غابرييل بوغرند وباتريك ماكغواير في «تُرك جانباً»: هل أُزيح جيريمي كوربن عن الساحة السياسية البريطانية بسبب تأييده لحقوق الفلسطينيين أم لعدائه للسامية؟

سمير ناصيف
حجم الخط
0

عندما خسر حزب العمال البريطاني، بقيادة زعيمه السابق جيريمي كوربن، الانتخابات الاشتراعية البريطانية في منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2019 وفاز عليه حزب المحافظين بقيادة رئيس الحكومة الحالي بوريس جونسون بفارق واسع، طُرحت الأسئلة حول مصير كوربن والجناح الذي يمثله في حزب العمال وأسباب خسارته الفادحة وعما إذا كان هذا الجناح سيختفي كلياً عن الساحة السياسية البريطانية، وإذا كان كوربن سيستمر في ممارسة العمل السياسي بعدما قررت قيادة حزبه الجديدة، تحت زعامة كير ستارمر طَرده من الحزب تحت حجج أبرزها ما أُطلق عليه تعبير «عداء كوربن للسامية» ورفضه الاعتذار العلني عن مساهمته في انتشار العداء للسامية في حزب العمال وإصراره أنّ انتقاد سياسات إسرائيل القمعية في فلسطين يختلف عن العنصرية ضد اليهود كشعب وكمجموعة إنسانية ودينية.
كتاب «تُركَ جانباً، القصة الداخلية لحزب العمال تحت قيادة كوربن» للصحافيين البريطانيين غابرييل بوغرند وباتريك ماكغواير اللذين يعملان في صحيفتي «الصندي تايمز» و»التايمز» البريطانيتين بعد عملهما في صحف غربية مرموقة أخرى، يحاول التطرق إلى هذا الموضوع عن طريق اعتماد تحليل موضوعي يركز بشكل أساسي على الخلافات الداخلية في قيادة حزب العمال التي يعتبرانها العامل الأهم في فشل كوربن في الوصول إلى رئاسة الحكومة بعد نجاحه المفاجئ والبارز في الفوز في قيادة حزبه وتحقيقه نتائج باهرة في الانتخابات الاشتراعية لعام 2017 مما ساهم في إسقاط رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي وحلول بوريس جونسون مكانها في رئاسة حزب المحافظين ومن ثمة رئاسة الحكومة.
أهمية هذا الكتاب هو انه يحاول تفسير الانخفاض في شعبية حزب العمال تحت قيادة ستارمر منذ انتخابه إلى الآن وتدخلات زعماء الحزب السابقين كرئيس الوزراء العمالي السابق توني بلير وأحد كبار معاونيه الوزير السابق بيتر مندلسون في تحريك عمليات الرفض لسياسات كوربن في داخل المجموعة البرلمانية العمالية لمواجهة شعبيته الكبيرة لدى النقابات العمالية والفئات الشبابية في الحزب المؤيدة لسياسات كوربن الداخلية والخارجية حيث وضعَ الخيارات المرتكزة على المبادئ والقيم الأخلاقية على رأس سلم أولوياته، بينما مارسوا هم سياسات داخلية وخارجية في كثير من الأحيان مناقضة لهذه المبادئ. وكان توني بلير وأعوانه تشاركوا مع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في حربه على العراق عام 2003 وفي الخضوع لمتطلبات وإملاءات شركات الأسلحة البريطانية الكبرى وشركات النفط البريطانية والمتعددة الجنسيات على حساب مواجهة خروقات وتجاوزات حقوق الإنسان في بعض الدول المستوردة للأسلحة والمصدّرة للطاقة وفي دول أخرى من العالم.

2021-07-31_13-30-50_484526
الفصل الأهم الذي يتطرق فيه الكاتبان لقضية العداء للسامية هو السادس. وقبل البدء في تناول هذا الفصل تجدر الإشارة إلى ما قالته مقدمة البرامج التلفزيونية البارزة ايميلي مايتليس في كتابها الصادر منذ عامين، حيث أشارت إلى أنها كاحدى المسؤولين الكبار في برنامج «نيوزنايت» في تلفزيون «هيئة الإذاعة البريطانية» دعت توني بلير للادلاء برأيه حول موقفه كزعيم سابق من أي انتخابات كانت ستجري في عام 2019 فأبلغها بانه قبل الموافقة على القدوم والمشاركة فإنه يريد أن يركز البرنامج على «العداء للسامية» في حزب العمال الحالي. وفوجئت مايتليس إزاء إصراره على التدخل في أجندة البرنامج، وبالتالي إثارة التساؤلات حول قضايا انقسامية قد تضر بشعبية الحزب. كما من المفيد التأكيد ان الزعيم الحالي للحزب كير ستارمر كان يدعي قربه من مواقف كوربن عموماً ولكنه كان يلتقي سراً بقادة من خصومه داخل وخارج الحزب تحضيراً لتسلم منصبه في حال فشله، ولم يتوقع كثيرون ان يقبل ستارمر المصادقة على قرار طرد كوربن بعدما قررت لجنة متعاطفة مع إسرائيل في الحزب بان كوربن لم يعتذر على انتقاده لسياسات إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين سابقاً وحالياً أو لمواقف اتخذها الجناح اليساري في الحزب في هذا المجال، فبالتالي هو يروّج لكره اليهود كشعب. وطبعا كل هذه الأمور كانت تجري خلال قيادة محور ترامب ـ بومبيو ـ كوشنر للولايات المتحدة وتعاونهما مع رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو في عمليات «صفقة القرن» وبدعم من قطاعي تصدير الأسلحة واستيراد الطاقة العالميين. وعلى أثر إقصاء ستارمر لكوربن ترشح جورج غالاواي مقدم البرامج الذائع الصيت والمؤيد للقضية الفلسطينية في انتخابات فرعية جرت منذ أسابيع في منطقة بريطانية ضد ممثلة حزب العمال وممثل حزب المحافظين ونال منفرداً ثمانية آلاف صوت. وكادت المرشحة العمالية أن تخسر تلك الانتخابات وفازت بفارق ضئيل بلغ ما يناهز الثلاثمئة صوت فقط، واعتبر غالاواي ان قراره الترشح كان لتلقين الزعيم ستارمر درساً عما فعله ضد كوربن ومجموعته.
