أشار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، الدكتور مصطفى متولي، في تصريحات صحافية لاقتراب وصول بعثة من البنك الدولي لمشروع «سيغير حياة الإنسان المصري بالفعل».
والمقصود بتلك التصريحات عن تغيير الحياة، مشروع صرف صحي لمجموعة من القرى. الصيغة توضح جانبا من المشكلة التي تواجه مصر، حين يتحول مشروع يفترض أنه من أساسيات الحياة لعامل تغيير للحياة في عمومها. أن يرى الوزير أن المشروع على تلك الدرجة من الأهمية، هو تعبير عن الكفتة التي تحكم الواقع، حيث استخدام الكلمات البراقة على خشبة المسرح ضرورة لتضخيم الإنجاز الذي يرتبط بالتسويق أكثر من المضمون على طريقة الكفتة، التي فرضت نفسها مع انتهاء المهلة الثانية لجهاز الكشف عن فيروس التهاب الكبد الوبائي «سي»، والإيدز بدون توضيح.
الجهاز الذي يعرف باسم «جهاز الكفتة» دشن لاستخدام «الكفتة» في سياق الأحلام الوهمية لنكتشف وجودها في العديد من التفاصيل التي يغيب عنها الأساس العلمي، ويبدو الحدث فيها أقرب لجهاز الكفتة الذي يعاد تغليفه وبيعه في كل أزمة بمسمى جديد.
الجهاز الذي تم الكشف عنه في مؤتمر صحافي عالما للقوات المسلحة، قبل أقل من عام، أكد مخترعه إبراهيم عبد العاطي قدرته على تحقيق الشفاء بنسبة تقارب 100٪، معلنا أن عام (2014) لن ينتهي إلا بالإعلان عن «اختراع جديد غير مسبوق على المستوى العالمي، في واحد من أهم الأمراض التي عجز الطب عن علاجها».
ضجة الظهور لم تكن كافية للنجاح، فتم تأجيله قبل ساعات من المهلة الأولى في يونيو، وشكلت لجنة طبية لتقييم قدراته العلاجية، ولكنها لم تعلن موقفها مع نهاية المهلة الثانية في ديسمبر 2014. وأعلن عضو من اللجنة على الفيسبوك، أن المهلة لا تعني بدء العمل بالجهاز لوجود خطوات وفترة اختبار لن يتم الإعلان عنها، بما يسمح بدوره ببحث ممتد بدون سقف زمني واضح تلك المرة.
تشكيل اللجنة طرح التساؤل عن أجواء الإعلان وتناقضها، مع كل ما أعلن عن نجاح الجهاز وحصوله على الموافقات الطبية المصرية. أما الحاجة للجنة خارجية أو محايدة، فتحمل مخاطر واضحة تتعلق بالمصداقية في قضية علمية تثير التساؤلات حول ما يمكن أن يحدث في حالات يفترض أنها بطبيعتها محل لاختلاف وجهات النظر. ومن يضمن أن الثقة التي لازمت الحديث عن الجهاز لا تشبه الكثير من الأحاديث الحماسية المحيطة بنا، التي لن تتوقف عند مشروع الصرف الصحي الذي سيغير الحياة. وحمل الإعلان عن الجهاز الكثير من ملامح الواقع، حيث يتم الإعلان عن مشروع ضخم قبل الانتهاء من غيره، والحرص على ربط الفكرة باسماء وجهات محددة لاستغــــلال المصداقية وضمان الشعبية، كما هو الوضع في ربط 30 يونيو بثورتي يوليو ويناير، إلى جانب التأكيد على قدرة المشروع على توفير العلاج أو الحلول لكافة المشاكل.
الفارق أن الجهاز ارتبط بتوقيت محدد، على عكس المشاريع التالية التي يحدد لها سنوات ممتدة للتنفيذ. وبمقارنة ما حدث مع الجهاز والعداد التنازلي، يمكن إدراك الدروس المستفادة للسلطة، خاصة ضرورة عدم ربط المشاريع بتوقيت قصير الأجل.
تحول «الكفتة» لرمز معبر عن الفجوة بين المعلن والواقع، دفع البعض لاستخدام تعبير «الفنكوش» المأخوذ عن فيلم «واحدة بواحدة» الذي يضطر فيه البطل لتنفيذ إعلانات لسلعة وهمية باسم «الفنكوش»، وعندما تذاع الإعلانات بالخطأ يصبح من الضروري اختراع منتج يحمل الاسم ويحل الأزمة. الاختلاف أن «الكفتة» يفترض أنها جهاز تم الإعلان عن قدراته في كشف وعلاج أمراض محددة، أما «الفنكوش» فهو من البداية وهم يمكن لأي منتج أن يحقق الغرض منه. كما يعبر جدل «الكفتة» عن الفجوة بين السلطة والمواطن. فالسلطة قد تقدم الأحلام وتستغل التخويف، لتؤكد قدرتها على المنح والمنع وحاجة الوطن لها. فلا تهتم كثيرا بالوعود والبرامج ما دامت المحاسبة غائبة والإعلام مسيسا. المواطن يستمع للوعود ويرتب نفسه على محاولة تقليص المخاطر، وان كانت السلطة لا تحقق الخدمات ولا تحترم المواعيد فإن أمله هو حماية أمنه الشخصي.
غياب الاعتراف والمحاسبة هو إهانة عامة، حتى إن تكررت مقولة إنه استخفاف بمشاعر المرضى البسطاء، فالحدث يشمل مكانة الوطن الذي تم الزج به في جدل يفترض أنه علمي ومهم، محلياً وعالميا. ولكن التعامل جاء بعيدا عن العلم وعبر عن غياب تواضع العلماء ونحن نسمع من يتوعد بعدم تصدير الدواء وعدم معالجة غير المصريين، والانتقام ممن يشكك فيه بعدم علاجه هو وأسرته وجيرانه.. فـ»الكفتة» كاشفة للوجه الانساني، كما هي كاشفة للمحاسبة الغائبة. أما الحملة التي بدأت في الظهور لمحاسبة عدة أفراد يبدو ظاهرها نقدا للجهاز ومضمونها تفويت الفرصة للتساؤل عن مسؤولية جهات أعلى من عبد العاطي وعدد من الأطباء والإعلاميين عن الترويج له. فالاختراع استند من البداية إلى اسم الجيش ومصداقيته، وأصبح الموقف منه اختبارا لحب الجيش والثقه فيه بدون نقاش.
غياب المكاشفة والاعتذار لا يختلف عن حيثيات حكم الغرامة على برنامج «البرنامج»، خاصة مع الاتفاق بينهما على أن الشعب في مكانة دنيا لا ترقى للاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه في حالة الجهاز، ولا تصل به لفهم وإدراك البرامج الساخرة مثل الغرب، كما أكدت حيثيات التحكيم. قرار يثير جدلا في وقت أكد فيه الرئيس السيسي في اللقاء مع الوفد الإعلامي المصري في الكويت، على أهمية الدور الذي يقوم به الإعلام في المرحلة الحالية «لاسيما في دعم الاصطفاف الوطني والحفاظ على ثوابت الدولة وبناء الثقة واستعادة الأمل بين المواطنين». كلمات تطرح الكثير حول تلك المفاهيم في وقت يقوم فيه الإعلام بدور في الفرز والتخوين، كما حدث مع «جهاز الكفتة» الذي اعتبر مقياسا للوطنية. وتطرح فكرة الثوابت التساؤل عن تعريفها ومن يقوم به، خاصة في ظل تأكيداته السابقة على أهمية نقل خطاب السلطة، وفي ظل حكم هيئة التحكيم المعنية بنزاع «البرنامج» وما حمله من معان تتجاوز الشق القانوني. أما بناء الثقة والأمل فتمثل تحديا خاصا وسط الحديث عن دور الإعلام في نشر الجهاز واعتبار الثقة فيه من الثقة في الجيش والوطن.
لا يخلو خبر تغريم باسم يوسف والشركة المنتجة بسبب الخلاف مع القناة الفضائية من أجواء «الكفتة»، بما تحمله من تجاوز التخصص والخروج عن المضمون القانوني، وتجاوز الموضوع محل النزاع لتقديم رؤية عن الإعلام ودوره المفترض من قبل جهة التحكيم، وتقييمها لما يصلح ولا يصلح للمواطن، وفقا لتصورها لمدى وعيه وقدرته على تقبل تلك النوعية من البرامج. الأسباب العامة للحكم تجعل الغرامة تعبيرا عن الضرر المادي والأدبي، الذي لحق بالمحطة. في حين أن الضرر الأدبي والمادي الذي تتعرض له مصر في ظل بعض التغطيات الإعلامية القائمة لا يحاسب عليه أحد. كما أن محاسبة «البرنامج» وما أذيع عن السخرية التي تتجاوز أخلاقيات المجتمع تطرح السؤال حول أسلوبه ومدى تغيره والمجتمع، ومدى اختـــلافه ما قبل وما بعد مرسي، فهل تغير البرنامج في محتواه أم تغير المجتمع أم تغيرت السياسة المحيطة بالمشهد؟ الإجــــابة معروفة رغم أن الهيئة اعتبرت أن «البرنامج» لم يكن هادفــــا أو بنــاء، بل ساحة «للتجريح في الشخصيات الوطنية»، وكأن من كان يحكم خلال الفترة السابقة كان يحق تجريحهم والإساءة إليهم، وفقا لتلك الرؤية التي تجعل مجمل المشهد انتقائيا، سواء في ما يتعلق بمن يحق السخرية منه، أو توقيت السخرية، أو تحديد معنى الوطن والتجريح من عدمه.
الجهاز بكل ما أحيط به خطوة من الخطوات الكاشفة للواقع مثل الثورة التي كانت ولازالت بكل تطوراتها كاشفة لحجم الفساد والإفساد وتنوعه، وللقدرة على تسويق الوهم مرات. في حين يحمل القرار ضد البرنامج الكثير من الرسائل الساخرة التي ترغب في ضمان ألا تتحول مشاريع «الكفتة» إلى حملة ساخرة على طريقة «الكفتة» للايدز والطعمية للعقم والكشري للصلع… كما رددت الكوميديا المصرية وهي تؤكد أن التأخير راجع إلى فترة إعداد السلطات، خاصة الطحينة الضرورية لوجبة الكفتة. تتشابك خطوط المشهد بين جهاز علاجي، ومصداقية الإعلام، والتعويض للضرر الأدبي، ومشروع الصرف الصحي لتؤكد أن واقعا يدار بالكلمات الحماسية ولا يحاسب على أسس قانونية واضحة، ويخلط الطب والقانون بالسياسة والفنون من شأنه أن يزيد حالة الضبابية حين تخسر كل المجالات وتنتج ما يفترض أنه كفتة بلا قيمة.
٭ كاتبة مصرية