القاهرة ـ «القدس العربي»: خضع مدير «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» في مصر، جمال عيد، للتحقيق أمام القاضي المنتدب في القضية رقم 173 لسنة 2011 المعروفة إعلاميا بقضية «المجتمع المدني» بعد مرور 10 سنوات على فتح هذه القضية «السياسية الملفقة» حسب تعبير الشبكة.
وأضافت في بيان: «اقتصرت جلسة التحقيق التي استمرت نحو ثلاث ساعات تقريبا على الاطلاع على ملف القضية والوقائع المنسوبة للشبكة العربية أو مديرها».
وأوضحت أن « جمال عيد والمحامين المرافقين له فوجئوا أثناء مطالعتهم لملف القضية الذي يبلغ نحو ألفي صفحة، بأن الملف يتضمن صورا ضوئية لتقارير قانونية وبحثية أصدرتها الشبكة العربية، مثل تقرير عن الحبس الاحتياطي المطول وخطورته، وتقارير عن الصحافيين السجناء وسجناء الرأي في مصر، وكذلك عن أوضاع السجناء والسجون السيئة، مصحوبة بتحريات وادعاءات ضابط الأمن الوطني محمود علي محمود، وأن هذه التقارير تهدف إلى هدم الدولة وإثارة الرأي العام».
وزاد: «تحريات الضابط نفسه الكاذبة تزعم أن الشبكة العربية تلقت تمويلا من منظمة هيومن رايتس ووتش ولجنة حماية الصحافيين في نيويورك، في إصرار على الادعاء الكاذب بأنهما منظمات تمويل وتعاديان النظام في مصر».
تقارير متضاربة
ولفت البيان إلى أن «الملف تضمن العديد من المذكرات والتقارير التي تحمل معلومات متضاربة ومتعارضة، زعم بعضها أن الشبكة العربية نشأت عام 1995، وتقرير آخر أن الشبكة نشأت عام 2004، وتقرير ثالث أنها لم تسدد ضرائب، وتقرير رابع أنها سددت الضرائب، ما يوضح التخبط في فبركة القضية والاعتماد على جهات مختلفة للفبركة، لتأتي المعلومات متعارضة وتغالط نفسها».
وواصل «وضحت الصورة كثيرا حين سطر ضابط أمن الدولة في تحرياته، أن الشبكة العربية ومديرها لعبا دورا رئيسيا في أحداث يناير ومحاولات هدم الدولة، وهو ما تقر به الشبكة العربية ومديرها، بل وتؤكد الشبكة أن المشاركة في ثورة يناير وليس أحداث يناير هي مدعاة للفخر وأن ثورة يناير كانت محاولة لإنقاذ مصر من الفساد والاستبداد».
غياب مستندات
وأكدت الشبكة في بيانها أن «مديرها فوجئ بغياب مستندات هامة سبق تقديمها في القضية تثبت أن ادعاءات وتحريات ضابط الأمن الوطني بتلقي جمال عيد لمنح على حسابه الشخصي هي أكاذيب وافتراءات».
ولفت البيان إلى أن «المحامين وجمال عيد، سبق وقدموا وثائق من البنك التجاري الدولي، تثبت أن التحويلات التي تلقاها جمال عيد على حسابه الشخصي، هي تحويلات من حسابه في نيويورك الذي فتحه حين كان يعمل ويقيم في نيويورك، أي أن المستندات التي تؤكد وتثبت أن التحويلات من حساب جمال عيد لحساب جمال عيد غابت ولم تكن موجودة في الملف رغم أنه تم تقديمها عام 2016 أثناء نظر قضية منع التصرف في الأموال».
عيد قال: «عانينا من التشهير والملاحقة طوال 10 سنوات، بمشاركة قضاة التحقيق في الجزء الأول ـ أشرف العشماوي، سامح أبو زيد، اللذين خرجا في مؤتمرات صحافية وقبل الحكم في القضية ليتهما مؤسسات مدنية ويذكراها بالأسم، وسمحا لمسؤولين في الدولة، مثل وزير العدل أثناء ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، عادل عبد الحميد وفايزة أبو النجا وزيرة التخطيط والتعاون الدولي آنذاك، بعقد مؤتمرات صحافية يهاجمان فيها المنظمات الحقوقية، رغم عدم قانونية ذلك، في حين حكمت محكمة النقض ببراءة كل هذه المؤسسات والأشخاص في القسم الأول من القضية، بل وأشادت بهذه المؤسسات وأثنت عليها».