يقول مؤلفا الكتاب إن خصوم كوربن نبشوا تصريحات له عندما كان نائباً في المقاعد الخلفية في الحزب ينتقد فيها شخصيات يهودية مؤيدة لإسرائيل ومتبرعة لعملياتها العسكرية ولكنه، وبعدما أصبح زعيماً للحزب كلّف زميلته شامي شاكراباتي بإجراء تحقيق حول انتشار العداء للسامية في الحزب بعد ما انتقد نواب عماليون يهود ومؤيدون لإسرائيل نواباً آخرين من حزبهم في مجال التعرض لليهود وكمجموعة دينية اجتماعية، مما كان يرفضه كوربن. واتى تقرير شامي شاكراباتي في مصلحة كوربن.
ولكن، وفي حزيران (يونيو) 2016 اعترف كوربن بوجود مشكلة من هذا النوع والتزم الاستمرار في معالجتها. بيد ان بعض النواب في حزب العمال وخصوصاً من مؤيدي توني بلير وبيتر مندلسون استمروا في شن الهجوم على كوربن معتبرين مواقفه المؤيدة لفلسطين دفعته إلى عدم الحزم بما يكفي مع كارهي اليهود في حزبه. كما حصلت خلافات بين مؤيدي إسرائيل من قيادات حزب العمال ومؤيدي كوربن عندما احتفلت بريطانيا بقيادة تيريزا ماي بمرور مئة عام على إصدار «وعد بلفور». وقد وُجهت انتقادات إزاء مواقف مسؤولة حزب العمال للشؤون الخارجية آنذاك (عام 2017) من قبل شخصيات في الشلة المحيطة بكوربن لقولها بانه متعاطف مع حقوق اليهود بإنشاء دولتهم، وبعد ذلك أُقيلت من منصبها. كما فجّرت قضية نقل دونالد ترامب السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس خلافاً داخل حزب العمال البريطاني. وتصاعدت مثل هذه الخلافات حول سياسات ترامب في إسرائيل وقضية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأرهقت كاهل كوربن كزعيم حزب كان يسعى لتوجيهه نحو الديمقراطية والمثالية، علماً ان كوربن نفسه (حسب المؤلفين) لم يكن يرغب بان يصبح زعيماً لحزبه ولا رئيساً للوزراء في حال فوز حزبه في الانتخابات الاشتراعية، بل كان هدفه منذ أن كان في المقاعد الخلفية في حزبه الدفاع عن القيم التي يؤمن بها إزاء القضية الفلسطينية وقضية تحرير إيرلندا الشمالية من هيمنة إنكلترا، وقضايا إنسانية ـ سياسية أخرى في العالم. وجلّ ما تمناه كان أن يصبح وزيراً للخارجية في حكومة عمالية بقيادة زعيم عمالي نظيف سياسياً وأخلاقياً ولا يركز فقط على شنّ الحروب ضد العالم الثالث للاستيلاء على موارده الطبيعية وعلى أراضيه ولا يخضع لسلطة المال على حساب الفقراء.
