لماذا نجحت تركيا وفشلت «تي آر تي»؟!

حجم الخط
4

خبر لا يشغلك، وعدم اهتمامك به، هو خبر في حد ذاته!
فالقناة التركية الناطقة باللغة العربية تشهد هذه الأيام تغييرات كبيرة في قمة هيكلها الإداري، بعد مرحلة من الفشل بدأت بانطلاق هذه القناة، التي تستهدف المواطن العربي، فلم توفق مع نجاح القيادة التركية في أن تمثل تجربة ملهمة للناس في الأقطار العربية لا سيما بعد الثورات، وفي وفي وقت يبدو القارئ والمشاهد المستهدف يحتاج إلى فهم الكثير عن هذا البلد!
قولاً واحداً، فلم تشهد القناة التركية العربية “تي آر تي” نجاحاً منذ النشأة والتكوين، وليس على أدل على هذا، من أن دولاً وأنظمة وأجهزة أمنية، تعتقد أن نشأت الديهي، عمل في القناة من استوديوهاتها في إسطنبول، أو في أنقرة، وأن استقالته منها، لدوافع وطنية، كانت من هناك وفي بلد كان يعيش فيه، ليخرج من الاستوديو إلى المطار، ولهذا يجري التعامل معه باعتباره خبيراً في الشأن التركي، وتوكل اليه دولة الإمارات العربية المتحدة، مهمة قيادة إعلامها الموجه ضد أردوغان، لتكون البداية بقناة “تن” وكان مقرراً أن يطلق موقعاً الكترونياً ضخماً، ومركز أبحاث ودراسات، يهتم بدراسة الحالة التركية، بما يمكن من التأثير فيها وإسقاط حكومة “العدالة والتنمية”!
مع أن الديهي، وإن كان قد قدم استقالته من القناة التركية عقب الانقلاب العسكري، فقد استقال من القاهرة، ولم يكن معيناً في القناة ليستقيل منها، بل كان يعمل في مكتب خدمات إعلامية، هو من كان يبيع الخدمة كاملة للقناة، التي لم يكن لديها مراسل معتمد في العاصمة المصرية، ولم تهتم بذلك حتى مع فترة الثورة، أي أن “نشأت المذكور” كان يعمل من الباطن، ومن يناير/كانون الثاني 2013 فقط، وربما لم يسبق له أن زار تركيا من قبل، لكن عدم متابعة القناة، نتج عنه الخلط الذي انتقل بالمذكور، لأن يتوج بطلاً دفعته وطنيته للاستقالة، والتضحية، ولأن يتوج كذلك خبيراً في الشأن التركي تتلقفه أذرع الإمارات، ولعل أولي الأمر منهم يجلسون في حضرته مجلس التلميذ من الأستاذ – لهذا السبب – عندما يتحدث في الشأن التركي!
وحالة الديهي كاشفة عن فشل القناة، التي تغيرت قياداتها أكثر من مرة، لتنتقل من فشل إلى فشل، وإذا كنا نعيش في هذه الأيام ذكرى الانقلاب الفاشل، فليس أدل على الفشل من أن غياب القناة هو ما أعطى قناة “العربية وأخواتها” الفرصة في استغلال الفراغ، وإذاعة الأخبار الكاذبة التي تدور حول نجاح الانقلاب، وهروب أردوغان، وفي فترة بدا فيها مكتب “الجزيرة” ليس مستعداً لمفاجأة كتلك التي جرت في هذه الليلة، فقد نزل طاقم العمل للشارع بعد بيان الرئيس أردوغان، وقبل هذا البيان بدا لي كما لو كان مراسلها، يشاهد “العربية” وهو يغطي الحدث.
وإذ كنت على تواصل في هذه الليلة مع أصدقاء في إسطنبول وأنقرة وأيضاً مع زملاء في القناة التركية فإنني أتذكر مما كتبته على صفحتي على الفيسبوك أن “تي آر تي” تبدو قد وقعت في أيدي الانقلابيين، قبل أن أكتب أن العاملين عادوا للقناة في وقت لاحق، وهو ما اعتبرته من ملامح النصر!
وشبكة المراسلين، التي كنت أتعامل معها، هي التي جعلتني مبكراً أبشر بالنصر وبأن القصة لم تتم فصولاً، رغم التسليم المبكر بانتصار الانقلاب واستيلائه على الحكم، وهي رسالة “العربية وأخواتها” ولم تكن هناك قناة تنقل رسالة مختلفة، ولأن لدينا تجربة في الهزيمة على يد العسكر تمكنت من النفوس والههم وأصابت العزائم في مقتل فلم تكن تعليقات اليأس تأتي من قبل الموالين للانقلابات في المنطقة، بل ومن خصومها، الذين لم يملوا في هذه الليلة من أن يطلبوا مني الكف والتوقف عن تضليل الرأي العام فقد نجح الانقلاب، وكان ردي عليهم حاداً، وقد طالبتهم بأن يلتزموا الصمت في هذه الليلة، فالمحبطون لا يصلحون للوقوف على الجبهة!