وأضاف: «حين تسلم القاضي هشام عبد المجيد مسؤولية التحقيق، منعنا من التصرف في أموالنا ومنعنا من السفر منذ عام 2016، وترك الإعلام المقرب من الدولة ينهش في المؤسسات الحقوقية المستقلة لمدة خمس سنوات، واستمر المنع من السفر والتحفظ على الأموال حتى اليوم».
وأعربت الشبكة وعيد عن أملهما بأن «يكون أداء المستشار على مختار قاضي التحقيق الحالي في القضية مختلفا، ويعمل لسيادة القانون».
وقالت الشبكة: «لعل اختفاء أوراق ومستندات هامة من القضية، وكذلك تضارب التقارير التي أعدتها جهات تسيطر عليها الدولة والتحريات الملفقة المليئة بالأكاذيب، توضح حقيقة القضية، والهدف الانتقامي من المؤسسات الحقوقية المستقلة، بعد استبعاد المؤسسات الدولية وبعض المؤسسات الأخرى، ليتبقى المؤسسات المستقلة».
كما أعربت عن أملها بأن «يكون التحقيق مع عيد أكثر عدالة من التحقيقات التي أعقبت الاعتداءات البوليسية عليه من قبل بعض ضباط الشرطة وسرقة سيارته وإغراقه بمواد الطلاء، التي أفلت المتهمون فيها من العقاب رغم سماع النيابة الشهود ومشاهدات الكاميرات، وتم تجميد التحقيق».
وقال عيد: «عرضت على المستشار علي مختار درع أكاديمية الشرطة الذي منحتني إياه وزارة الداخلية حين دربت قياداتها وحين كانت تزعم ترحيبها بمبادرة إصلاح الداخلية في أعقاب ثورة يناير/ كانون الثاني 2012، وكذلك عرضت عليه كتيب وبروشور مكتبات الكرامة العامة التي أنشأتها في أحياء شعبية لخدمة المواطنين في هذه الاحياء، وتم إغلاقها بشكل بوليسي».
واختتم: «من ينفق من أمواله الخاصة على مكتبات عامة لا يهدم الدولة، بل يحاول بناء المجتمع والدولة، وأن الاستبداد وغياب سيادة القانون هما ما يهدم الدول والمجتمعات».
مخاطر وتبعات
المحامي الحقوقي نجاد البرعي، الذي خضع للتحقيق هو الآخر للمرة الأولى بعد 10 سنوات من فتح القضية، قال: «آيا كانت النتائج التي ستنتهي إليها تلك القضية، فإنني أجد نفسي فخورا بما قمت به مع زملاء أعزاء من أعمال وأنشطة، ساهمنا من خلالها في إنقاذ بعض الضحايا، وكشفنا وفضحنا بعض الانتهاكات بما استطعنا من قوة وفي حدود ما نمتلك من أدوات».
وكتب على صفحته على «فيسبوك»: «بذلنا جهدا كبيرا في الترويج لثقافة حقوق الإنسان قدر المستطاع، وقدمنا الكثير من النصائح والخطط للحكومات المتعاقبة منذ عام 1986 لو انصتوا آليها بقلب مفتوح لكانت الأمور في الداخل والخارج أفضل بكثير مما هي عليه الآن».
وزاد: «لم أتصور يوما أنني أعمل في سويسرا أو فنلندا، كنت أعرف أنني أعمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في بلد من بلدان العالم الثالث وهو طريق له مخاطره وتبعاته، ولكنني أعرف أيضا أن له متعته الصافية».
وزاد: «تعرفت على مجموعات من أفضل من أنجب هذا البلد علما وثقافة ومعرفة سواء من كان منهم في خدمة الدولة أو خارجها من النخب الثقافية والعلمية، وزرت ربوع مصر كلها أو أغلبها، وسافرت معظم بلاد الدنيا، وتعرفت على أصدقاء من ثقافات مختلفة وخلفيات متباينة، وكتبت العشرات من الكتب والمئات من المقالات والأبحاث».
وتابع: «لم أترك مالا لوارث، ولكني أظن أنني تركت لهم إرثا ثقافيا يفخرون به، حولي الكثير ممن أفخر بهم من الأبناء والأصدقاء والتلاميذ والمحبين، اختلفنا واتفقنا ولكننا اجتمعنا على الود والصداقة وعلى نصرة الحق والوقوف إلى جانب الضعيف حتى نأخذ له الحق».
ورفضت محكمة جنايات القاهرة في يونيو/ حزيران الماضي، تظلم 14 من الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجتمع المدني، على قرار منعهم من السفر، على خلفية اتهامهم في القضية نفسها.
وضمت قائمة المتظلمين المحامي محمد زارع والناشطة إسراء عبد الفتاح ومزن حسن وياسر عبد الحفيظ وعلاء الدين عبد التواب وأحمد غنيم وأحمد راغب وحسام بهجت ومالك مصطفى عدلي وجمال عيد وناصر أمين وعزة سليمان وهدى عبد التواب وحسام الدين أحمد.
وكان قاضي التحقيقات في القضية قد قرر في وقت سابق، منع الحقوقيين من السفر والتحفظ على أموالهم على خلفية القضية التي ما زالت منذ 9 سنوات قيد التحقيقات. وسبق لهيئة التحقيق القضائية أن قررت في الفترة بين 2015 و2017 منع العديد من نشطاء المجتمع المدني والمحامين والحقوقيين من السفر، وأيدت محكمة جنايات القاهرة التحفظ على أموال بعضهم ومنعهم من التصرف فيها.
وفي يونيو/ حزيران الماضي، أعلن قاضي التحقيق المنتدب للتحقيق في القضية المعروفة إعلاميا بـ«التمويل الأجنبي» انتهاء التحقيقات الخاصة بـ4 جمعيات وكيانات، وصدور أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضدهم، لعدم كفاية الأدلة، كما تم إصدار أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل جمعية واحدة لعدم الأهمية.
وقال في بيان: استكمالا للتحقيقات فيما تضمنه تقرير لجنة تقصي الحقائق من وقائع في القضية رقم 173 لسنة 2011 والذائعة إعلاميا بقضية التمويل الأجنبي لعدد من منظمات وكيانات وجمعيات المجتمع المدني، بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضد 4 كيانات لعدم كفاية الأدلة وهي: المركز الإقليمي للأبحاث والاستشارات، المكتب العربي للقانون، ومؤسسة عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع المدني.
وزاد: الأعمال والجهود التي يسعى المجتمع المدني إليها تتزين بالفضيلة وتتسم بالإنسانية وتتوشح الوطنية، إذ إن العمل المدني، الذي هو في أصله عمل تطوعي، هو ذلك الضوء الطليق الذي ينفذ معينا للوطن في تمزيق ظلام الجهل والعوز، ويعطي أملا للضعفاء والمستضعفين ويدفع عجلة التنمية ويسهم في إرساء سيادة القانون وترسيخ الانتماء لتراب الوطن وتكافل أبنائه.
وحسب تقرير سابق للجبهة المصرية للحقوق، وهي منظمة حقوقية مستقلة، بدأت القضية في منتصف عام 2011 لتضم عددا من منظمات المجتمع المدني والعاملين فيها من المصريين والأجانب، لتنقسم بعد ذلك لنصفين.
وأضافت: الأول يمكن الإشارة إليه بأنه النصف الأجنبي ـ حيث أنه كان متعلقا بمنظمات أجنبية وأشخاص بعضهم حامل لجنسية غير مصرية، والذي انقضى ببراءة جميع من فيه، على خلاف النصف الآخر (القسم المحلي) الذي يضم مصريين ما زالوا لما يقارب عقدا من الزمن متهمين على ذمة قضية لم تحل للمحاكمة بعد.