وصار خصوم كوربن في الحزب يمررون للإعلام أخباراً عن انتماءاته السابقة وتعاطفه مع مجموعات بريطانية اجتماعية مؤيدة لحقوق الفلسطينيين معتبرين التعاطف معاديا للسامية! ورفض كوربن التراجع عن مواقفه في هذا المجال، كما رفض مشروع تفاهم توصلت إليه اللجنة التي عيّنها داخل الحزب يتراجع فيه عن أمور مبدأية حول فلسطين. وصار نواب عماليون ينظّمون تظاهرات ضده ويحاولون الانفصال عن الحزب بدعم من مؤيدين لتوني بلير وأعوانه. وكان بلير مصمماً ليس فقط على إسقاط كوربن من الزعامة بل إخراجه كلياً مما له علاقة بحزب العمال. وقد ساهم ستارمر في تنفيذ خطة العزل بينما كان كوربن يجتمع بقادة دينيين وسياسيين يهود فاعلين في بريطانيا، ولكنهم كانوا دائماً يطلبون ويصرون عليه ان يعتذر عن ذنب لم يقترفه! وقد اجتمع كوربن بقادة جبهة النواب اليهود في البرلمان في 25 نيسان (ابريل) 2018 وطالبهم بتوضيح تفسيرهم وتعريفهم لمفهوم «العداء للسامية» فأصروا على تعريف منبثق من لجنة الهولوكوست الدولية، التي تضم نواباً يهوداً من دول مختلفة (31 دولة بينها بريطانيا) منذ عام 2016. والتركيز كان في البدء على كره اليهود لكونهم ينتمون إلى هذا الدين، وليس لأمر سياسي فعلوه. إلا أن اللجنة أضافت بنوداً جديدة بعد ذلك التاريخ ومنها ما يُفسر بانه ممنوع مقاومة اليهودي المعتدي مباشرة على غيره، وكان التفسير السابق عدم إلقاء اللوم على المجموعة اليهودية برمتها بسبب أخطاء يرتكبها يهود آخرون، كما حدث في محرقة الهولوكوست. وجرى نقاش حول هذا الأمر بإشراف شاكراباتي المقربة من كوربن إذ ان التعديلات قد تعني شرعنة تصرف إسرائيل ضد الفلسطينيين ومنع انتقادها وانتقاد قادتها إذا فعلوا ذلك. وكوربن كان وما زال رافضاً لمثل هذا المنطق ولادراجه في منظومة «العداء للسامية» بل اعتبره وما زال يعتبره مقاومة (ص 106).
ويُذكر ان كوربن شارك مؤخراً في دعم التظاهرات الضخمة التي جرت في شوارع لندن ومدن بريطانية أخرى دعماً للشعب الفلسطيني بعد الوحشية الإسرائيلية في غزة. والخلاف حالياً بين جهات حتى داخل حزب العمال، هو حول ما إذا كان اعتبار إسرائيل دولة عنصرية يشكل عداء للسامية أو لا.
هذا يعني ان مؤيدي كوربن من منتقدي سياسات إسرائيل العسكرية المباشرة أو التمييزية عنصرياً ضد الفلسطينيين يفصلون هذا الموقف عن العداء للسامية، فيما يريد آخرون تنزيه إسرائيل عن كل ما تفعله وترتكبه وإلا يُرفع سيف العداء للسامية في وجه من يفعل ذلك ويدفع الثمن سياسياً أو في مجال آخر.
المشكلة الأخرى لدى كوربن، عندما كان زعيماً لحزب العمال، كانت ان بعض كبار معاونيه والمقربين جداً منه (حسب المؤلفين) كمعاونه المباشر جون ماكدونيل كان يعتبر ان بإمكان صديقه جيريمي ان يقوم ببعض المبادرات الدبلوماسية المرطبة للأجواء في مجال قضية الاتهامات بالعداء للسامية، كما كان بامكانه أن يتخذ موقفاً أكثر وضوحاً في مجال قضية بريكست، ولكن تردد كوربن برأي ماكدونيل، وتمسكه بمبادئه وطبيعة شخصيته كلها أفقدته هالته كزعيم سياسي وكقائد حزب واسع الانتماء كحزب العمال البريطاني. أي ان ماكدونيل، وزير المالية في حكومة الظل التي قادها كوربن، كان يفضل ان يقوم كوربن ببعض التنازلات لمجموعة «حزب العمال الجديد» وللمجموعة اليهودية ولمطالبها في حزبه لكي يحتفظ الحزب بالشعبية التي حظي بها عام 2017.
يبقى السؤال: هل كانت قضية اشغال كوربن بتفاعلات مسألة العداء للسامية وسيلة لإبعاده أطلقتها ونفذتها شخصيات منحازة مرتبطة بمؤسسات صناعة الأسلحة وشركات الطاقة المتواجدة بداخل حزب العمال كما في غيره؟ أو هل كان سقوط كوربن مرتبطاً بعناده وتمسكه المبالغ فيه بمبادئه، أو هل كان لنظام دونالد ترامب وأعوانه وحلفائه في إسرائيل خصوصاً نتنياهو، الدور الرئيسي في إزاحته عن الساحة السياسية البريطانية؟
والسؤال الآخر المهم هو: بعد وصول جو بايدن إلى الرئاسة في أمريكا بدعم من باراك أوباما ومن مجموعات تُشارك كوربن مواقفه إزاء القضية الفلسطينية، ماذا سيكون مصير كوربن وأمثاله على الساحة السياسية البريطانية والعالمية؟
Gabriel Pogrund & Patrick Maguire: “Left Out: The Inside Story of Labour Under Corbyn”
Random House, London 2021
387 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية