ديز فريدمان في “ضمير الرأسمالية: مئتا عام على الغارديان”: ترددت في اتخاذ المواقف الراديكالية في قضيتي فلسطين وكوربن وتناغمت مع السلطة

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يحرص كُتّاب وصحافيون وباحثون في بريطانيا والدول الغربية عموماً أن تكون لهم نافذة إعلامية حرة يستطيعون من خلالها التعبير عن آرائهم.
ولكن، بعد هيمنة أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، الذين يمتلكون أجنداتهم المنحازة، على معظم تلك الوسائل، صار بعض هؤلاء الكتّاب والمثقفين الأحرار أكثر تمسكاً بالذي بقي من مواقف معتدلة إلى حدٍ ما في الصحافة العالمية.
ربما هذا يشكل أحد أسباب صدور كتاب بعنوان “ضمير الرأسمالية، مئتا عام على صدور صحيفة الغارديان” ويضم مجموعة مقالات لصحافيات وصحافيين من أصحاب الآراء التقدمية الراديكالية. وقد أشرف على تحقيقه ديز فريدمان، أستاذ الإعلام في كلية غولدسميث التابعة لجامعة لندن، وخلاصة المقالات الواردة فيه أن صحيفة “الغارديان” البريطانية، التي تصدر في لندن ولها فروع في أمريكا ودول غربية أخرى، هي ليبرالية وليست راديكالية بما فيه الكفاية، وانها قد تنشر تحقيقات ومقالات جريئة ولكنها في النهاية تخضع لمتطلبات النظام الرأسمالي الليبرالي وتساهم في استمرار وجوده بدلاً من محاولة تغييره نحو نظام أكثر عدالة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وهذا كان دورها منذ مئتي عام على صدورها إلى الآن.
أهم المقالات الواردة في هذا الكتاب المقالة الافتتاحية لديز فريدمان حيث يبدأها بقوله: “صحيفة الغارديان ليست يسارية، ان اليساريين يقرأونها ويتابعون مقالات الرأي لكتّابها ولكنها ليست مرتبطة بشكل مباشر بالمنظمات المناوئة للامبريالية، كما أنها فشلت في تحقيق لليسار ما أنجزته صحف كـ”الديلي ميل” و”الديلي تلغراف” لليمين البريطاني، لانها صحيفة ليبرالية تُغضب اليمين في بعض الأحيان، ولا تحقق أهداف اليسار في أحيان أخرى. وكانت “الغارديان” منذ صدورها في مانشستر منذ مئتي عام تحقق تطلعات رجال الأعمال والجهات الوسطية التوجه في بريطانيا والعالم، وقد تقاعست في أحيان عن اتخاذ مواقف صلبة ضد عنصرية البيض ضد الملونين وحرية تقرير المصير في ايرلندا عموماً ولم تقف إلى جانب الثورة الاسبانية ضد النظام الديكتاتوري، ولا ضد الغزو العدواني العسكري البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي لمصر في الخمسينيات في حرب السويس. ورأى فيها فردريك انجلز جانباً من جوانب نظام الطبقة الوسطى في كتابه عن أوضاع الطبقة العمالية في إنكلترا”. ويضيف “ولكن هذا لا يعني أن “الغارديان” لم تفضح تجاوزات خطيرة ارتكبها النظام الرأسمالي في قضايا عديدة وأهمها قضية إدوارد سنودون وأجهزة التنصت على الحياة الخاصة للأمريكيين والبريطانيين في الأعوام القليلة الماضية”.
أما ما يعتبره فريدمان من أسوأ مواقف “الغارديان” فكان تأييدها لحرب الخليج الأولى في العراق وقصف قوات “حلف شمالي الأطلسي” (الناتو) ليوغسلافيا والمشاركة في الهجوم على قيادة جيريمي كوربن لحزب العمال البريطاني بين عام 2015 و2020 بدلاً من الموضوعية آنداك.
