مطالبات تعلو بأن تشمل المحاسبة الجميع، ودون تمييز على أساس الانتماء الحزبي وأن تبقى العقوبة شخصية تتعلق بمقترف الفعل المجرم لا بالتنظيم الذي ينتمي إليه.
تونس-»القدس العربي»: تعيش تونس مرحلة فارقة في تاريخها الحديث، ووضعا استثنائيا صعبا ومعقدا بكل ما للكلمة من معنى يتداخل فيه الداخلي بالخارجي.
ولا يمكن إخراج ما يحصل في تونس عن السياقين الإقليمي والدولي وما تعرفه المنطقة من غليان شعبي وعدم استقرار وتحولات كبرى طالت السياسة والاقتصاد والصحة والأمن وجميع المجالات بدون استثناء. ويبدو أن هذا المخاض سيتواصل لسنوات مقبلة وربما لعقود وستؤثر فيه موازين القوى على الساحتين الإقليمية والدولية إضافة إلى إرادة الشارع التونسي ووعيه ومدى إدراكه لحقيقة ما يحصل على أرضه.
هناك اليوم تحديات عديدة تواجه التونسيين لعل أهمها الخروج السريع من «الوضع الاستثنائي» الذي وجدوا أنفسهم فيه من خلال إقرار خريطة طريق واضحة المعالم للمرحلة المقبلة تتضمن حوارا وطنيا بمشاركة جميع الأطراف من دون إقصاء. ومن المهم بمكان أن ينظر الحوار المنتظر في مسائل هامة على غرار القانون الانتخابي، وإيقاف تدفق المال الخارجي على الأحزاب السياسية الذي ساهم في تزوير إرادة الناخبين في الانتخابات السابقة وجعل التونسيين لا يثقون في نتائج الصندوق ولا يقبلون عليه بكثافة.
في هذا السياق طالبت جمعيات تونسية الرئيس قيس سعيد، بوضع خطة عمل مع القوى المدنية تتعلق باستحقاقات المرحلة الجديدة والخروج من الوضع الاستثنائي في البلاد. ومن أبرز الموقعين على البيان نقابة الصحافيين وجمعية القضاة، وجمعية المحامين الشبان، وجمعية النساء الديمقراطيات، ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية. ودعا البيان سعيّد، إلى «ضبط خطة عمل واضحة ومحددة وفق جدول زمني بالتشارك مع القوى المدنية تتعلّق باستحقاقات المرحلة الجديدة والخروج من الوضع الاستثنائي». وأضاف «يجب أن تهتم الخطة بالقضايا المستعجلة كمحاربة فيروس كورونا والشروع في مراجعة القانون الانتخابي واتخاذ إجراءات عاجلة وقوية لمكافحة الفساد والتهريب والتهرّب الجبائي».
وشدد على «ضرورة احترام مبدأ تفريق السلطات واستقلال السلطة القضائية تماما عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، لتتمكن من استرجاع دورها والعمل على تسريع فتح كل الملفات الخطيرة والمصيرية».
وفي خضم هذه التحولات التي تشهدها البلاد ارتفعت أصوات تدعو إلى استفتاء لاختيار نظام جديد عوضا عن النظام السياسي القائم، وذلك بهدف إقرار نظام واضح المعالم سواء أكان رئاسيا أو برلمانيا أو مجلسيا خلفا لهذا النظام الهجين والغريب الذي أقره دستور سنة 2014 والذي أوصل البلد إلى هذا النفق المظلم الذي لا تلوح بوادر نهايته في الأفق على المدى القريب. وفي هذا الإطار تكمن أهمية إدراك أن نظامي بورقيبة وبن علي اللذين ينعتان بأنهما نظامان استبداديان، يصنفان في القانون الدستوري في خانة الأنظمة الرئاسوية باعتبار الحيف الحاصل فيهما عن النظام الرئاسي الأصلي، من هنا تمكن أهمية إزالة هاجس الخوف لدى شرائح تونسية كبيرة من النظام الرئاسي لأن ما كان سائدا قبل الثورة لم يكن نظاما رئاسيا.
ففي نظامي بورقيبة وبن علي كان رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء ولديه سلطات تشريعية واسعة وبالتالي فقد كان التفريق بين السلطات صوريا مما أوصل إلى الاستبداد. وذلك خلافا للأنظمة الرئاسية، على غرار نظامي فرنسا والولايات المتحدة، حيث يكون التفريق بين السلطات واقعا. كما أن الرقابة بين هذه السلطات على بعضها البعض هي التي تمنع تغوّل إحداها مما يجعل النظام الرئاسي ديمقراطيا بامتياز وبتأكيد كل فقهاء وشراح القانون والدليل أن نظامي فرنسا والولايات المتحدة الرئاسيين يصنفان في خانة الأنظمة الديمقراطية.
المحاسبة بعيدا عن الانتقام
اليوم هناك مطالبات تعلو بأن تشمل المحاسبة الجميع، ودون تمييز على أساس الانتماء الحزبي وأن تبقى العقوبة شخصية تتعلق بمقترف الفعل المجرم لا بالتنظيم الذي ينتمي إليه، فقد تم في السابق وضع كل أبناء المنظومة القديمة في خانة واحدة وتمت شيطنتهم جميعا وتم حلّ حزبهم، فكانت النتيجة بروز فصيل دستوري شديد التطرف في المشهد السياسي التونسي بسبب الشعور بالضيم. وبالتالي ما حصل للدساترة في السابق لا يجب ان يتكرر مع حركة النهضة أو أي حزب آخر حتى يقطع التونسيون مع هذه الحلقة المفرغة من الانتقام والانتقام المضاد الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
ويرى البعض أن قرارات مجلس شورى حركة النهضة المجتمع مؤخرا فيها الكثير من البراغماتية، وهي في رأيهم تراعي المصلحة الوطنية والأمر الواقع وتصبّ في اتجاه تجنيب البلاد الصدام مع الطرف الآخر. وتبدو هذه المرونة مطلوبة في الوقت الحاضر لتجنيب البلاد ما لا يحمد عقباه والابتعاد قدر الامكان عن مواجهات الشارع التي يمكن أن تتطور نحو الأسوأ خاصة وأن ما حصل في سوريا وليبيا ماثل في أذهان التونسيين، وهناك حالة من الوعي لتجنيب البلاد هذه السيناريوهات الحاصلة في أقطار شقيقة.
فقد دعا مجلس شورى النهضة إلى ضرورة العودة السريعة للوضع الدستوري الطبيعي ورفع التجميد الذي شمل اختصاصات البرلمان التونسي، وإلى إطلاق حوار وطني يشمل الجميع للمضي قدما في إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة. ولعل الأهم هو إعلان حركة النهضة الصريح إلى أنها تتفهم الغضب الشعبي والاحتجاجات الاجتماعية التي سبقت القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية وهو ما يتطلب برأي الحركة نقدا ذاتيا عميقا للسياسات المتبعة من قبلها خلال السنوات الأخيرة. وأكدت حركة النهضة في بيان لها ضرورة القيام بـ»نقد ذاتي» لسياساتها التي اعتمدتها بعد أن قرّر الرئيس التونسي قيس سعيّد تجميد أعمال البرلمان الذي يترأسه زعيمها راشد الغنوشي. وأكدت الحركة في بيان إثر انعقاد مجلس الشورى على «ضرورة القيام بنقد ذاتي معمق لسياساتها خلال المرحلة الماضية والقيام بالمراجعات الضرورية والتجديد في برامجها وإطاراتها في أفق مؤتمرها الـ 11 المقرر نهاية هذه السنة، لإعادة النظر في خياراتها وتموقعها بما يتناسب مع الرسائل التي عبر عنها الشارع التونسي وتتطلبها التطورات في البلاد».
وأكدت أنها «تتفهّم الغضب الشعبي المتنامي، خاصة في أوساط الشباب، بسبب الاخفاق الاقتصادي والاجتماعي بعد عشر سنوات من الثورة. وتحميل الطبقة السياسية برمتها كلا من موقعه، وبحسب حجم مشاركته في المشهد السياسي، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، ودعوتهم إلى العمل على تصحيح الأداء والاعتذار عن الأخطاء».
وتبدو قدرة التونسيين على الخروج من هذه الأزمة من دون الحاجة إلى رعاة خارجيين للحوار على غرار ما يحصل في بلدان أخرى، أكيدة ولا غبار عليها، وحتى من يلمح للاستقواء بالخارج على أبناء جلدته لا يجد إلا الصد الشعبي وغضب كبرى المنظمات الوطنية.
كما أن أزمة سنة 2013 تم تجاوزها بحوار وطني رعته المنظمات الوطنية التونسية وليس الأمم المتحدة أو دول شقيقة وصديقة، وهو ما جعل الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي رعت الحوار، تتحول إلى خيمات لجوء للسياسيين عند الأزمات. ولعل نيل هذه المنظمات الأربع جائزة نوبل للسلام دليل أيضا على الاعتراف الدولي بدورها في إنقاذ تونس من أزمة سنة 2013 بدون تدخلات خارجية قد تجعل البلد رهينة فيما بعد للرعاة أو لرغبتهم بمقابل ما.
إن الحل للأزمة التونسية الحالية لا يجب أن يخرج عن هذا الإطار، أي الرعاية المحلية للحوار بدون الإستعانة بالخارج، باعتبار أن أبناء الخضراء لا يعوزهم الوعي ولا الخبرة السياسية التي جنبت البلاد الويلات خلال السنوات الماضية. كما أن التمشي السيادي يرضي عموم التونسيين الذين يتحسسون كثيرا من التدخلات الخارجية لأنهم يدركون أن لا أحد يقدم خدماته بالمجان، فلكل مصالحه ولكل التزاماته التي تتعارض في أغلب الأحيان مع التزامات ومصالح التونسيين.
كما بينت التجربة أن الشعب التونسي ليس دمويا يجنح إلى الانتقام والتشفي وسفك الدماء، فهو عقلاني إلى أبعد الحدود ويقدر حجم المخاطر المحدقة بوطنه، ويدرك أيضا أن هناك متربصين بالبلد، حتى من أقرب الأقربين، يتمنون انحداره ورؤيته في أكثر المواقع انحطاطا. وبالنهاية فإن كل عائلة تونسية تضم في صفوفها منتمين إلى مختلف التيارات السياسية والإيديولوجية، وبالتالي لا توجد طوائف متناحرة يمكن أن ينزلق معها البلد إلى العنف الذي تشهده بلدان أخرى، إذ لا يعقل أن يسفك الأب دم إبنه أو يسفك الشقيق دم شقيقه أو ابن عمومته.
فالحالة التونسية فريدة عربيا ويؤكد ذلك كل من يعرف الخضراء عن كثب وعلى اطلاع على نسيجها الاجتماعي الإستثنائي وعلى الشخصية التونسية عموما والتي صنعتها مؤثرات جغرافية وتراكمات حقب تاريخية طويلة مرت على هذه البلاد وصنعت ذاتيتها وتفردها. وبالتالي فإن الحل السلمي والتوافقات هما سبيل التونسيين دون سواهما للخروج من هذه الأزمة، ولا مجال للحياد عنهما. ويبقى القضاء وحده هو الفيصل للبتّ في كل التجاوزات التي قد تحصل من هذا الطرف أو ذاك وهو يقوم بدوره، فلا اعتقالات تعسفية ولا محاكمات جائرة ولا تتبعات مغرضة أو مضايقات. وهو حال الأمن التونسي الجمهوري الذي يقف على مسافة واحدة من الفرقاء السياسيين والمعنيين بهذه الأزمة رغم المحاولات المتكررة للزجّ به في هذه المعركة من قبل بعض الأطراف.