مانفريد: قصيدة البطل البايروني وسيمفونيته

عند قراءة قصيدة مانفريد التي كتبها بايرون عام 1817 أو الاستماع إلى سيمفونية مانفريد التي ألفها تشايكوفسكي عام 1885، يكون القارئ والسامع مع معاناة ذلك البطل البايروني، الذي يشقى وحيداً فوق جبال الألب، يتمنى النوم ولا ينعم به، وينشد النسيان ولا يطاله، ويسعى إلى الموت ولا يصل إليه بسهولة، وعلى الرغم من أن دون جوان هو أشهر أبطال الشاعر الإنكليزي بايرون، يحظى مانفريد بالقوة الدرامية والأثر الموسيقي، الذي يظهر في سيمفونية تشايكوفسكي الطويلة والمعقدة، التي لم يمنحها رقماً وجعل اسم بطلها يميزها عن سيمفونياته الأخرى، وجمع لها الكم الهائل من الآلات الموسيقية الأساسية وغير الأساسية، أو غير السائدة عادة في مثل هذه الأعمال، ووهب لها روحه وأعصابه وحطامه الداخلي، ومن أجلها سخّر موهبته العظيمة التي أنهكته من فرط قوتها وعظم أمر تحملها.
لم يلحن تشايكوفسكي القصيدة وإنما قام بتحويل الشعر إلى موسيقى، حيث تختفي الكلمة تماماً، ويكون على النغمة وحدها أن تعبّر عن آلام مانفريد، وما أكثر هذه الآلام التي يجلبها هذا النوع من الأبطال لنفسه ويحققها للآخرين، فهو يشقى بآثامه وأخطائه، ويُشقي بها من يحبونه والأكثر قرباً إلى نفسه وتشابهاً مع روحه، وكأنهم صورة أخرى منه، أو تجسيداً مغايراً له، مثل أستارتي الحبيبة أو النسخة الأنثوية الأجمل.

03-6

تمثال تشايكوفسكي في العاصمة الروسية موسكو

«أحببتها ودمرتها» هكذا باختصار يعترف مانفريد بكل ما حدث، ولن يبوح بأكثر من هذا، لن يروي أسرار الوقوع في الحب المحرم، سيقول فقط «ولقد أحب كل منا الآخر كما لا يجب أن نحب» وأن «حبهما كان الخطيئة القاتلة»، كما أنه لن يكشف عن أسباب موت أستارتي، التي يناديها ويطلب منها أن تسمعه وأن تتحدث إليه، ويحاول استعادتها من العالم الآخر، مستعيناً بالأرواح السبع التي لا يتسرب إليها الفناء وبساحرة الألب، بينما يخوض معهم في حوارات شعرية فلسفية حول الأمور التي لا يمكن للبشر التحكم بها، وسيصف آلامه وندمه الرهيب وعذاب تذكره الدائم لكل ما يريد أن ينساه، لكن سيكون هناك دائماً ذلك الأمر الذي يقول إنه لا يستطيع أن يتحدث عنه، ويطلب من الآخرين أن يفهموه وحدهم أو هم يفهمونه بالفعل، كما سيحدثهم عن الحب بأجمل العبارات، والحق أن الحب لدى بايرون في قصيدة مانفريد ليس ذلك الحب اللاهي العابث، ويبدو أكبر من مجرد عشق لامرأة، إنه حب الذات الأخرى، أو الصورة الأجمل للنفس، فهو لا يتغزل في أستارتي بقدر ما يذكر تشابهها معه، وأنها كانت الوحيدة التي تفهمه وسط تضاربه مع بقية البشر، وما يعانيه من آلام الفردية أو التفرد.
والبطل البايروني هو نوع من الأبطال، أضافه بايرون إلى الدراما، ويختلف عن البطل التراجيدي في بعض التفاصيل، منها أنه لا يخلق التعاطف الكبير في نفس المتلقي، ربما لا يصل الأمر إلى أن يكرهه، لكنه يدرك مدى شيطانيته في جميع الأحوال، كما أنه لا يثير الشعور بالخوف من الوقوع في خطأ مشابه، أو ملاقاة المصير ذاته، فإن الخطأ التراجيدي أو الخطيئة الكبرى يمكن للبطل البايروني أن يتجنبها، لكنه يذهب إليها مدركاً بكامل إرادته واختياره، أما البطل التراجيدي فإن القدر يوقعه فيها رغماً عنه ويدفعه نحوها دفعاً مهما حاول الهروب، كما أن صراع البطل البايروني مع المجتمع أكبر، والصدام أكثر حدة، ولا حدود لتمرده وانفراده وعزلته عن الآخرين، أما الصراع الحتمي مع القدر فيبدو أنه أبديّ ولا يعرف الاستسلام حتى في اللحظات الأخيرة كما يفعل مانفريد في نهاية القصيدة عندما يرفض صلاة الكاهن، بينما في مواقف مشابهة يستسلم البطل التراجيدي طلباً للرحمة.
ربما يكون البناء هو أهم ما يتم التطلع إليه فنياً في أي سيمفونية بشكل عام، لكن المدهش حقاً في مانفريد هو الأوركستراسيون البديع الممتع، وانتقال تشايكوفسكي بموسيقاه من آلة موسيقية إلى أخرى، وإظهاره لشخصية كل واحدة منها، وقدراتها التعبيرية والأثر الدقيق الذي تحدثه في نفس السامع وذهنه، وانفرادها بإحساس لا يمكن أن تعوضه أي آلة موسيقية أخرى، وإن كانت مشابهة لها وتنتمي إلى المجموعة ذاتها، ويظهر هذا بوضوح شديد عندما يجعل تشايكوفسكي آلة ما تكرر جملة لحنية وراء آلة أخرى، ويكون للنغمات نفسها وقع جديد ورائع، فإن هذا الموسيقي العظيم يعرف إحساس الآلة الموسيقية لا وظيفتها الفنية وحسب، وهو يذهب إليها بتلقائية بدون أن يخطئ أو يضل الطريق، حيث ينطلق الشعور من قلبه منجذباً نحو الآلة الموسيقية التي تستطيع وحدها أن تفهم هذا الشعور، وأن تعبّر عنه، وتبدو الأوركسترا الهائلة في سيمفونية مانفريد كمجموعة من الممثلين البارعين في مسرحية درامية دقيقة الحبكة.
عندما قام تشايكوفسكي بتأليف هذا العمل كان خياله مرتبطاً بخيال آخر هو خيال بايرون، الذي عبّر عنه بالكلمات في قصيدته، ولا يعني ذلك أن خيال تشايكوفسكي كان مقيداً غير حر، لكنه كان ملتزماً بالتعبير عن مانفريد وروحه الغريبة النائية، ومثل هذه الأعمال تختلف بالطبع عن أي موسيقى أخرى ألفها تشايكوفسكي انطلاقا من وحيه الخاص، بدون أن تكون وراءها قطع أدبية أو حكايات خرافية، كما في مؤلفاته لفن الباليه على سبيل المثال، وتعكس سيمفونية مانفريد مدى تأثر تشايكوفسكي بالخيال الشعري، بداية من الدخول ذي الطابع الدرامي، مروراً بأجمل الثيمات وأعلى الذروات، ووصولاً إلى الخاتمة المثيرة والعبقرية، حيث النغمات المشحونة بالعاطفة والقدرة التعبيرية التي تترجم نفساً تتألم وهي تعيش مجبرة كل ما لا تريد أن تعيشه، وتعجز عن تحقيق ما تريده، رغم أن بايرون منح مانفريد بعض القوى فوق البشرية، ومع ذلك لم تنفعه في شيء، فلا يستطيع أن يتحكم في الزمن، أو تغيير الماضي ومحو الأخطاء، ولا يقدر أن ينتزع حبيبته من أحضان الموت ويعيدها إلى الحياة في أحضانه، ولا يمكنه أن ينسى، لأن القدر لا يريده أن ينسى كما لا يريد له أن يموت في القسم الأول من القصيدة، عندما حاول أن يلقي بنفسه من شاهق الجبل فأرسل من يمسك به وسط هذا الخواء ليعيده إلى شقائه.

ويعد اسكرتسو جنيّة الألب، الذي يُعزف في الحركة الثانية من أكثر الألحان جمالاً وجاذبية، يخلق في نفس السامع الرغبة في الغناء ومصاحبة أنغامه بأي حروف يرددها لا معنى لها، وهذا يعود إلى سحر الميلودي وتأثيره، ولا تخفى ميلودية تشايكوفسكي على أحد، وهي من نقاط القوة لديه لا نقاط الضعف.

في مانفريد لا يجد المستمع ذلك البناء الجبّار الذي يجده في سيمفونيات بيتهوفن، على سبيل المثال، ولا الالتزام الكامل بقوالب التأليف الموسيقي وترتيبها داخل الحركات، لكنه يجد الموسيقى نفسها بقلبها وروحها وأعصابها، تواجهه بجمال يأخذه بعيداً عن كل ما يدور حول الموسيقى، وتحكي له عن مشاعر وانفعالات كان تشايكوفسكي بارعاً في التعبير عنها بحساسيته المتأججة التي تميزه كثيراً عن غيره من عظماء الموسيقى الكلاسيكية، اللحن الأساسي في السيمفونية أو الثيمة الرئيسية هي ثيمة مانفريد، التي تصاحب المستمع طوال العمل، حيث تتكرر من حين إلى آخر بتنويعات تتباين في درجة قوتها ودراميتها، ومنها تنبعث الأفكار الموسيقية الأخرى، التي تخرج منها أو تعود إليها أو تتداخل معها، وهي ثيمة حزينة بطيئة إلى حد ما، توحي بثقل خطى مانفريد فوق جبال الألب وهو ينوء بأحماله وآلامه وحيداً في مواجهة الكون البارد، وتتولى مجموعة الوتريات بأكملها هذا اللحن، حيث تتمازج أصوات الكمان والفيولا والتشيللو والكونترباص، فيتألف من مجموعها الخط الميلودي الرئيسي، ثم يكون الدخول لآلات أخرى حسب الحالة الدرامية المراد التعبير عنها أو التصاعد النفسي الذي يصل إليه مانفريد في لحظات معينة، وتتكون هذه الثيمة من جملة لحنية تتكرر لأربع مرات متتالية باختلافات بسيطة، أما المرة الخامسة فتكون دائماً شيئاً جديداً، إما توقف مفاجئ واصطدام ما، أو تصاعد سريع في النغمات، أو تناقص تدرجي نحو الهبوط، أو ذروة موسيقية هائلة، كالتي تُسمع في الدقيقة الخامسة تقريباً، ويقال إنها أعلى ذروة وصل إليها تشايكوفسكي، لكنها تخلق في نفس السامع الشعور بالحاجة إلى المزيد من الغضب، والذهاب إلى أعلى وأعلى، تنشأ هذه الذروة تدريجياً بعد انتهاء ثيمة مانفريد بنغمات متقطعة متلاحقة من جميع الآلات تقريباً، ثم تتسارع وتتسارع حتى تصل إلى قمة صوتية تسيطر عليها الآلات الإيقاعية ومجموعة النحاسيات، مع بروز لكل من صوت ضربات التيمباني المدوية، التي تصنع الزلزلة الموسيقية، حيث تهتز الأعصاب وترتفع حدة الشعور، وصوت البوق الفرنسي ذي الحضور المدهش في هذه السيمفونية بطرق متعددة وفي أجزاء مختلفة، ومن أجمل هذه الأجزاء التي يُسمع فيها صوته هي نهاية الحركة الأولى في الدقيقة الرابع عشرة تقريباً، عندما تعزف ثيمة مانفريد بأقصى طاقاتها التعبيرية وقد تضاعف البطء والثقل والحزن والضخامة الصوتية وقوة الأثر الذي يحدثه سماع صوت البوق الفرنسي منفرداً في نهاية الجملة اللحنية التي تتكون منها الثيمة، ثم عندما يتصدر النحاسيات بمصاحبة التيمباني في عزف الجملة كاملة.
أما ثيمة أستارتي فهي من الثيمات القصيرة، ولا تُسمع سوى مرتين فقط خلال السيمفونية كلها، المرة الأولى في الدقيقة الثامنة والنصف تقريباً والمرة الأخيرة في الدقيقة الثانية والخمسين، لأن أستارتي في القصيدة لا تظهر ولا تتجلى روحها لمانفريد إلا لمرتين فقط، في لحظات قليلة تكون مشحونة بالتلهف والقلق، وتنتهي بالخيبة والانكسار، وتجدد الشعور بالفقد ومرارة الحقيقة، وألم الفشل في الاحتفاظ بها واستعادتها من الموت، في المرة الأولى تظل أستارتي صامتة ولا تتكلم أبداً، وفي المرة الثانية تبشّر مانفريد قبل موته بقليل بأن عذابه فوق هذه الأرض سوف ينتهي قريباً، وتتكون هذه الثيمة من عبارات موسيقية خاطفة تعزفها الوتريات، وتكملها مجموعات الفلوت والأوبوا والكلارينيت، وقد جعلها تشايكوفسكي غامضة ومبهمة إلى حد ما، لا تعلق في ذهن السامع ويصعب الإمساك بها، كما جعلها شاحبة باهتة كلون وجه أستارتي، الذي كان مانفريد يتساءل وهو ينظر إليه ويقول: هل هذا هو الموت؟
ومن الآلات الأقصر حضوراً في هذا العمل هي آلة الأورغن، التي تُسمع للحظات قليلة في نهاية السيمفونية في الدقيقة الخامسة والخمسين تقريباً، إلا أن تشايكوفسكي جعل الحضور الصوتي لهذه الآلة يحمل قدراً من الخطورة والطغيان، بحيث يبدو كأنه الصوت الذي أسكت جميع الأصوات الأخرى، فهو صوت الموت، ومن بعده تبدو الموسيقى ضعيفة مهزومة تذهب نحو السكون ثم الصمت، لكنها توحي أيضاً بالسكينة والارتياح في تعبيرها عن لحظة موت مانفريد، عندما قال بعد كل معاناته وشقائه إن «الموت ليس بهذه الصعوبة».
ويعد اسكرتسو جنيّة الألب، الذي يُعزف في الحركة الثانية من أكثر الألحان جمالاً وجاذبية، يخلق في نفس السامع الرغبة في الغناء ومصاحبة أنغامه بأي حروف يرددها لا معنى لها، وهذا يعود إلى سحر الميلودي وتأثيره، ولا تخفى ميلودية تشايكوفسكي على أحد، وهي من نقاط القوة لديه لا نقاط الضعف، هذا اللحن غني ودافئ ومليء بالألوان والضوء والحياة، تماماً كالنشيد الذي يعبّر عنه في القصيدة، أو الجزء الخاص بظهور جنيّة الألب وحوارها مع مانفريد، وكما يتدفق بايرون شعراً في هذا النشيد على لسان مانفريد الذي يصف جمال جنيّة الألب الباهر ويتغزل فيها، يتدفق تشايكوفسكي أنغاماً ساحرة، لكن كل هذا الجمال لا يعبر عن الجنيّة فقط، وإنما يعبر أيضاً عن الحب وحضوره في جزء كبير من النشيد عندما يفتح مانفريد قلبه للجنيّة، ويحدثها عن حبه العميق لأستارتي التي كانت تشبهه في كل شيء، عينيها وشعرها وملامح وجهها وصوتها الذي كان نسخة أرق وأنعم من صوته، وكذلك أفكارها وأسئلتها ورغبتها في المعرفة، كما أن مانفريد يتحدث بوضوح في هذا النشيد عن أزمته الوجودية ومشكلته مع البشر واغترابه عنهم.
وكان تشايكوفسكي عبقرياً في التمهيد لظهور جنيّة الألب، حيث تُعزف النغمات القصيرة المتلاحقة في الدقيقة السادسة عشرة تقريباً، ويتصدر الفلوت بشكل بارز، بينما تظل النغمات تتقطع وتبدو وكأنها تحاول أن تتصل أو تتجمع، ثم يدخل ثنائي الهارب ربما للتعبير عن المياه التي يجمعها مانفريد بين يديه ثم يطلقها في الهواء فتظهر الجنيّة، تسير نبرات الهارب على إيقاع ثابت خافت، وما أن تصل إلى الصمت حتى يُسمع صوت الأقواس وحركتها البطيئة إلى حد التوقف على أوتار الكمان، ثم تنبعث أرق وألطف الأنغام دفعة واحدة، تتكرر هذه الجملة الموسيقية الحالمة التي تتبادلها مجموعات الكمان والفلوت والأوبوا والكلارينيت لخمس مرات متتالية، وبعد أن يظن المستمع أنها قد انتهت وذهبت، يجدها تعود لتُعزف مرتين أو مرة ونصف المرة، ثم تختفي ولا تعود أبداً، ويحار في فهم عبقرية تشايكوفسكي، الذي استطاع أن يجعل الموسيقى تدور وتتناثر وتتلاشى في الهواء.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية