منذ السطور الأولى يجد المؤلف نفسه ملزماً بالإجابة عن سؤالين، على سبيل تبرير إصدار كتابه هذا: «لماذا يُؤلّف كتاب جديد عن الانتقال إلى الديمقراطية؟ وما الذي يمكم أن يضيفه إلى عشرات الكتب التي صدرت في هذا الموضوع؟». وبالفعل، ثمة وجاهة واضحة في تبرير كتابة العمل من جانب المؤلف، وكذلك دافع القارئ في الاطلاع عليه.
ويقول علي الدين هلال إن الجديد الأول في كتابه هو استعراض الخبرات الدولية للانتقال الديمقراطي مقابل تعثر هذا الانتقال في العالم العربي، والجديد الثاني هو التساؤل عن ماهية تلك «الديمقراطية» التي ننتقل إليها، وهل هي مجموعة من المؤسسات والإجراءات المتعلقة بطريقة الوصول إلى الحكم وتداول السلطة؟ ولا يغفل هلال حقيقة أن كتابه يصدر بعد أكثر من ربع قرن على ثورات دول شرق أوروبا التي أسقطت عشرات «الأنظمة السلطوية» وأقامت أنظمة ديمقراطية بديلة.
ومن حيث المبدأ التأسيسي، يشير هلال إلى أنّ «أهمية موضوع الديمقراطية تنبع من أنها تتناول قضايا حيوية تشمل طبيعة العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، واساس الطاعة السياسية أو الالتزام السياسي، والتوازن الضروري والمطلوب بين الحرية والسلطة، وبين الحق والواجب، والعلاقة بين الدولة والقوى الاجتماعية، ومدى تعبير الأولى ــ باعتبارها شكلاً مؤسسياً وقانونياً ــ عن المجتمع». كذلك يوضح، بجلاء مفيد في الواقع لجهة التعريف الوجيز بطبيعة مقاربته، أنّ «البحث في موضوع الديمقراطية هو بحث في الشرعية: شرعية الدولة وشرعية النظم السياسية والاجتماعية».

وتتوزع مادة الكتاب على مقدمة وستة فصول، فيتناول الفصل الأول الديمقراطية بين القيم والمؤسسات، حيث يعود هلال إلى الأصل الإغريقي للمصطلح، كما يمرّ على إسهامات مفكري نظرية العقد الاجتماعي أمثال الإنكليزي جون لوك والفرنسي مونتسكيو ومواطنه جان جاك روسو، ويستعرض سلسلة من تطبيقات الديمقراطية في العصور والمجتمعات المختلفة، ليخلص إلى أنه لا يمكن «اعتقال» معنى الديمقراطية في تعريف جامد خارج عن الزمان والمكان. وهذا يتيح له شرح أساسين للديمقراطية، هما القيم التي تمثل ثقافة الديمقراطية (التعددية، الحرية، العدل)، ثم المؤسسات والترتيبات التنظيمية المرتبطة بالديمقراطية (حكم القانون، الفصل بين السلطات، تعدد الأحزاب، وجود مجال عام مفتوح وحر، انتخابات عامة دورية ونزيهة).
الفصل الثاني يعود إلى الاتجاهات النظرية في تفسير نشأة النظم الديمقراطية، فيسهب في شرح الشروط أو المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية، واتجاهات تعريفها ومدارس تحليلها. هنالك اتجاه التنمية/ التحديث، وضمن عناصره وجود طبقة وسطى عريضة ونظام طبقي مرن، ارتفاع نسبة التعليم، ثقافة داعمة لمؤسسات النظام الديمقراطي وترتيباته. هنالك ثانياً اتجاه الفاعلين السياسيين، واختيارات النخب وتفضيلاتها. وهنالك ثالثاً اتجاه التحليل البنائي، من حيث نمط توزيع القوة الاقتصادية والاجتماعية.
في الفصل الثالث يناقش هلال انهيار النظم السلطوية، ويفصّل أنماط السلطة والتسلط ومجموعة أزماتها، فضلاً عن بدائل مثل الانتخابات والقضاء والبرلمان والإعلام والمنظمات غير الحكومية. غاية الفصل هي استعراض سمات النظم السلطوية وانتقالها من «السلطوية النقية» إلى «السلطوية الهجين»، ثم عرض آليات انهيار هذه النظم والتفاعلات المرتبطة بها والفاعلين الرئيسيين في هذه العملية، والتأثيرات الداخلية والخارجية.
يبحث الفصل الرابع عملية الانتقال إلى الديمقراطية، فيسوق المؤلف التعريفات والأنماط والسمات والأشكال، ويضرب أمثلة من أنظمة ومجتمعات وتجارب مختلفة. هنالك نمط الانتقال من أعلى ودور النخبة الحاكمة، ونمط التفاوض بين نخب الحكم والمعارضة، ونمط الانتقال من أسفل ودور التعبئة الجماعية والفعل المباشر، ونمط الانتقال من خلال الاحتجاجات الشعبية، ونمط الفرض بالقوة من الخارج.
هذه الخلاصات تفضي إلى مواضيع الفصل الخامس، الذي يعرض طرائق تعزيز الديمقراطية طبقاً لمستويات متباينة من معنى التعزيز، والعوامل الكفيلة بتحقيقه، والأطراف والقوى والمؤسسات المشاركة فيه. ويحرص هلال على الإشارة إلى أن التمييز بين عمليتي الانتقال إلى الديمقراطية والتعزيز الديمقراطي لا يعني «وجود نقاط زمنية تفصل بينهما في الواقع»، بل إنه على العكس يوجد تواصل وتداخل بينهما في الأدوات والمسارات: «الأولى تمهيد للثانية وتقود إليها وتؤثر فيها، ولذلك توصف هذه الصلة بأنها متصلة ولكنها ليست خطية».
ويكون الفصل السادس والأخير بمثابة خلاصة واستنتاج حول حدود الانتقال إلى الديمقراطية وتعدد المفاهيم والأنماط في السيرورة بأسرها، وفيه يتابع القارئ أشكال الديمقراطية التمثيلية، والديمقراطية الليبرالية (ويفرد هلال فقرات خاصة حول التزاوج بين الليبرالية والديمقراطية ونقد أنماطه)، والديمقراطية النخبوية، والديمقراطية التوافقية، والديمقراطية الاجتماعية، والديمقراطية الرقمية (خاصة في أوساط الشباب وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ولدت مصطلحات مثل «التنشئة الإلكترونية» و«المواطن الشبكي» و«الأحزاب الإلكترونية»).
وفي خاتمة كتابه يشدد هلال على أنّ «تقييم النظم الديمقراطية ينبغي ألا يعتمد على وصف المؤسسات وشكلها فقط، بل ينبغي أن يعتمد أيضاً على وصف ما تضطلع به من وظائف وأدوار في الواقع». ذلك أيضاً لأنّ «النظام الديمقراطي ليس مجرد فاعلين وانتخابات وتشكيل حكومات، وليس مجرد من يحصل على النسبة الأكبر من أصوات الناخبين، بل ماذا يستطيع هؤلاء الفاعلون من قوى ومؤسسات فعله، ومدى تمثيلهم للمصالح الاجتماعية وقدرتهم على تحسين ظروف الحياة لأكبر عدد من الناس».
وفي جميع هذه الفصول يتبع المؤلف منهج العرض النظري للمفاهيم والمشكلات، ويُخضعها للتطوير والربط مع سواها أو ضمن مجموعات متقابلة أو متناقضة، وينتهي إلى مساءلة بعضها عن طريق وضعها على محك النتائج الفعلية لجهة النجاح أو الفشل هنا وهناك في تجارب الشعوب والمجتمعات. وإذا صحّ أنّ هذا المنهج أفاد الكاتب وسهّل عليه استكمال فصول الكتاب من دون مشقة إضافية، فإنه في الواقع فوّت على القارئ فرصة الإطلالة النقدية على المفاهيم والمشكلات. هنا يلوح أنّ المنهج أقلّ انسجاماً مع محتوى يتطلب التمحيص وإشراك القارئ في أدوار أكثر مرونة من حيث الاستقراء والاستخلاص.
يزيد في تأطير هذه الإشكالية أنّ المؤلف لا يعتمد مدرسة نقدية محددة، وإن كان يميل عموماً إلى المقاربة المفهومية والتاريخية للظواهر المرتبطة بمشكلات الديمقراطية، والعرض المحايد أحياناً هو أحد وسائله في تغطية المادة من دون اتخاذ مواقف نقدية صريحة. ويتوجب التنويه هنا إلى أنّ العمل هذا يدخل في سياق مؤلفات أخرى أصدرها هلال وتتناول المسألة الديمقراطية أيضاً، وبعضها أكثر قرباً من خيار البحث الملموس في الأبعاد المحلية، مثل كتابه «النظام السياسي المصري بين إرث الماضي وتحديات المستقبل»، وكتابه الآخر المعنون «العهد البرلماني في مصر».
كذلك فإنّ هلال يساجل خلاف الاعتقاد السائد الذي يقول بأنّ الديمقراطية «علاج لكل الأمراض والعلل الاجتماعية»، وأنها «البلسم الشافي لحالة التخلف بكل ما فيها من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية». وكان موقفه المبدئي هذا جديراً باستدراج نقاشات معمقة في فصول الكتاب، خاصة حول معضلات محددة تخص الانتقال إلى الديمقراطية في المجتمعات والنظم العربية، لكنه شاء التركيز على الآراء والتنظيرات والفلسفات المختلفة، الغربية بصفة خاصة، وبالتالي تحوّل كتابه إلى عمل آخر متكرر في هذا المضمار، فتراجعت فوائد الدراسة وفقدت قسطاً غير قليل من قيمتها السجالية والنقدية.
ولعل أنساق استخدام المراجع أسهمت بدورها في تبديد بعض القيمة السجالية للكتاب، إذ أنّ هلال يعود إلى مؤلفات يميل أغلبها إلى العمومية والبحث النظري، وهذا لحسن الحظ لم يضعف موثوقية إسناد المصدر أو توظيفه، وإنْ كان يمسّ في بعض الأمثلة دقّة بعض المصطلحات قياساً على عناصر تاريخية أو إيديولوجية لم تعد واردة تماماً في العصر الراهن. وعلى سبيل المثال، في عرضه لمفهوم «الديمقراطية الاجتماعية» يعود هلال إلى الأحزاب الروسية في القرن التاسع عشر، بعد تمييز سابق مع «الاشتراكية الديمقراطية» في الحقبة ذاتها.
وإذا كانت مادة الكتاب تنتهي إلى معالجة طائفة واسعة من القضايا التي تتصل بمفهوم الديمقراطية، إلا أنها في الإجمال لا تقارب بالعمق المطلوب تلك الأسئلة الكبرى التي تدور حول إشكاليات امتناع الانتقال إلى الديمقراطية في غالبية المجتمعات العربية، وهو الجديد الأهم الذي انطوى عليه وعد الكتاب.
علي الدين هلال: «الانتقال إلى الديمقراطية»
المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 2019
232 صفحة.