يتواجد في التراث الفكري الغربي عموماً نوعان رئيسيان في كتابة مذكرات المشاهير أحياء كانوا أو أمواتاً.
الأول، هو ما يكتبه صاحب الشأن بنفسه، ويُشمل ما يرغب أن يورده في كتاب مذكراته. الثاني، ما يكتبه اختصاصيون يقومون بأبحاث ودراسات ومقابلات مع المقربين أو مع الخصوم لمن يكتبون عنه ثم ينشرون كتبهم بصرف النظر عما إذا كانت الشخصية المعنية بنتاجهم راضية أو غير راضية.
الكاتب البريطاني توم بوير، متخصص في النوع الثاني من كتابة السيَر والمذكرات، وكتبه عموماً من الأكثر مبيعاً كونها تتضمن معلومات وافرة وفضائح مثيرة ولكنها أيضاً جدية ومفيدة للقارئ في الوقت عينه وخصوصاً لكونه يختار شخصيات هامة ومثيرة للفضول.
كتابه الأخير بعنوان «بوريس جونسون المقامر» ينضّم إلى كتب أخرى من هذا النوع كتبها منذ منتصف القرن الماضي عن شخصيات مثيرة للجدل في ألمانيا النازية وأوروبا ثم في بريطانيا كالناشر روبرت ماكسويل ورجل الأعمال المصري الأصل محمد الفايد وصاحب مؤسسة «فيرجن» ريتشارد برانسون، ورئيسي الحكومة العماليين البريطانيين السابقين غوردون براون وتوني بلير وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز وزعيم الحزب العمالي البريطاني السابق جيريمي كوربن. وفي جميع هذه الكتب، يظهر بوير كناقد لاذع للشخصيات التي يكتب عنها، ولكن قساوة نقده تأتي بدرجات متفاوتة.

المقاربة الأساسية في هذا الكتاب عن جونسون ان بوير يعتبره شخصاً لامعاً في ذكائه ومقدراته العقلية منذ صغره، ولكنه متردد في إتخاذ قراراته وانتهازي في تعامله مع المقربين منه وشرس في مواجهة خصومه، حتى ان الكاتب يستشهد بقول لأحد كبار نواب المحافظين من أنصار جونسون بان رئيس الوزراء البريطاني الحالي «ثعلب في ثوب حمل» يظهر للناس بانه صاحب النكتة وغير المكترث ولكن عند الحاجة يهزم خصومه بالضربة القاضية. أما حول ما هي الحاجة لبوريس فكانت وما زالت الوصول للسلطة والقيادة، أكان ذلك في كلية «إيتون» حيث تابع دراسته الثانوية أو في قيادة نقابة الطلاب في جامعة أكسفورد حيث تخصص في دراسته الجامعية، أو في عمله في بريطانيا كصحافي متابع للشؤون الأوروبية، أو كنائب في حزب المحافظين نجح في إقصاء منافسيه والوصول إلى رئاسة الحكومة، وما زال في هذا المنصب.
يعتبر بوير ان بوريس ورث كثيراً من المميزات (والأخطاء) المتواجدة والمستمرة في شخصية والده ستانلي جونسون على الرغم من اختلافهما بالنسبة للانتماء البريطاني إلى المجموعة الأوروبية والاتحاد الأوروبي وتأييدهما للأحزاب البريطانية ومواقفها عموماً.
ويبدأ الكتاب بتمهيد يشير فيه الكاتب إلى ان ستانلي جونسون شارك في 19 آب (أغسطس) 2019 في الاحتفال بتنصيب إبنه البكر بوريس زعيماً لحزب المحافظين في مبنى «تشيكرز» (بعد أربعة أسابيع من فوزه) بحجة ان بوريس أقام الاحتفال بمناسبة بلوغ والده التاسعة والسبعين من عمره، ولكن في الواقع كان ستانلي المحب للعظمة يستمتع بقضاء ليلة في ذلك الصرح الرسمي الذي أصبح نجله حامل مفتاحه على الرغم من خلافهما السياسي والشخصي. أي ان ستانلي كان بدوره غير متمسك بالمواقف والخيارات المتحجرة من حيث المبدأ في شتى الشؤون وخصوصاً السياسية منها.
كما ان ستانلي، أقام علاقات مع نساء معجبات بشخصيته خلال زواجه من والدة بوريس (واسمها تشارلوت) مما دفع جونسون الأبن (حسب المؤلف) إلى تكرار ممارسات والده، إذ تزوج بامرأة من عائلة ثرية وهو في أوائل عشريناته، ثم من ثانية بقي متزوجاً بها لخمسة وعشرين عاماً وأنجبت له ثلاثة أولاد، وإسمها مارينا ابنة الصحافي الصديق لبوريس ولوالده، ولكنه أقام علاقة غرامية مع كاري سيموندز خلال زواجه. وكاري ظلت صديقته إلى أن أنجبت منه طفلاً، بعد وصوله إلى منصبه الحالي، فتزوجا مؤخراً.
ومع ان نية الكاتب تُطرحُ التساؤلات حولها في وصفه لشخصية ستانلي، والد بوريس، وعلاقاته الغرامية والسياسية وإبرازه كشخصية متنقلة من حزب إلى آخر ومن امرأة إلى أخرى، فالخلاصة ان ستانلي، شأنه شأن بوريس، كان، بنظر الكاتب، يسعى إلى المال والمناصب من خلال علاقاته الشخصية والعامة. وهنا يظهر المؤلف منحازاً إلى حدٍ كبير، فلا يُظهر أي صفة إيجابية لستانلي سوى روحه الفكاهية وشخصيته المحبذة لإلقاء النكات في المناسبات، وهي صفة اكتسبها بوريس من والده أيضاً ولا يجدها الكاتب دائماً مناسبة لرجل سياسة. علماً أن ستانلي ترشح لمناصب نيابية وعمل لفترة في الاستخبارات البريطانية ولكنه كان ينتقل من منصب إلى آخر بسهولة بعد أن يفقد الحماسة لمثل هذه المناصب. ويشعر القارئ وكأن بوير وفي خلاصة كتابه يقول بان بوريس في المرحلة الحالية هو في حالة شبه يائسة إزاء المصاعب التي تتوإلى عليه، وقد يفقد حماسته لمنصب رئاسة الوزراء ويتركه لغيره إذا استمرت أزمة كورونا بفرض خيارات عليه لا يرغب بان يختارها فيما هو يسعى إلى عودة بريطانيا إلى حياتها الطبيعية اقتصادياً واجتماعياً.
غير ان بوير يُخطئ، بالقول إن من يريد ان يفهم بوريس جونسون عليه ان يتعمق في دراسة علاقته بوالده. ولعل الفصول التي يتحدث فيها المؤلف عن قدرة بوريس وشقيقته راشيل وشقيقيه الآخرين على تحمل الصعوبات العائلية والشخصية والتنقل من بلد إلى آخر بسبب وظائف والده وخلافات والديهما قد تكون شكلت جانباً إيجابياً ومنحت رئيس الحكومة البريطاني صفة الصمود في وجه الصعوبات في مواجهة كورونا الذي كاد ان يودي بحياته. وهذا جانب لم يركز عليه المؤلف كفايةً.
وهناك مقطع في الفصل الأول من المفيد الإشارة إليه وذكره بوريس في أكثر من مناسبة وهو أن جدّه الأكبر من أصل عثماني ـ تركي وانه كان أحد المعارضين لسياسة القائد العلماني التركي مصطفى كمال أتاتورك.
والمقطع كما ورد في الصفحة الرابعة من الفصل الأول هو التالي: «ان جد والد بوريس كان اسمه علي كمال، وكان صحافياً تركياً شجاعاً معارضاً للدولة العثمانية في أزمانها الفاسدة الأخيرة. وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، عام 1918 تم تعيين كمال وزيراً للداخلية، ولكنه كان خصماً لمصطفى كمال اتاتورك، فاستقال وعاد إلى الصحافة وترأس تحرير منشورة معارضة لاتاتورك. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1922 تم اختطافه من قبل خصومه وشنقه بقساوة وتعليقه على شجرة. غير ان ابنه عاش مع جدته البريطانية في بريطانيا، علماً ان الأم كانت تحمل جنسية بريطانية ـ سويسرية. وكانت قد أنجبت طفلاً لعلي كمال في مستشفى بريطاني في بورنموث وتوفيت بعد انجابه فعاش مع جدته من والدته مارغريت جونسون (المسيحية الانتماء) التي تبنت حفيدها. ومن هناك أصبح اسم الطفل: ويلفرد جوني جونسون. وتوجه ويلفرد في شبابه إلى سويسرا ثم مصر حيث بقي حتى عام 1932. وهناك تزوج بأمرأة إنكليزية اسمها ايرين ويليامز، كان والدها غنياً ووالدتها من عائلة فرنسية من النبلاء تابعة للبارون دي فيفيل وأنجبا ستانلي، والد بوريس» (ص 4 و5). وقد أُطلِقَ على بوريس عندما ولد في التاسع عشر من حزيران (يونيو) 1964 في نيويورك اسم اليكسندر بوريس دي فيفيل.
غير ان الأصدقاء في كلية إيتون في بريطانيا أعادوا إطلاق اسم بوريس على رئيس الوزراء البريطاني الحالي، وذلك على الرغم من ان والده كان يسعى إلى إعطاء ابنه أصلاً نبيلاً بسبب اكتراثه بالأصول العريقة والثروة (حسب المؤلف).
لعل هذه التفاصيل ليست شديدة الأهمية للكثيرين من القراء، إلا أنها تلخص احدى سلبيات الحياة الاجتماعية والسياسية في بريطانيا التي تناولها الكاتب والأستاذ الراحل في جامعة ساسكس البريطانية توم بوتومور في كتابه «النخب الاجتماعية والمجتمع» الذي كتبه أواخر ستينيات القرن الماضي وهو أن أشخاصاً على شاكلة ستانلي جونسون وابنه بوريس ينجحون في التنقل من منصب هام إلى آخر بشكل رئيسي بسبب أصولهم الاجتماعية وزواجاتهم وإرسال أبنائهم إلى كليات كـ»إيتون» و«هارو» ثم «أكسفورد» و«كيمبردج» وبعد ذلك يصبح الآباء والأبناء رؤساء وزراء ووزراء خارجية يتخذون قرارات مصيرية بشأن سياسات بريطانيا الداخلية والخارجية. وبين هؤلاء مارك سايكس الذي وضع هو وفرنسوا جورج بيكو اتفاقية «سايكس بيكو» بشأن التقسيم الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، وآرثر بلفور وزير الخارجية الذي قدّمَ للورد روتشيلد «وعد بلفور» على طبق من فضة والذي وعدت فيه بريطانيا بإنشاء دولة صهيونية ـ إسرائيلية في فلسطين. ثم يرسل هؤلاء أولادهم إلى هذه الكليات والمعاهد النخبوية نفسها ويعيد التاريخ نفسه.
مارك سايكس رسم خريطة الشرق الأوسط أمام وزراء بريطانيين من خريجي هذه الكليات والمعاهد، وتمت الموافقة عليها. ويذكر أنه من السهل دخول الأبناء والأحفاد إلى هذه المدارس والجامعات «المتفوقة» على غيرها والتي تحضّر الأبناء من جيل إلى آخر لتسلم المناصب المصيرية بالنسبة لبريطانيا والعالم كما يقول بوتومور ويؤكده بوير في الكتاب.
ستانلي جونسون، تأكد برغم ميوله الأنانية الشخصية بان ابنه بوريس سيدخل هذه المعاهد النخبوية، وتابع تدرجه فيها وبالتالي أمّن له ان يحظى بمنصب قيادي في بريطانيا.
وكذلك يفعل قياديون أمريكيون بالنسبة لأبنائهم ودخولهم إلى جامعات «هارفرد» و«برينستون» و«إم أي تي». وبين هؤلاء «المختارين» جورج بوش الابن المعروف بانجازاته (الخارقة) والذي تخرج من جامعة هارفرد.
ولعل هذا السرد للوقائع من أهم ما يتميز به كتاب توم بوير، فالقارئ يشعر ومن خلال قراءة فصوله المختلفة بان بوير يفهم هذه القضية الاجتماعيةـالإنسانية في المجتمعات الغربية فهماً عميقاً ولعله مر فيها ولذلك يفهمها أكثر من غيره.
الانتفاضات الأخيرة في بريطانيا الشاجبة للتنكيل بالشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه وللمعاملة السيئة من الدول الغربية الاستعمارية لشعوب آسيا وأفريقيا، تفهم بدورها خطورة النخبوية والعنصرية المتمثلة بقيادات العالم، خصوصاً في العالم الغربي وفي بعض دول العالم الثالث والشرق الأوسط التابعة له، وبأن القضايا الأساسية لن تعالج بجدية وفعالية من قبل قادة يسعون قبل أي شيء للوصول إلى السلطة والبقاء فيها إلى أطول حد ممكن وتكديس الأموال. وفي هذا المجال يطرح كتاب بوير قضية جديرة بالمتابعة.
Tom Bower: “Boris Johnson:
The Gambler”
Random House, London, 2020
594 pages.