الانطلاقة الكبرى

وفي هذه المناسبة أتذكر صديقنا الكاتب السوري الراحل عبد القادر عبد اللي، الذي كان معي على الخط من أنقرة، يمدني بما يجري، وبتجارب الانقلابات السابقة وقد كان شاهد عيان على بعضها، لكي أكون رأياً بشرت به فسوف يهزم الجمع ويولون الدبر!
وفي هذه الليلة انتقلت إلى صفحات من يروجون للانقلاب، ومنهم بلدياتنا مأمون فندي، أستاذ العلوم السياسية في إحدى الجامعات الأمريكية والمبشر بالانقلاب، والذي أعلن مبكراً نهاية أروغان، كنت أكتب أن الانقلاب سيفشل، وأن عليه أن يتريث في إبداء سعادته ولا يجوز له مهما كان موقفه السياسي من أردوغان، أن يؤيد انقلاباً عسكريا، على حاكم مدني منتخب، بوصفه أستاذا للعلوم السياسية، لكن كان كغيره، ممن غلبت عليهم شقوتهم، وبعد نصر الله والفتح، قام بحظري، عندما علقت: ألم أقل لك تريث؟!
كان واضحاً أنها ميليشيات تحركت مع بداية الانقلاب، وكجزء مكمل لأداء قنوات “سكاي نيوز عربية” و”العربية وأخواتها” و “الحدث” وما ظهر من أخواتها وما بطن! وليس هذا هو الموضوع!
فموضوعنا أنه عندما عادت القناة التركية، فقد كان يحتم على الناس أن يهرعوا إلى هناك، باعتبارها تنقل من قلب الحدث، لكن المشاهد جلس أمام شاشة “الجزيرة”، ولم يكن مكتبها في إسطنبول كمكتبها في واشنطن مثلاً.
وكان واضحاً أن من يملكون القناة التركية الناطقة باللغة العربية أدركوا هذا الفشل، فكان التبشير بقيادة جديدة، لا نعرف فلسفة الاختيار التي تقف خلفها، وأنا هنا أتحدث عن القيادة ولا أتطرق الى ما دون ذلك، لأني من مدرسة في الصحافة تؤمن بأن النجاح والفشل يرتبطان بشكل كبير بالإدارة، وليس بالأفراد، ويقابل هذا المدرب في لعبة كرة القدم وليس اللاعبين، فمدرب يرفع الفريق إلى السماء السابعة ومدرب يهبط به إلى الأرضين السبع، وتكتمل المأساة عندما تكون لهذه الإدارة سلطة الاختيار وتكوين الفريق، ثم لا تتحقق الغاية المنشودة من التغيير!
وكما فعلت “الحرة” الأمريكية ذات تغيير، فعلت “تي آر تي”، فقد أوقفت البث في انتظار الانطلاقة الكبرى، ثم تمخض الأسد في القناتين فولد فأراً ميتاً!
وإذ تحدد موعداً للانطلاقة الجديدة، فقد كتبت بعد جريمة مقتل خاشقجي أنني لو كنت صاحب قرار لتراجعت عن الموعد وبدأت البث الآن، لأن هذا الحدث كبير من حيث اهتمام الرأي العام العربي والدولي به، وأدرك إنها كانت مغامرة واختبارا سريعا للقيادة الجديدة، إن فشلت في التغطية وإن كنت أعتقد أن النجاح سهل، وقد انطلقت القناة في الوقت المحدد، فكان يصدق فيها قول القائل: “حشود خلفك في الدرب سارت، لينهض شيء صحيح، فما نام إلا الصحيح”!
وكما أن “الحرة” انطلقت بلا لون أو طعم، فقد كان هذا حال “تي آر تي عربي”، وقد سبقت القناة الأمريكية باللغة العربية مثيلتها القناة التركية بتغيير سريع، أوقف برنامج إبراهيم عيسى، ثم أعاده مرة أخرى، وكان هذا كل ما أنتجته قريحة الإدارة الجديدة، لتكون نموذجاً حياً على الكفاح الفاشل، فحتى عندما كانت أنظار العالم تتجه صوب البيت الأبيض، مع حدث الانتخابات الرئاسية، كانت “الجزيرة” هي قبلة المشاهد، وقد أجادت وأبدعت وتفوقت على نفسها، فلم تكن هناك قناة عربية تنافسها.
وتركيا تربة خصبة للنجاح، ونموذجها ملهم للصديق، ومثير للعدو، ويمكن أن تتأكد من أعداد الجاليات العربية فيها ما بين مقيم وسائح ومستثمر، ومن الخطأ اعتبار أردوغان نموذجا يخص التيار الإسلامي وحده، فأنصار المرشحين في الانتخابات الرئاسية المصرية بعد الثورة كانوا يختصرون الطريق، فيقول كل منهم إن مرشحهم هو أردوغان مصر، حتى أنصار الفريق أحمد شفيق، وهو العسكري والوزير في عهد مبارك، وآخر رئيس حكومة في هذا العهد! ويمكن الوقوف على ذلك من حيث اهتمام المشاهد العربي بالدراما التركية، والحال كذلك ثم تفشل قناة تركيا باللغة العربية، فالأمر لافت حقا!
لا ناقة لي ولا جمل في “تي آر تي عربي”، لكني أتمنى للإدارة الجديدة النجاح وأن تكون المرحلة السابقة هي آخر الأحزان، تماماً كما أنه لا ناقة لي ولا جمل في الصحافة المصرية الآن، ومع ذلك حزنت لتوقف الصحف المسائية الثلاث. النجاح لا يحتاج إلى معجزة!

* صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية