هي أثره الفعلي في الكتابة ونبرة صوته فنياً: حُمَّى الكاتب المزمنة

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

لا أدري إلى أي درجة يمكن الربط بين تجربة الكاتب، أي كاتب في الكتابة، ومفهوم الحمَّى التي تتلبسه من الداخل. سوى أنني على يقين شبه تام، إن لم يكن تاماً، أن لكل كاتب حمّى تحمل بصمته، أو تشير إليه، وتمثّل مشهداً حركياً يترجم نوعية الكتابة لديه، مع فارق كبير في مفهوم الحمّى هنا. فالحمى في الأصل تعتبَر تعرض الجسم لخلل في توازن حراري، يشعر أحدهم بسخونة في جسمه هذا، سوى أنه يعدِم الدفء المطلوب لجسمه ليتوازن. وبالنسبة إلى الكاتب، تكون الحمى، بواردها الفعلي علامة «صحية» فارقة، دالة على مدى ارتقائه بنوعية الكتابة.
أن يكون لكل كاتب نوع من الحمى غير المستقر يلازمه، من لحظة انخراطه في لعبة الكتابة، إنما هو إيذان بالدخول في علاقة محوَّلة مع قرين بورخيسي في حياة لا يحاط بها. الحرارة هنا منتجة، مخصبة وملهِمة رغم وجعها. وجع شمولي يتلبس كامل الجسد، ما بقي حياة. إن حمّى الكاتب، هي أثره الفعلي في الكتابة، وصورته الحية في وسطه المجتمعي، ونبرة صوته فنياً.
ثمة مشهد في فيلم «عندما بكى نيتشه» يشير فيه لاعب دور نيتشه للدكتور النفسي أصلاً إلى أنه يعاني دائماً من آلام المخاض، وسط استغراب الدكتور، ويتوقف الاستغراب عند إشارته إلى رأسه: «أي حيث تعتمل الأفكار والتصورات وهيئات الكتابة وقابلية ولادة المنتظر في الرأس».
الحمى تستدعي آلام ولادة من نوع خاص جداً، وهي تتجذر في عالم الروح للكاتب. الرسالة الثانية من رسائل ماريو بارغاس يوسا إلى روائي شاب تحمل عنوان «كاتوبليباس»، ذلك الحيوان الخرافي الذي يلتهم نفسه باستمرار، وهي صورة مناظرة لطائر الفينيق حيث يحترق دورياً ليعود كما كان في مضاء قوته. والكاتب الصاعد في الحياة مجسّد كاتوبليباسي، فينيقوي، ولا بد أن الحرارة المطلوبة ملازمة للاثنين لمتاخمة المشتهى، دون بلوغه، وإلا لتوقف نبض الإبداع فيه عن الخفقان، وطالما أنه ينغرس عميقاً في تجربته الحياتية، وينبني بها مختلفاً بجموح متخيله. أليست «كل القصص التخيلية هندسات معمارية» كما يؤكد يوسا في رسالته تلك؟ أليس ما يثيره كاتب في فضاء نصوصه محاولة تأميم على حياة أخرى؟
أتوقف عند تجربة كاتبنا وروائينا نبيل سليمان «1945-…»، وأنا أرى فيما يكتبه من نبْت كاتوبليباسي، وثمة شهود عيان من داخل تجربته التي تصلنا بتجربته الحياتية المنفتحة. فهو لا ينفك ينتقل بين نص نقدي، أو نص نصف سيري، أو من جنس يومياتي، أو روائي، تأكيداً لا يخفى على أنه مقيم في التعدد، أنه في فعل الكتابة يستمر في الحياة ليكتب حياة تتجاوزه وإن كانت تحمل إمضاءته طبعاً، ليكون قرينه المتحول والخلاق جديراً بالتسمية هذه.
في حزيران 2021، قرأت له فصلاً من رواية يجهّزها للنشر، تحت عنوان «أراجيف: تحولات الإنسان الذهبي» حيث الحمار يكون الحامل المحوري والشديد السخرية، الشديد الإيلام دلالة في نصه الروائي المنتظر، ولاحقاً، لأقرأ له تالياً مقالاً عميق الأثر، دقيق المحتوى، لافتاً في الاعتبار، هو «الزلزلة السورية في السيرة الروائية الكردية بالعربية»، وما في ذلك من استشراف المتنشط روائياً، والراصد مفهوماً في ذلك، وما ينشغل به، على صعيد الانهمام اليومي بمستجدات البلد وزلزلات البلد المتصدع من الداخل، وفي الجوار وأبعد، رابطاً في بنية الكتابة العامة هذه، بين الرواية البكْر والمدشنة لمسيرته الروائية في نصف قرنها عمراً ونيّف «ينداح الطوفان»، وما يذكّر بالأمس القريب انشغالات طوفانية: «مدائن الأرجوان»، 2013؛ «جداريات الشام ـ نمنموما»، 2014؛ «تاريخ العيون المطفأة»، 2019. ولا بد أن كاتباً يستمر بهذا الدفق بتنوعه الحواري على مدى أكثر من نصف قرن، إنما يعزّز هذا المفهوم الطوفاني، أي وهو يبلغ به ذلك النصَاب الذي ينسّبه إلى الدائرة الواسعة لما هو كاتوبليباسي.
نبيل سليمان الذي لا يبرح «داخله السوري» إلا حين يكون على سفر، ليعود سريعاً، كما لو أنه آثر على نفسه بقاءاً في الداخل، ليعيش الخارج بصفاء كريستالي أكثر، وليس العكس، ومن ينقّب في التربة الفنية لكتاباته، ومنذ تجلّي الزلزلة السوري (آذار/ مارس 2011)، يتلمس مثل هذا الاحتراق اليومي بكل طارىء، أو متغير، أو انفجاري جغرافي هنا وهناك.
إنه رهان من نوع آخر، لا ينبغي التقليل من وجاهته، ومن شجاعة الرؤية في وضع كهذا.
في كتابة نبيل سليمان، شيخ الرواية السورية الآن، ما يتطلب الكثير من التروي في قراءة صنوف كتابته هذه، لمعرفة أي كائن كاتوبليباسي يمثّله، ومن هذا التوقيت الرجاج، أبعد من مفهوم المفارقة بين كل من الداخل والخارج أو بالعكس، أبعد من المتداول بالمفهوم السياسي المباشر. وفي وضع كهذا، وعلى وقْع هذا العقد الزمني الطويل جداً والمكلف جداً والحارق والمحرق والرهيب جداً، ما يتوجب إحداث ثقب ولو صغير في الجدار الصلد لفاصل رؤيوي كهذا، تحرراً من لعبة الثنائيات المدوخة والضالة في حالات كهذه: من يكون المقيم في الداخل، ومن يكون الخارج، وفي ضوء المتغيرات القياماتية التي تعيشها جغرافية سياسية واجتماعية.
يمكن لعلاقة كهذه، أن تمثّل درساً في الجغرافيا السياسية لواقع معاش، وعلى مدى تاريخ طويل، وتفيدنا علماً بما لم نعلَم، وفي القرب المباشر داخلاً، أكثر بكثير، من التموضع خارجاً، والتصريح وليس التلميح، بأن الكتابة المتبصرة هي التي تلك التي يعلَن عن شهادة ميلاد لها خارج بؤرة التوتر: سوريا، وأن بعضاً من التحرر من فتنة الشعارات السياسي ةربما يمكن الناظر معرفياً من قراءة الجاري بصورة أكثر إطلالة على حقيقة المعاش.
لا كتابة في الحالة هذه بمنجى من المساءلة، من إخضاعها لمنطق باروميتري حراري دقيق، ومعرفة نوعية الحمّى الملازمة، والمسار المرسوم في كل ذلك. ليس من خريطة موضوعة في «الخدمة» من النوع السياحي المعتاد، للوقوف على تفاصيل الأحداث وتراكماتها بدقة، وقد تراجعت الأشياء بطبائعها عن بنية الأسماء الدالة عليها، أو جرى تحريفها وتحويرها كثيراً، وما يعني كل ذلك من الابتعاد قليلاً عما يجري، والنظر من مسافة أبعد، لمكاشفة المخفي أكثر.
ليس من نموذج فني، يمكن التعويل عليه، ورفعه إلى مستوى صانع النماذج الفنية بلإطلاق، جهة أي شهادة معتبَرة روائياً، أو خطاب موازٍ للشهادة بخاصيتها الأدبية، ولا سلطة احتكام إبداعية، أو نقدية، وكمرجع فقهي لا يُشك في أمره في وضع كهذا.
ربما يكون للآتي ما يحفّز على تحرير القول من قائله في المكان والزمان، وما يفيد أكثر من أي شهادة مخبرية، أو استشعارية عن بُعد، وما يمنحنا زمناً إضافياً، أو غير متاح بفضيلته الكشفية حتى الآن، لقلب حقيقة «حمى الكاتب المزمنة» على وجوهها، ودلالة كل وجه، ومن ثم التفريق بين حمى وأخرى، وأي منها أكثر إيفاء بما لم يسبَر له غورٌ.
في التعريف الأقصى بـ«حمى الكاتب المزمنة» ما يحفّز على التقاط الأنفاس في واقع يبدو أنه يكتم أنفاساً، وما يهيب بذي النظر الاستراتيجي في أن يتبين لعبة المفارقات.
في «حمى الكاتب المزمنة» ثمة القيمة الروحية الوحيدة التي يُشدَّد عليها في ثراء معناها، عندما تكون صفة «المزمنة» معززة لموقع الكاتب، وتأكيداً على صعوبة الاعتراف باسم دون سواه، وفي خضم التداخلات بين أسماء ومسميات، يتم التلاعب بها هنا وهناك.
في السياق العلائقي، يحضرني الاسم المشحون بما هو نهاري لكتاب أمبرتو إيكو»نزهات في غابة السرد» والتبصرة النافذة لداخل معتم في قلب الغابة، ويا لها من مغامرة الخطو في عمق غابة تشح رطوبة وحرارة خانقة، وصعوبة تقدم، وخطورة معالم. أي ما يجعل مفهوم «نزهات» انفجاراً للدلالات المتضادة: كيف لنزهات، بصيغة الجمع، أن تكون في غابة، أو داخلها، وليس من نزهة، كما هو معطى عنها، إلا في فسحة مرئية سالكة؟
تلك هي مغامرة الكتابة المجتباة، لسان حالها المشع، ذاكرة الرؤية المركَّبة للمعايش، وهي في بنية المتدارك، الترجمة الدقيقة لخاصية حمّى الكاتب المزمنة، في كل رغبة بالخروج من الواقع المؤطر، والنظر في هاوية الواقع من أسفلها طبعاً.
لعل الإمكان الوحيد، أو المجاز لتسميته، لمعرفة أكثر ائتلاقاً، هو أن يعيش الناظر في وضع كهذا جانباً معيناً من الحمى المذكورة، ليكون أقدر على التمييز بين حمى فاعلة، وأخرى منفعلة، أو تنبئ بمخاض مرحَّب به، وليس بطلْق مزيَّف كما هو الحمْل الكاذب بجلاء!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية