غيب الموت العلامة إلبرت بطرس عضو هيئة التدريس في الجامعة الأردنية منذ عام 1963 مترجم الكتاب الأدبي القيم جيفري تشوسر، وهو أحد أعلام الأدب في القرن الرابع عشر، مؤلف الحكايات المشهورة بعنوان كانتربري وقد مهد للكتاب بما تيسر عن حياة تشوسر مشيرا إلى الاختلاف في سنة ولادته، فبعضهم يذكر أنّها كانت سنة 1340، وبعضهم يذكر أنها كانت سنة 1343، وهذا هو الأرجح. ولكنهم يتفقون على أنّ أسرته تنحدر من أرومة نورمندية، وأنّ أباه كان تاجر خمور ازدهرت تجارته، وحظي، بسبب ذلك، بمكانة لدى البلاط ، وما إنْ شبَّ جفري عن الطوق حتى عُيّن وصيفا لابن إدوارد الثالث، الذي عرف بلقب دوق كلارنس. وأفلت من الطاعون بسبب إقامته في تلك المقاطعة، وعندما عاد إلى لندن التحق بالخدمة العسكرية، واشترك في حرب المئة عام، ووقع في الأسر وعمره 17 عاما. ولا يُعرف حتى الآن إلا القليل من تفاصيل ما جرى معه في السبع السنوات التي تلت وقوعه في الأسر، فقد تبين أنه سافر إلى أوروبا في مهمة سرية سنة 1367 وأنه تزوج في عام 1366.
ويُذكر أن تشوسر قام بزيارة إلى إيطاليا تعرف فيها على أدب دانتي Dante وبوكاشيو Boccaccio مؤلف كتاب “ديكاميرون” الذي يروي فيه نحو مئة حكاية بأسلوب قصصيّ مؤطر، وقد تأثر به تأثرا كبيرا، مثلما فُتنَ أيضا، وتأثر، ببعض أشعار بترارك Petrarch ولا سيما السونيتات. وفي سنة 1374 مُنح منزلا في لندن دون أجرة، وابتعث بعد ذلك العام في مهمات إلى أوروبا متكررة. وآخر ما شغله من وظائف كان وظيفة مراقب الجمارك في مرفأ لندن، فوظيفة مدير غابة الملك التي ظلّ فيها إلى أن توفي عام 1400.
وفي هذا السياق يزيدنا المؤلف معرفة بآثار تشوسَّر الأدبية، ومنها: كتاب “الدوقة” و”بيت الشهرة” و”برلمان الطيور” و”بويس” و”طرويلوس وكرسيدا” و”سيرة السيدات الطيبات” و”أناليدا وأورسته” و”قصائد قصيرة متنوعة ” و”أطروحة عن الإسْطرلاب” و”حكايات كانتربري”، وقد تحدث المؤلفُ رحمه الله عن هذه الآثار حديثا مفصلا استغرق من الكتاب عددا غير قليل من الصفحات، لكنه أفاض في الحديث عن الكتاب الأخير، لما له من أثر جليّ في فنون الأدب الأوروبي في ذلك العَصْر، وما تلاه، ولاسيما القصص الخيالي، والسرد القصصي والروائي. وذكر عناوين الحكايات، وعددُها اثنتان وعشرون. أولاها “حكاية الفارس” والأخيرة “حكاية راعي الأبرشية”. ولم يكتف المؤلف بذكر عناوين الحكايات، بل عرض لها عرْضا موجزا، مبرزا ما في كل حكاية من عناصر البناء القصصي من شخصيةٍ، وحدثٍ، وعُقدَةٍ، على الرغم من أن القصة لم تكن في ذلك العصر قد عُرفتْ بوصفها فنا، أو نوعا أدبيا له قواعده التي يجب أن يُلتزم بها، وتراعى منَ المؤلفِ والقارئ.
في الجزء الثاني من الكتاب ترجمة لمختارات من شعر تشوسر، ونثره، وهي مهمَّة لا نراها هينة، ولا يسيرة، ذلك لأن لغة تشوسر تنتمي إلى اللغة الإنكليزية الوسيطةMedieval ولهذا فإنَّ آثاره ترجمتْ إلى الإنكليزية الحديثة، وهنا تكمن المشكلة، لأن الترْجمة من هذه اللغة إلى العربيّة، أو لأي لغة أخرى، سيكون بعيدا عن حقيقة النص المترجم بمنزلتين، ولهذا يفضل أنْ تترجم آثاره عن لغته هو، لغة العصر الوسيط. ولكن هذه الترجمة لنْ تخلو من عقباتٍ تواجهها في الطريق، ومن تلك العقبات أنَّ تشوسّر نفسَه – في شعره مثلما هو في نثره ـ يُحلـّق في أجواء من الخيال الرومانسي، ملتزمًا بضبْط الإيقاع والقوافي، التزاما يحدوهُ – أحيانا – للتضحية بالتسلسل المنطقي مراعاة لانْسجام القوافي. وهذا لا يُمكن التقيد به في الترجمة إلى العربية، إلا إذا سَمَح المترجم لنفسه بالابتعاد قليلا عن جوهر النص. علاوة على ما سبق، تحفل نصوص تشوسّر ببعض الأسماء القديمة، وهذه من الصعب تعريبُها، وهي باللفظ القديم تمثل عائقا يعْترض سلاسة الترجمة، زد على ذلك ظهور غير قليل من أسماء المهن في نثره، وشعْره، وبعضها ممّا لا مُقابل له في العربية. يُضاف إلى ذلك وجودُ كلمات في حكايات كانتربري نقلت أصْلا من اليونانية، أو اللاتينية، للغة الإنكليزية الوسيطة، ولم تعد هذه العبارات والكلمات مستعملة، ما يحول دون العثور على مقابل لها يسيرِ التناول لدى القارئ. فكلمة Christendom مثلا كلمة قديمة استخدمت بمعنيين، أولهما: المسيحية (الديانة) والثاني: البلاد التي تنتشر فيها تلك الديانة، وهي أوروبا الغربية، فإذا اكتفى المترجم بالمعنى الأول يخشي أنْ يسيء إلى المعنى في النص الأصلي، مثلما يخشى إذا اكتفى بالثاني أنْ لا يكون المَدْلول مطابقا للنص.
وهذه مَلاحِظ قدْ تجعلُ من ترجمة تشوسر للعربيّة مُشكلة معقدة، بيد أن إلبرت بطرس بنفاذ بصيرته تغلَّبَ عليها بفضل معرفته الدقيقة بلغة تشوسر وعصْره. يُضاف إلى هذا أن في تلك اللغة الكثير من الأعراف اللغوية، والثقافية، المشتركة بينها وبين اللغة العربية. وهي أعرافٌ تجعلها أقرب للعربية من لغة شكسبير وعصْره. علاوةً على ما سبق، تتكرَّرُ في لغة تشوسر هذه: الأمثالُ والصور الشعرية، والكنايات والمجازات، التي يوجد – لحسن الحظ – نظير لها في العربية، مما يُيَسِّر على المُترجم أنْ يحافظ في ترجمته على بعض مزايا الأسلوب في النصّ المُترجم. وذلك، في الواقع، يجعل من قراءتنا لترجمات بطرس، قراءة لا تخلو من متعة، نجدها أولا في ترجمته لمقدمة حكايات كانتربري، التي تشغل الصفحات من 99- 111 تليها ترجمته لواحدة من هاتيك الحكايات، وهي “حكاية طالب العلم”، التي تقع في خمسة أجزاء مع مقدمة، وخاتمة، من تشوسر نفسه. تليها “حكاية الكاهن المرافق للراهبة” فترجمة للقسم الأول من كتاب “طرويلوس وكرسيدا” وهو كتابٌ لا يخلو من الأشعار، والأغاني والأساطير. ولا يفوت المُترجم أنْ يطلعنا في كتابهِ على نماذج مُصوَّرة من مخطوطات تشوسر ومطبوعاته القديمة.
وما منْ ريْب في أنَّ القارئ، بعْدَ أنْ يفْرُغ من قراءة هذا الكتاب، يشعُرُ بالرضا التام من المؤلف، فهو يُعمّق معرفتنا بتاريخ اللغة الإنكليزية، وزادنا دِرايَةً بالظروف والأجواء، التي أحاطتْ بجفْري تشوسر وأسرته، وألقى ضوءا كاشفا على صلته بالقصر، وعلى رحلاته، وأسْفاره، وما كانَ لتلك الأسفار من أثر في ثقافته التي لم تقتصر على الثقافة الأوروبية، وإنّما لامستْ حُدودا أخرى، واجتازتها للثقافة العربية الإسلاميّة، بدليل أن تشوسر يذكرُ في مقدمة حكايات كانتربري اسم علي بن العباس (المَجوسيّ)* (383هـ)، وهو طبيب عربي، مثلما يذكر في “كتاب الدوقة” أبا بكر الرازي (854- 932م) وابن سينا (980- 1037م) وابن رشد (1126- 1198م) ويوحنا الدمشقي (656- 749م) ويشير إلى الرسول (ص) في حكايته “رجل القانون” بعبارة Goddess Message ويصفُ أبا بكر الخوارزمي (781- 847م) بعبارة الحِسابيّ النبيل، مُخْترع الأرقام العَربيّة. وهذا كلّه يجعل من كتاب ألبرت بطرس رحمه الله كتابا يسدُّ فراغا كبيرا في المكتبة العربية، ما يستوجب شكرهُ أولا على هذا الجهد الذي يجمع بين دقة البحث، واتساع النطاق، والتسلسل المنطقي، ويوجب الثناءَ عليْه ثناءً جَميلا، ثانيا، لما نفحَ به المكتبة العربيّة من سِفْرٍ لطيفٍ، وكتابٍ أنيق، يجْمَع ُبين التحليل العَميق، والاستقصاء المُمْتع الدقيق.
يُذْكرُ أنَّ المؤلفَ من مواليد القدس عام 1934 وتخرج في كلية تراسنطة سنة 1948 وتابع دراسته العليا في جامعة لندن، التي حصل منها على شهادة الليسانس والماجستير، والدكتوراه عام 1963. وتتنوع اهتماماته بين التعمّق في تاريخ اللغة الإنكليزية، والدراسات المتعلقة بجفري تشوسر، واللسانيات، والترْجَمة. ونشرَ بُحوثا عدة، من أبرزها: بحث بعنوان The Development of English Dictionary (1969) أي: تطور المعجم الإنكليزي، ومنها بحث عن الألفاظ التركية والإيطالية والفرنسية، التي اقترضتها الدارجة العربية في فلسطين(1973) وبحث عن إمكانات ترجمة تشوسر إلى العربيةThe Translatability of Chaucer into Arabic1977 . وبحث آخر عن اللغة الإنكليزية وكتاب القصّة من غير الإنكليز The English and Non- Native Writers of Fiction (2004) وبحوث تتصل بتدريس الإنكليزية لمستويات ما بعد الثانوي.