ومن مقالات الكتاب الرئيسية ما كتبته الأكاديمية الفلسطينية الدكتورة غادة الكرمي في فصل الكتاب الخامس عن تغطية “الغارديان” للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
تستهل الكرمي مقالها برفض الفكرة القائلة بان النزاع في هذه القضية بين جانبين متوازيين. وتعتبر الصهيونية حركة كولونيالية استوطنت في أراضي غيرها وتواجه مقاومة فيها. وهذا الرأي مخالف لمواقف عدد كبير من كتّاب “الغارديان” السابقين والحاليين الذين يعتمدون (حسب قولها) مبدأ “الموازاة” بين مطالب الفلسطينيين وحقوقهم ومواقف القيادات الإسرائيلية. كما يتجنبون قول الحقيقة بالنسبة للجهات التي تقاوم إسرائيل بالفعل بين الفلسطينيين والجهات الأخرى التي تستخدمها إسرائيل لتحقيق مآربها، وخصوصاً عدم الموضوعية فيما يتعلق بحركة “حماس” وغزة.
وتؤكد الكرمي أن من الواضح تاريخياً حقيقة ما حدث في فلسطين بعدما تسلمت بريطانيا البلد من الدولة العثمانية في عام 1917 إذ ساعدت بريطانيا الحركة الاستيطانية الصهيونية في السيطرة على فلسطين لأسبابها الامبريالية وساهمت في نشوء قوة عسكرية صهيونية طردت أكثرية الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم وحل مكانهم المستوطنون. وكل ذلك، وما حدث في 1948 و1967 وحالياً، تفتقد إليه تغطيات صحيفة “الغارديان” أو تتقاعس عن تناوله بشكل كافٍ مع ان بعض التحقيقات فيها تتميز عن الصحف البريطانية الأخرى. وبالتالي، لا يتم التركيز الكافي على ان الفلسطينيين طُردوا من بلادهم ولم يتركوها بمحض إراداتهم.
وترفض الحجة التي تتذرع بها “الغارديان” وغيرها بأن ضغوطاً تُمارس عليها لكي لا تركز بما يكفي على الوقائع التاريخية من قِبَل جهات ولوبيات مؤيدة لإسرائيل في البلد ومن جانب السفارة الإسرائيلية في لندن. وهذه الحجة (حسب الكرمي) تتلطى أيضاً خلفها “هيئة الإذاعة البريطانية” ووسائل إعلام أخرى تدّعي الموضوعية (ص 76 و77).
وتشير الكرمي إلى أن “الغارديان”: “كانت من كبار الداعين إلى الفكرة الصهيونية في السنوات الأولى لصدورها، ولكن من اللافت انه حتى الآن توجد أصوات فاعلة في الصحيفة تعتبر بانها تنتقد إسرائيل أكثر مما يجب بسبب ضغوط اليسار الراديكالي المؤيد لفلسطين. ويصورون هذا الاتهام بانه نوع من العداء للسامية الذي أصبح يوجه بكثرة باتجاه “الغارديان” وبالتالي، أجرت الصحيفة دراسة حول هذا الموضوع، فمورست ضغوط لكي تأتي النتائج في غير وجهتها الصحيحة”.
كل ذلك “لم يمنع منتقدي “الغارديان” من اتهامها بالعداء للسامية كلما كتبت مقالة ضد إسرائيل” (ص 79).
وتتحدث الكرمي باسهاب عن علاقة صحيفة “الغارديان” بالحركات المدنية البريطانية المؤيدة للقضية الفلسطينية والتي كانت هي كناشطة إحدى شخصياتها الفاعلة، مؤكدة بانه في السنوات الأخيرة إصبح أمر إيصال الصوت الفلسطيني إلى تلك الصحيفة أكثر صعوبة، وصارت الأجهزة التحريرية فيها تتوجه إلى مراجع يهودية معتدلة في بريطانيا للتحدث باسم الفلسطينيين بدلاً من الفلسطينيين.
وتوضح بأن استخدام سلاح “العداء للسامية” ساهم في وضع القيود على فاعلية وقدرة “الغارديان” أو غيرها في مجال تأييد القضية الفلسطينية (ص 89). وتستخلص الكرمي بأن: “تغطية “الغارديان” للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، بقيت الأقل إنحيازاً بين غيرها من الصحف البريطانية الرئيسية الموزعة ورقياً التي ما زالت تتجنب تقديم الآراء من أكثر من جانب واحد منحاز لإسرائيل”.
أما فيكتوريا بريتان التي كتبت الفصل الخامس من الكتاب، والتي كانت مسؤولة عن “ملحق العالم الثالث” الأسبوعي التابع لـ”الغارديان” في ثمانينيات القرن الماضي، والذي توقف عن الصدور، فتقول إن هذا الملحق كان يواجه في مقالاته سياسات وتجاوزات مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان بفعالية ما ساهم في تعزيز الفكرة بان “الغارديان” كانت صحيفة راديكالية. وقد تحدث في ذلك الملحق كبار قادة العالم الثالث المعارضين لسياسات قادة الأنظمة اليمينية المتطرفة القوية في العالم. وبين المتحدثين فيديل كاسترو وياسر عرفات وجوليوس نيريري ويوري موسيفيني واوليفر تامبو. كما تمت تغطية مواقف قادة “مفوضية الشمال والجنوب الأوروبية” وبينهم المستشار الألماني السابق ويلي براندت ورئيس وزراء السويد السابق (الذي اغتيل) أولاف بالمه، ورئيس الوزراء البريطاني السابق ادوارد هيث، وقادة من دول الجنوب الآسيوية والأفريقية وقادة اقتصاديين أمريكيين كاليوت بيرغ، معارضين لهيمنة “صندوق النقد الدولي و”البنك الدولي” على اقتصادات آسيا وأفريقيا.
كما تحدث في الملحق المدير العام المنفتح السابق لليونسيف جيمس غرانت ومساعدوه الذين كانوا معارضين لهيمنة الصندوق والبنك الدوليين على اقتصادات العالم الثالث والتي يحاولون إعادتها حالياً.
وتحدثت بريتان عن الانقلابات العسكرية في أفريقيا في ثمانينيات القرن الماضي التي حدثت بسبب محاولات الدول الكبرى الهيمنة على اقتصادياتها وكيف تمت تغطية أحداثها في ملحق “الغارديان” الذي أدارته والذي تم توقيفه بشكل غير مبرر، وأشارت إلى أن بعض القادة الذين تحدثوا في الملحق تم اغتيالهم لاحقاً وبينهم موريس بيشوب رئيس غرينادا وتوماس سانكارا رئيس بوركينيا فاسو وذلك في منتصف الثمانينيات.
وقد اضطر رئيس تحرير “الغارديان” آنذاك بيتر بريستون، إلى دعوة بريتان في عام 1989 بعد تغطية عادلة مارسها الملحق للانتفاضة الفلسطينية الأولى ولحرب الخليج الأولى وللإفراج عن نيلسون مانديلا، وإبلاغها بضرورة وقف إصدار الملحق لأنه يخلق مشاكل له وللصحيفة مع وزارة الخارجية البريطانية والبنك الدولي والسفارة الأمريكية والإسرائيلية وسفارة جنوب أفريقيا في بريطانيا.
وتبين لبريتان بأن ضغوطاً اقتصادية ومالية مورست على “الغارديان” بالإضافة إلى الضغوط السياسية لوقف إصدار “ملحق العالم الثالث” ولكنها تؤكد ان اختبارها في ذلك المجال كان مفيداً وتحقق بفضل جهود صحافيين شجعان في “الغارديان” بينهم إيان رايت، ورئيس التحرير بيتر بريستون والمفكر الأمريكي العالمي البارز نعوم تشومسكي.
ويقول جاستن شلوسبرغ في الفصل الحادي عشر من الكتاب بان قضية إزاحة كوربن من قيادة حزبه، بحجة عدائه للسامية، وعدم دفاع “الغارديان” الكافي عنه أثبتا بان الصحيفة ليبرالية وسطية، وليست راديكالية يسارية.
والمخزي، برأيه، ان تغطية “الغارديان” لنجاح كوربن في انتخابات رئاسة الحزب عام 2015 اختلف كلياً عن تغطيتها في الدفاع عنه عام 2018 عندما اتهم بالعداء للسامية أو عندما أقيل من الحزب الذي قاده لخمسة أعوام (2015 إلى 2020).
فقد التحقت “الغارديان” بالصحف البريطانية الأخرى المشوهة لصورة كوربن ومارست تغطية مشبوهة لموضوع العداء للسامية (ص 185) فكانت تشوه الحقائق في هذا المجال (حسب الكاتب) بشكل مستمر، ولم تقدم الأدلة المقنعة على ما ورد في مقالاتها حول الموضوع وساهمت في نزع المصداقية والشرعية عن قيادته لحزبه واستخدمت مصادر معادية لكوربن داخل حزب العمال البريطاني (ص 186) والحجة التحريرية كانت انه ليس باستطاعة الصحيفة التوجه في مسار مخالف كلياً للصحف ووسائل الإعلام البريطانية الأخرى. وهي حجة ضعيفة لأن “الغارديان” و”الاندبندنت” فعلتا ذلك في مناسبات أخرى، السبب (برأي الكاتب) وجود صحافيين داخل “الغارديان” ساهموا في تأجيج الحملة ضد كوربن. ففي عام 2011 كان الناشر الثري روبرت مردوخ يحاول توسيع رقعة نفوذه على الصحف ووسائل الإعلام البريطانية والعالمية، واستخدمها هؤلاء كحجة للمشاركة في الحملة على كوربن وإلا خسارة القراء. وهذه كانت حجة (برأي الكاتب) واهية، والسبب الرئيسي، حسب تحليله، كان الضغط السياسي والإعلامي الأمريكي لإزاحة كوربن خلال الفترة الانتخابية الرئاسية في أمريكا نفذته المجموعة المؤيدة لدونالد ترامب بدعمٍ من وسائل الإعلام الإلكتروني التابع لها ولإسرائيل. وبالتالي، تعاونت “الغارديان” مع السلطات النافذة المتطرفة في العالم الغربي في أحلك الأوقات وتم تزويدها بمعلومات وروايات محرفة من جهات إستخبارية عديدة بين عامي 2015 و2019 لإفشال ولتقليص شعبية كوربن وصلت إلى حد وصم انتخابه رئيساً للحكومة بأنه يهدد أمن بريطانيا والغرب (ص 191).
يستشهد فريدمان بقول للسياسي البريطاني اليساري الراحل توني بن بان الغارديان “تمثل صحافيي الخط الوسطي الذين يحبون بقاء الستاتيكو ولا مشكلة لديهم في الاستمرار تحت هيمنة أمريكا وحلف الناتو ومفوضي الاتحاد الأوروبي. وهم ينتقدون اليسار واليمين ولكنهم مع السلطة التي يناسبهم استمرارها، ولا يهتمون لآراء أشخاص مثلي لأن السلطة ليست بيدنا”.
وتمكن الإضافة بان الخطر الذي شكله كوربن لهم هو إمكان وصوله إلى السلطة وتهديد ليبراليتهم وازدواجية انتماءاتهم وخصوصاً بالنسبة للقضية الفلسطينية.
Des Freedman: “CapitaLism’s Conscience, 200 Years of The Guardian”
Pluto Press, London 2021
Pages 304.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية