ليس من سلف أو خلف في الإبداع: سيرورات اللاتناهي في الأدب

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

في حسابنا اليومي نتحدث عن التناهي. ثمة المحدود وربما المحسوس هنا. أهي مبالغة إن قلت: إن الجسد بميزته اللحمية والمتحوَّلة مرجعٌ ومستقرٌّ له. إنما أي جسد يتشكل مع اللاتناهي؟ ليس من جسد حسّي، بما أن الرياضي يجري تمثيله ذهنياً هنا. حتى المشاعر والأحاسيس من خلالها لا يعود لها من صلة وصْل بالجسد: اللحم، أو اللحم: الجسد، بما أننا نعايَن باسمه. في الحالة هذه، يكون التخلي عن اليومي، والدخول في العمق الفضائي، أي مع جسد متخيَّل يعدِم نسخته الأولى.
في مغامرة الكتابة، والأدب تحديداً، يكون اللاتناهي عرّاب الجسد الذي يتحرر من أحادية اسمه.
باختصار شديد شديد: إن الفرق الاستثنائي بين أدب يحرّر كاتبه من إطاره الشخصي الذاتي أو الاسمي المتداول، وأدب يلتصق به، هو في مدى تجلّي اللاتناهي، في انبثاثه داخلياً.
كاتب اللاتناهي هذا في الأدب، كمفهوم إبداعي مجاز،ي علِن موتَه الذاتي بينه وبين نفسه، ليتمكن من مزاولة حياته التي تجيز له ارتحالاً في الأبدي. ليس من حل وسط في هذه العلاقة.
الروائي إيتالو كالفينو كان مسكوناً بالجمرة الكونية للاتناهي، «المدن اللامرئية» ترجمة بارعة لهذا النشدان الفضائي، حين يركّز في محاضرته عن «الدقة» ضمن إطار «ست وصايا للألفية القادمة عن تعددية الوجوه، النصوص، الحيوات في كتابي «مدن لامرئية» تزدوج كل قيمة وكل مفهوم، حتى مفهوم الدقة». ذلك تعبيره. دون ذلك، من الصعب أو المستحيل بمكان معايشة مناخه الأدبي، أي ما يمنح قارئه في كل عملية قراءة رشفة مضافة من إكسير اللاتناهي.
لعلَّ ذلك يتأكد لحظة التأكيد على نقطة مفصلية لافتة هنا، وهي أن الامتلاء بالمتعة المميّزة لما هو أدبي وحيد اسمه متعة عصية على الترجمة، على التوصيف، لأنها تتناغم مع تلك المتعة التي عاشها كاتب نصه المقروء، وهي يعيش لاتناهيه الذي يمده بأسباب البقاء أزمنة تترى.
في وسْع قارئه هذا أن يقول: يا له محلّق فضائي، لقد ضمن أبديتَه، جسده الذي لا يبلى بعمله هذا، وهو إذ يشير إلى كالفينو، إنما لا شأن له بمسقط رأسه، أو بإيطاليته، وإنما باسم محرّر من تبعات الزمان والمكان المؤطَّرين. لقد أوجد كالفينو بانثيونه الذاتي، أولمبه بمصادقته للاتناهي!
ربما بورخيس في انتظارنا الآن، وله حق علينا، حق لا يمكن تجاهله، لحظة أخْذ العلم بأنه من بين كثيرين، وربما في واجهة الذين كانوا يودِعون كتابته في اللاتناهي، أو يودعون اللاتناهي ما هو منشود، فلا يعود جسد بورخيس، بكل أنسجته وخلاياه، إلا الجسد المرفَّه بما هو أبدي.
هناك أكثر من شاهد عيان له في ذلك، رغم أنه في كل ما كتب، من مقال مركَّب، أو شِعْر يشع داخلاً، أو قصة وحيدة اسمها بالمقابل، انشغل بنشوة اللاتناهي، كيف يستنطقه بورخيسياً: لكَم أسرتْه «ألف ليلة وليلة» فهي كتاب لا ينتهي. كان شعوراً مائزاً منه أن الذي تسلل إلى داخلها، وهي بنسَبها الليلي، يحمل السر الكائن الحي، والحياة. وذلك ما يمكننا تبيّنه في أمثلة حيّة أخرى.
ألف ليلة وليلة، الغفل من اسم كاتبها، مخاض لاتناهٍ ما، لهذا يتنافس كثيرون، وفي لغات شتى، ليحظوا بشرف الدخول في عالمها المتعدد الطبقات، وقلة قليلة أفلحت في الاختبار هذا.

بورخيس طليعي ألف ليلة وليلة!

ففي «ألف» القصة/ المقالة، هناك يتنفس اللاتناهي، هناك أكوان، حيوات تترى، المفتاح السحري لما هو مشتهى، الرغبات الدفينة بأسبابها.الألف التي تبارك ما عداها، وتكون مرجعاً لها. طبعاً ليس من مفهوم دائري في علاقة كهذه، وإنما ما يجعل الدائرة ماثلة للهم، بينما بالنسبة للمبدع فيوجد ما يمتد ويتعمق ويتوسع دون حدود، إلى درجة أنه اكتشف، بطريقة آثارية روحية، ومن وراء عمى لاحق، ومتبصر، أن في كل ما يتناهى إقامةٌ ما للاتناهي. وأن المثقلين باليومي، بالمؤطر، وحدهم من يلازمونه، وقد فقدوا القدرة على التحرك عالياً، بينما الذين يبدعون، فهم وحدهم ممثلو هذا اللاتناهي، بالعكس، إنهم محرروه، ليكونوا أبطالاً دون تكليف، ويحتفى بهم دون أوسمة تالفة!
أذكّر هنا بما سطَّره عن «مكتبة بابل». أي ما أطلق له سراحاً باسم اللاتناهي كونياً. المكتبة في اسمها خلاصة أكوان، حيوات لا تعطى لأي كان.
ولعل بورخيس، فيما عرِف به، كان يعيش متعة اللاتناهي، ورحل دون أن يترك وراءه أي كلمة سر، لمن لديه رغبة في المثل. الأدب لا يورَّث، إنما يجري توليده من الداخل. هنا، لا يمكنني تخيل عدد المرات التي مات فيها بورخيس الأرجنتيني، وبرز بورخيس الإنسان الممضي عليه كونياً، وليس في مقدوري، ولا كان في حساب لي، ذات لحظة، أن أتحرى حقيقة كهذه، لأن ليس من دليل محدد. ثمة دليل واحد: لامرئي: كيف يمكن لأحدهم أن يعيش فناءه السعيد، استعداداً لبقائه السعيد والصامت. ولهذا، ليس من سلف أو خلف في الإبداع. لأن اللاتناهي لا يُسمّي جينة معينة، ليجري احتكارها، بصيغة ما، إنما يعلِن عن انبثاقه في من قدَّر له أن يكون محمولاً به. بالطريقة هذه، يتقدم التأويل بلاتناهيه، في الوقت الذي يفرض شروطه، وهي أن الارتحال خارج الحدود الموصوفة، خارج المتداول، بين أزمنة موزعة، شرط رئيس لهذا التفاعل.
وفي التأويل المعتبَر مفتوحاً، كان في مقدور أكثر من حاول تمثّل بورخيس، بطريقته الخاصة، أي عبدالفتاح كيليطو في كتابة مقالات لا تخفي خفة «الكائن التي لا تحتمَل»، ولا تخفي هذه القفزة فوق «الهاوية» في كل عملية كتابة، انتقالاً مستمراً إلى الجانب الأرحب للذات.
هوذا التوصيف الذي يسهّل علينا رؤية حراك اللاتناهي في أسلوب كتابته، في «الأدب والغرابة» الذي لا يعدو أن يكون ترجمة تفاعلية لمعايشته لما هو بورخيسي، وليصل هذا الانتثار مداه الأعلى في «العين والإبرة» دراسته في ألف ليلة وليلة. ذلك يسمح لنا، لي، بالقول الذي قد يقوّم على أنه شطح بلاغي: احفروا في كتابة كيليطوية، تعثروا على ظل لبورخيس.
هذه ليست تهمة تسلق، أو طفالة أدب، إنما مصادقة ومفارقة في الوقت نفسه.
أوليسَ الذي استهل به ميشيل فوكو في مقدمته لـ»الكلمات والأشياء» مستنداً إلى كائنات بورخيس الخيالية، وملؤه ضحك «والضحك البورخيسي، بمورّده الفوكوي صنعة لاتناهٍ» ليقول في أشيائه ما يرجِع بكلماته إلى الوراء، كون الشيء أوسع وأبلغ وأعمق وأكثر معان من اسمه الواحد، أي ما يجعل الفكر نفسه، وهو توأم إبداعي هنا، مأخوذاً بفتنة اللاتناهي المعضَّدة.
سأمضي هنا إلى نقطة أخرى ذات صلة بالفن، بالرسم، ومع جاك دريدا، حين اسطَطلسَ (من الأطلس) مفهوماً فلسفياً ألمانياً في الأصل، الـ»باررغون»، في كتابه «الحقيقة في الرسم». ما الذي تدبَّره دريدا في مقام اللاتناهي باررغونياً؟ إنه ما يخرجه من جسده الرائي، من كتلته المقدَّرة بوزن وطول وخلافهما، إلى مضاء اللامحدود، أي ما ينزع عن اللوحة إطارها، ما يكون نعياً نهائياً لسلطة المتن، وتأكيداً للهامش على أنه لم يعد المقصي، والمنبوذ أو المركون جانباً. في مفهوم الباررغون  ليس من داخل أو خارج، ليس من عمق حسابي، إنما هو هذا الانفتاح على ما يصله باللاتناهي، أي ما يتحقق به شرط الإبداع بالذات.
وفي الحديث عن الداخل والخارج، يكون التعيين، التخصيص، القبل والبعد، الوراء والأمام، الأسفل والأعلى…الخ، أي كل تبعات الآني، أو الوقت، أو السريع الزوال أو العطب.
إنه شعور مضاعف، وبطريقة أخرى، وما أكثرها طرق الإبداع ضمن أرومة اللاتناهي طبعاً، بما هو قائم لمن يعيش هاجس الآخر الأقصى في روحه، أبعد مما فئوي، تكتلي، جانبي…
ذلك لا يعني أن كل من عرِف بعلامة فارقة لاتناهياً، إنما أمَّم على روحه من كل نقد أو مساءلة. بالعكس، لقد ضمن لروحه ما ليس في مقدور سواه تفعيل ذلك، أي كيفية التفاعل مع ما لا يتناهى من القراءات، وهي في أس أساسها، نتيجة لا تُختَتم لإرادة التجاوز اليومية إبداعياً.
أأقول مجدداً، وليس من باب عود على بدء: في التناهي، ثمة ما هو حسابي، ما يكون نقطة استناد جسمية، فكرية، تخيلية، أو تصورية، وليس من بدء دون إحداثية خرائطية حسية، لكن محرّك الفعل النفسي هنا، مجاز مضاعفاً، أي في سعيه الحثيث لأن ينطلق جهاتياً، ولا يعود ذاك الذي انطلق. فمن يعيش أبهاء اللاتناهي، لا يعود لديه أي تفكير بالتناهي، أليس لأن الذي انشغل به هو في الخطوة غير المسبوقة، والمسجَّلة له: حين أمات اسمَه الثلاثي، وعمّد له اسمَ آخر لا يشاطره فيه أحد، حسَباً أو نسباً عن قرْب، وعن بُعد، يعلو به مسمّاه على قدر امتلائه باللاتناهي!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية