ونشر الرأي والرأي الآخر فوجب أنسنة المواضيع والقضايا، أي تناولها من المنظور الحقيقي، فتطرح المشكل بعد ان تقوم بتفسيره وتبسيطه من كل الجوانب وتنتهي بطرح حلول لذلك الإشكال لا أن تدع العمل الصحافي منقوصا، فصحافة الحلول تستطيع تغيير المجتمعات نحو الإيجابية» على حد قولها. فالاعتراف بحقوق الإنسان، والنصّ عليها في المواثيق والقوانين، معيار يقاس بموجبه مدى تطور المجتمعات ورقيها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
ولكي ينجح الإعلام في نشر ثقافة حقوق الإنسان يجب ان يدعم ويعرف بعمل منظمات المجتمع المدني. وتضيف الهمامي: «كما يستطيع الإعلام نشر ثقافة حقوق الإنسان عن طريق العمل على البرامج المتخصصة مثل برامج حقوق الطفل والمرأة وذوي وذوات الاحتياجات الخاصة وتكوين الصحافيين صلب المؤسسات الإعلامية ومبادئ وآليات حقوق الإنسان». وتتابع: «كل هذا في الحقيقة هو شغلنا الشاغل وعملنا الدائم في إذاعة (السيدة أف أم) فالإذاعة هي إحدى الآليات الفاعلة في تكريس منظومة حقوق الإنسان، لاعتبارها من المؤسسات التي تملك قوة التأثير على الرأي العام من جهة، وكذلك القدرة في الضغط على الجهات الرسمية المعنية بإعمال حقوق الإنسان واحترامها من جهة أخرى، فهي تعمل من خلال وسائلها المتعددة على نشر ثقافة حقوق الإنسان، والدفاع عن قضاياها، وتعكس الواقع الذي تشهده حقوق الإنسان، في إطار احترام الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وتكشف منتهكي هذه الحقوق من خلال نشرها والتطرق إليها باستمرار والحثّ على اتخاذ مواقف وفتح تحقيقات جدية تجاهها». وتتابع «طبعا لا يتم ذلك بدون دراسة طبيعة الرأي العام وعوامل تشكله، فمهم جدا معرفة كيف توظف مؤسسات الإعلام قضايا حقوق الإنسان في مضمونها الإعلامي لتجعل منها ثقافة راسخة عند الرأي العام وهذا ما نسعى اليه في كل برامج الإذاعة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية